إنّ مَنْ يزعم أنّ الإمام الحسن عليه السلام ليس لديه أولادٌ فكلامه لا يسمن ولا يغني من جوع فضلاً عن جهله بحقيقة هذا الأمر الذي هو واضح كوضوح الشمس في رائعة النهار، إذ ما من مصنّفٍ من مصنّفي العلماء مِـمّنْ صنّف في التراجم والسّير إلّا ويذكر أنّ للإمام الحسن عليه السلام ولداً اسمه الحسن الملقّب بالحسن المثنّى، وقد ترجم له كلُّ مَنْ مرَّ على ذكره.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وإليك نماذج من ذلك:  في التاريخ الكبير للبخاريّ، رقم الترجمة (2502)، قال: الْحَسَنُ بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ الَهاشميّ عَنْ أَبِيه الْحَسَن روى عَنْهُ الحسن بْن مُحَمَّد وإبراهيم بْن الْحَسَن، وروى خَالِد عَنْ سهيل بْن أَبِي صالح عَنْ حسن بْن حسن عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله، مرسل. وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازيّ (ج3/ص5)، رقم الترجمة (17) قال: الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه روى عنه الحسن بن محمّد وإبراهيم بن الحسن وسهيل سمعت أبي يقول ذلك.وفي كتاب الثقات لابن حبّان (ج2/ص310)، قال: وجُرِحَ فِي ذَلِك الْيَوْم [أي العاشر من المحرّم الحرام في واقعة كربلاء] الحسن بْن الْحسن بْن عَليّ بْن أبي طَالب جِرَاحَة شَدِيدَة حَتَّى حسبوه قَتِيلاً ثمَّ عَاشَ بعد ذَلِك، وفي تاريخ الإسلام للذهبيّ (ج2/ص1079)، قال: الْحَسَنُ بْنِ الْحَسَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، أَبُو مُحَمَّد الْمَدَنِيُّ. [الوفاة: 91 - 100 هجريّة]: رَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَعَنْهُ: ابنه عبد الله، وابن عمّه الحسن بن محمّد ابن الحنفيّة، وسهيل بن أبي صالح، وإسحاق بن يسار، والوليد بن كثير، وفضيل بن مرزوق، وفي تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلانيّ (ج2/ص263)، قال:  الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب والد الذي قبله روى عن أبيه وعبد الله بن جعفر وغيرهما وعنه أولاده إبراهيم وعبد الله والحسن وابن عمّه الحسن بن محمّد بن عليّ وحنان بن سدير الكوفيّ وسعيد بن أبي سعيد مولى المهريّ وعبد الله بن حفص بن عمر بن سعد والوليد بن كثير وغيرهم كان أخا إبراهيم بن محمّد بن طلحة لأمّه وكان وصيّ أبيه وولي صدقة عليّ في عصره ذكره البخاري في الجنائز وروى له النسائيّ حديثاً واحداً في كلمات الفرج.ونكتفي بهذا القدر من كتب التراجم التي بيّنت حقيقة هذه الشخصيّة.

ما ما يخص السيدة شريفة ابنته، فإنّ ما أُشيع في الآونة الأخيرة عن مرقد السيّدة شريفة بنت الحسن (ع) من إشكالات ليس صحيحاً، وذلك لأنّ مَرْقَد السَّيِّدَةِ شَرِيفَةَ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ وَلَيْسَتْ كِذْبَةً، وَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ حِرْزُ الدِّينِ (ت 1365 هجريّة) فِي مَرَاقِدِ المَعَارِفِ، وَقَالَ بِأَنَّهُ مَرْقَدٌ عَلَيْهِ بُنْيَةٌ قَدِيمَةٌ وَقُبَّةٌ صَغِيرَةٌ، وَأَنَّ قَبْرَهَا مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ القُرَى وَالأَرْيَافِ بِتِلْكَ المِنْطَقَةِ بِقَبْرِ العَلَوِيَّةِ شَرِيفَةَ بِنْتِ الحَسَنِ. مَرَاقِدُ المَعَارِفِ ج1 ص384.

هَذَا، وقَد عِلْمَ القَاصِي وَالدَّانِي بِصُدُورِ الكَرَامَاتِ الكَثِيرَةِ مِنْهَا، حَتَّى عُرِفَت بِالطَّبِيبَةِ، وَهَذَا يَكْشِفُ عَن وَجَاهَةِ المَدْفُونِ فِي هَذَا القَبْرِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، فَلَا يُمْكِنُ صُدُورُ الكَرَامَاتِ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الخُرَافِيَّةِ أَوْ القُبُورِ المَكْذُوبَةِ. وقد ذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ وَعُلَمَاءُ الأَنْسَابِ أَسْمَاءَ بَنَاتِ الإِمَامِ الحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) كَالتَّالِي:      1 - أُمُّ الحَسَنِ. 2 - أُمُّ سَلْمَةَ. 3 - أُمُّ عَبْدِ اللهِ. 4 - رُقَيَّةُ. 5 - فَاطِمَةُ. 6 - رَمْلَةُ أُمُّ الحُسَيْنِ (الخَيْر). 7 - فَاطِمَةُ.

هَذَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ المُفِيدُ، وَذَكَرَ شَيْخُ الشَّرَفِ خَمْسَةً بِإِسْقَاطِ فَاطِمَةَ وَرُقَيَّةَ، وَذَكَرَ المُوَضِّحُ النَّسَّابَةُ سِتَّةً بِإِسْقَاطِ إِحْدَى الفَاطِمَتَيْنِ، وَذَكَرَ أَبُو نَصْرٍ البُخَارِيُّ أَنَّ لِلإِمَامِ الحَسَنِ سِتَّةَ بَنَاتٍ. عُمْدَةُ الطَّالِبِ لِابْنِ عَنبَةَ ص64، الإِرْشَادُ للمُفِيدِ ج2 ص20.

فإنْ أُشكلّ على ذلك بأنّ الذين ترجموا للإمام الحسن عليه السلام لَمْ يَذْكُرُوا السَّيِّدَةَ شَرِيفَةَ فِي بَنَاتِ الإِمَامِ الحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ). فجواب هذا الإشكال: بأنْ نقول هنا عدّة إحتمالات واردة لدفع هذا الإشكال، منها:

 أوّلاً- أنّ عدم ذكر السيّدة شريفة بنت الحسن (ع) من ضمن أسماء بنات الحسن عليهم السلام آنفاً، لَا يَمْنَعُ أَنْ تَكُونَ السَّيِّدَةُ شَرِيفَةُ هِيَ أُمَّ الحَسَنِ، أَو أُمَّ سَلْمَةَ، أَو أُمَّ عَبْدِ اللهِ.

وَثَانِيًا: عَدَمُ ذِكْرِهِم لَهَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُودِهَا، فَقَد رَأَيْنَا أَنَّ بَعْضَهُم ذَكَرَ لِلإِمَامِ الحَسَنِ خَمْسَ بَنَاتٍ، وَبَعْضَهُم ذَكَرَ سِتَّةً، وَبَعْضَهُم سَبْعَةً، فَكُلُّ عَالِمٍ يْذْكُرُ مَا عَرَفَهُ وَتَوَصَّلَ إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ لِلإِمَامِ الحَسَنِ بِنْتاً بِاسْمِ شَرِيفَةَ لَمْ يَصِلْهُمْ خَبَرُهَا.

وثالثاً- يُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَكُونَ شَرِيفَةُ اسْمًا لِصَاحِبَةِ المَرْقَدِ، وَإِنَّمَا لَقَبًا لَهَا، لكونهَا عَلَوِيَّةً مِن بَنَاتِ الإِمَامِ الحَسَنِ (عَ)، وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُه أهَالِي المِنْطَقَةِ المُحِيطَةِ بِالمَرْقَدِ الشَّرِيفِ، إذ يُلَقِّبُونَهَا بالشِّرِيفَةِ بِكَسْرِ الشِّينَ، وَالَّتِي تَعْنِي العَلَوِيَّةَ، كَمَا يُلَقِّبُونَ السَّادَةَ بِالأَشْرَافِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ. وعلى هذا الإحتمال لا يمكن عدّها مِنْ بَنَاتِ الإِمَامِ الحَسَنِ (عَ) الصُّلْبِيِّينَ المباشرين، وَإِنَّمَا مِن ذَرَارِيِهَا وَأَحْفَادِهَا.

ورابعاً- احْتَمَلَ المَرْحُومُ المُحَقِّقُ السَّيِّدُ مُحَمَّد عَلِيّ الحُلْو أَنَّهُ قَبْرٌ لِأَحَدِ أَطْفَالِ الرَّكْبِ الحُسَيْنِيّ، حَيْثُ مَاتَتْ هَذِهِ العَلَوِيَّةُ فِي الأَسْرِ وَفِي مَصَائِبِ التَّضْيِيقِ عَلَى العِيَالِ بَعْدَ أَن عَانَتْ مِنَ القَهْرِ وَالحِرْمَانِ وَالعَطَشِ وَحَرَارَةِ الشَّمْسِ إِذ لا يُظِلُّهُمْ ظِلٌّ، وَلا يَقِيهِم وِطَاءٌ، وَقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّ القَبْرَ لِأَحَدِ العَلَوِيَّاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ فِي رَكْبِ السَّبَايَا، وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَلَم تُطِق مَصَائِبَ السَّبْيِ وَمِحَنَهُ حَتَّى وَافَاهَا الأَجَلُ حَيْثُ قَبْرُهَا هُنَاكَ، وَلَعَلَّهُم تَلَقَّوْهُ مِن مَصَادِرَ مُهِمَّةٍ خَفِيَت عَلَيْنَا اليَوْمَ. مَرْقَدُ شَرِيفَةَ بِنْتِ الحَسَنِ، (قِرَاءَاتٌ تَحْقِيقِيَّةٌ ص 58). ثُمَّ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. هذَا، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ مُعَامَلَةَ القَوْمِ مَعَ السَّبَايَا كَانَتْ قَاسِيَةً جِدًّا كَمَا يَذْكُرُهُ المُؤَرِّخُونَ.

إِذَن: إشْتِهَارُ هَذَا المَرْقَدِ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ قَدِيمِ الأَيَّامِ، وَقِدَمُ قَبْرِهَا وَالبِنَاءُ الَّذِي عَلَيْهِ، وَصُدُورُ الكَرَامَاتِ مِنْهَا، شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ لِهَذَا القَبْرِ حَقِيقَةً وَوَاقِعِيَّةً وَلَيْسَتْ مِنَ القُبُورِ المُسْتَحْدَثَةِ أَوْ الخُرَافِيَّةِ. وَلَكِن يَبْقَى الغُمُوضُ وَالجَهْلُ بِالهَوِيَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ لِصَاحِبَةِ القَبْرِ، هَل هِيَ مِنَ البَنَاتِ الصُّلْبِيِّينَ لِلإِمَامِ الحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، أَمْ مِن ذَرَارِي الإِمَامِ (عَ)، لَا يُمْكِنُنَا الجَزْمُ بِأَيٍّ مِنَ الاحتمالين، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُنَا نَفْيُ أَحَدِ الاحتمالين بِضِرْسٍ قَاطِعٍ. وَعَلَيْهِ: فَلَا يُمْكِنُنَا القَوْلُ بِأَنَّهُ مَرْقَدٌ مُزَيَّفٌ، فَهَذَا مَا لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنْ عَالِمٍ أَو مُحَقِّقٍ أَوْ بَاحِثٍ مُنْصِفٍ. فَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنَ المَعْلُومَاتِ عَنْهَا إِلَّا مَا هُوَ المُتَدَاوَلُ وَالمَشْهُورُ بَيْنَ أَهَالِي تِلْكَ المِنْطَقَةِ مِن أَنَّهَا شَرِيفَةُ بِنْتُ الحَسَنِ (عَ).