الليلة الأولى: مقارنة بين مرحلتين

كنّا قد وعدناكم في ختام شهر رمضان المنصرم بمواصلة الحديث في قصّة الكليم على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وها نحن نفي بالوعد الذي قطعناه على أنفسنا ونشرع في إكمال هذه السلسلة المباركة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وقد بدأ الحديث في السنة الماضية بأحداث ما قبل ميلاد موسى عليه السلام وانتهى بخروج بني إسرائيل من مصر ونجاتهم من طغيان فرعون وجنوده، وهذه السنة سنبدأ من حيث انتهينا في السلسلة السابقة ونحاول أن نطوي حياة موسى بن عمران عليه السلام إلى أن نصل إلى وفاته.

وقبل البداية في عرض الأحداث وتحليلها لابدّ لنا من بيان الفوارق بين المرحلتين:

-مرحلة ما قبل الخروج: عبوديّة بني إسرائيل

-مرحلة ما بعد الخروج: الخلاص والتحرّر

يمكن تلخيص الفوارق بين المرحلتين في التالي:

  1. الفارق الأوّل: نوعيّة العدو

أوّل فارق وأهمّ فارق يتمثّل في نوعية العدوّ الذي يواجهه بني إسرائيل، ففي المرحلة الأولى كان العدو الذي تدور حوله أحداث القصّة هو فرعون وزبانيته أمّا في المرحلة الثانية من قصّة بني إسرائيل فالحديث حول عدوّ مختلف تماما وهي (النفس) والفارق بين العدوّين:

 

-عدوّ خفيّ: إنّ فرعون عدوّ ظاهر لبني إسرائيل يعرفه الجميع ويخشون بطشه، أمّا النفس فهي عدوّ خفي لا يرى بالعين ولا يدرك بالحواسّ بل قد لا يعرف الإنسان بعداتها أصلا رغم أنّها ألدّ الاعداء، فقد ورد في الخبر: أعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك (عوالي اللئالي 4/118)

-مواجهة مستمرّة: إنّ المواجهة مع العدوّ الظاهري تكون عادة مرتبطة بفترة زمانيّة محدّدة فلو افترضنا وجود نزال بين شخصين فإنّ له إشارة انطلاق وإشارة انتهاء، بخلاف المواجهة مع العدوّ الباطني (النفس) فإنّ المواجهة مستمرّة منذ ولادته إلى حين موتك لا يخلو آن منها وقد ورد في كتاب الله (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون).

-فداحة الخسائر: أهمّ فارق جوهري بين المواجهتين هو أنّ مواجهة العدوّ الخارجي هي عدم وجود خسارة في هذه المواجهة، فلو خرج الإنسان للجهاد فهو إمّا منتصر أو شهيد وكلاهما مكسب، أمّا المواجهة مع النفس فليست كذلك بل لها نتيجتان إمّا النصر عليها وترويضها أو الخسارة التي وراءها جهنّم وبئس المصير.

وهذه الأمور هي التي جعلت من علاقة الإنسان بنفسه تسمّى جهادا بل جهادا أكبر كما ورد في الخبر الصحيح: أنّ النبي صلى الله عليه وآله بعث بسريّة فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر، قيل : يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس (الكافي 5/12)

  1. الفارق الثاني: الغاية من الابتلاء

إنّ أحداث المرحلة الأولى كانت بمثابة الابتلاء العام لبني إسرائيل ترتّب عليه تأسيس المجتمع الإسرائيلي الذي من المفترض أن يكون فيما بعد شعب الله المختار الذي ينفّذ إرادة الربّ ويرتقي بالبشريّة إلى أعلى مراتب الرقيّ والكمال، وهذا الأمر معروف اليوم فعندما يتولّى شخص عصاميّ منصبا كبيرا سيكون أقرب إلى الناس من شخص ولد وفي فمه ملعقة ذهب كما يعبّرون، فبنو إسرائيل عاشوا الظلم والقهر والاستعباد والفقر والمسكنة، فمن المفترض أن يصبحوا أكثر الناس حربا لهذه الأمور التي ذاقوا منها الأمرّين، وعليه فالابتلاء كان لأجل إعدادهم لهذه المهمّة الخطيرة.

أمّا أحداث المرحلة الثانية فكانت بمثابة الإشارة إلى مواطن الخلل في الإنسان المؤمن الذي يمثّل اللبنة الأولى للمجتمع وبيان نقاط الضعف فيه، ولذلك تدور الأحداث حول خطورة الجهل والطمع وحب المال والجاه وفقدان قيم التضحية والفداء وغيرها من الأمور التي بها تقوم المجتمعات، بل لا نبالغ إذا قلنا أنّ أحداث المرحلة الثانية من قصّة بني إسرائيل هي بمثابة عمليّة تشريح للنفس الإنسانيّة لكشف مواطن القوّة والضعف فيها أو كما عبّرت روايات العترة الطاهرة: جنود العقل والجهل، فنحن أمام دورة أخلاقيّة متكاملة.

  1. الفارق الثالث: فضاء النزول

ذكرنا في السلسلة الماضية أنّ الآيات القرآنيّة التي نزلت في تغطية أحداث ما قبل الخروج كان فضاء نزولها العهد المكّي عندما كان المسلمون يتعرّضون لاضطهاد كبير من قريش فكان نزول الآيات وذكر قصّة بني إسرائيل بمثابة التسلية والتصبير لهم وغرس الأمل في قلوبهم.

أمّا آيات التي نزلت في تغطية أحداث ما بعد الخروج فقد كان فضاء نزولها العهد المدني عندما استقلّ المسلمون وأصبح لهم كيانهم الخاص، فكانت هذه الآيات بمثابة التحذير لهم:

أوّلا: من نفس بني إسرائيل الذين سيصبحون جيرانا لهم وجزءا من محيطهم الجديد، فلم يكن في مكّة المكرّمة يهود ولذلك كانت الآيات كلّها تتحدّث عن الشرك والمشكرين، أمّا المدينة فقد كان اليهود عنصرا من عناصر هذا المجتمع الجديد وبالتالي لابدّ من معرفتهم حقّ المعرفة لكي يمكن التعامل معهم، وهنا جاء القرآن ليكشف لنا حقيقة الشخصيّة اليهوديّة.

 

ثانيا: التحذير من الوقوع في نفس أخطاء بني إسرائيل مع الله ورسوله، إذ ليس مجرّد الخلاص من قريش كاف للشعور بالطمأنينة والسكينة بل لابدّ من التنبيه إلى عدوّ أخطرمن قريش وهو النفس الأمّارة!

ومن هنا نعلم لماذا اختيرت هذه الصور من رحلة بني إسرائيل دون غيرها من الصور حيث ضرب الله لنا أمثلة لأهمّ أمراض النفس ومكامن الخلل فيها، فسنجد موقفا يتحدّث عن خطورة الجهل وآخر عن حبّ المال والجاه والحقد والحسد والطمع والجشع وغيرها من الأمراض كما سيأتينا تفصيلا...

استطراد:

فقد تسأل نفسك ما فائدة تصفيد الشياطين في هذا الشهر دون غيره من شهور السنة؟ والجواب على ذلك هو أنّ هذا التصفيد يمكّن الإنسان من اكتشاف ذاته ومعرفتها على حقيقتها، فنحن ننسب كلّ شيء للشيطان والحال أنّ نفس الإنسان لا تقلّ شيطنة عن الشيطان، وشهر رمضان فرصة لاكتشاف ذلك ومعرفة خطورتها بل والسعي لترويض هذا الوحش الضاري: وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق. (نهج البلاغة 3/71)