تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة "الأئمة الاثنا عشر"

دريدُ العاشق، شابٌّ في مقتبل العمر، يلبس في يده معصماً، ويضعُ في عنقه قلادة، ويمشِّط شعره بحيث يجعله واقفاً إلى الخلف، ويحفُّ حاجبيه ووجنتيه، يُدخّنُ سكائر رخيصة، ويلبس فانيلةً حمراء اللون تكشف عن كتفٍ عليه وشم قلب مُصابٍ بسهم جعله نصفين.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وهو مثقَّفٌ جداً، يقول لك: صباح الخير، ومساء الخير، ويعتبر جملة (السَّلام عليكم) مرضاً سارياً في المجتمع المتخلِّف!

وحين يُسلِّم عليه جاره الذي بمنزلة أبيه في العمر يردُّ عليه: هلو حبيبي، والمتلازمة التي في ترحابه بالآخرين: بعد كلبي! بالكاف الفارسية.

أكبر مشكلةٍ واجهها في حياته حَبُّ الشباب الذي يخرجُ في وجهه، وهناك مشكلة أخرى تؤرِّق وجوده وهي أنَّه كلَّما حلقَ شعر صدرهِ ليفتح أزراره وتُعجب به الفتيات نبتَ زغبه بعد أيَّامٍ قلائل، وقد سأل صديقيه الأثيرين علوش الألماني، وحمودي حمبقلي عن دواءٍ لهذه المشكلة فلم يُسعفاه بشيءٍ رغم أنَّهما بحثا في مواقع التواصل، وبعض المجموعات الخاصَّة بالبيع المباشر ولكن جميع ما كان فيها (گلك) على حدِّ تعبيرهما.

وكان يعترض على الله تعالى دائماً لماذا لم يخلقه في أمريكا أشقر الشعر أخضر العينين؟

أو يجعله في ألمانيا أمرد الوجه؟

ولذا كُلَّما عانى من مشكلة نبات شعره مرةً ثانيَّة بعد الحلق كتب على المواقع الرياضية عندما يخسر المنتخب: أتوسَّل بالرئيس الكوري الشمالي – الذي أعدم بعض وزرائه بالمدفع – أن يضرب العراق بالقنبلة الذرّيَّة ويخلِّص الكرة الأرضيَّة منه.

دخل دريد العاشق على صفحة اليوتيوب فوجد فيديو عن المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم قُدِّس سرُّه، فتساءل غاضباً: (أشو هذا المرجع استوة طلع، ما سامع بيه من قبل!! وشنو فائدته؟ وشقدَّم للمجتمع؟)

هذا ثاني سؤالٍ (وجودي) يسأله دريد في حياته، السؤال الأول كان قبل ثلاث سنوات عندما كان في الصف الثاني متوسط، عندما سأل مدرّس الإسلامية إن كان هذا الحديث النبويَّ (مادَّة الدرس) للحفظ أو الاطّلاع فقط؛ لأنَّ كلمة (لا ضررَ ولا ضرار) صعبةٌ عليه جداً، فهو مرَّة يقول: لاذرر ولا ذرار، وأخرى يقول: لا ضرر ولا ضرر، (طبعاً الحالة حقيقية ومُشاهدة) ومنذ ذلك اليوم ترك المدرسة وأخذ يحفظ أبيات الأبوذية تعبيراً عن حالة الهيَّام التي يعيشها هو:

الگلب مو سجين، مضروب چفچير

أو روحي مثل الظبي والعشگ خنزير

وها نحن بعون الله نُجيب عن اسئلته:

يتساءلُ دريد متعجباً أنَّه ما سمع بهذا المرجع من قبل!

وجوابه: السيد – رضوان الله تعالى عليه – ليس نكرةً، وسماعك به من عدمه ليس معيَّاراً مأموناً لتقييم الأشخاص ومعرفة أوزانهم في المجتمع، على أنَّ تساءلك هذا يكشف عن عدم اهتمامك بالجانب الدينيّ، ولو كنت مهتمَّاً به عشر اهتمامك بالجانب الرياضي لعرفته كما عرفت بعض لاعبي كرة القدم، فالتَّقصير منك لا منه.

ما فائدة السيّد في المجتمع وما قدَّم؟

لو سأل كلٌ منَّا نفسه عن فائدة وجوده هو في المجتمع لكان الجوابُ مخجلاً، ولما سأل النَّاسُ هذا السؤال.

الكثيرون يدخلون الحياة ويخرجون منها دون أن يشعر بهم أحد، فوجودهم كعدمه.

ومظاهر الاحتفاء بوفاة السيّد – رحمه الله – والحزن لوفاته دليلٌ واضح على منزلته الدينيَّة في النّفوس، ومكانته الاجتماعيّة في القلوب.

لقد كان السيّد في السجن صمَّام أمانٍ حتى لأهل الإيمان العالي من المسجونين في تشجيعهم على الثَّبات وبثّ روح الثّقة بالله تعالى، وتلك نعمةٌ لا يعرفها إلَّا من عايشها، وكم من نعمةٍ مجهولة القيمة هذه واحدةٌ منها.

ويحتاج المرءُ وقت اشتداد الأزمة، وتكالب المصائب من يكون عوناً له على تحدّي الصعاب، وكان – رضوان الله عليه – السَّارية التي يلتجأ اليها المؤمنون؛ ليجدوا تحت عمودها الأمان والسّكينة.

إن دريدَ العاشق يحمد صنيع أديسون الذي اخترع الكهرباء، فوقى النَّاس حرَّ الشَّمس، ولكنَّه لا يحمد للفقهاء صنيعهم في استنباط الحكم الشرعي الذي يقيه حرَّ جهنَّم، وتلك معضلة من يطغى عليه الجانبُ المادّيُّ في التفكير.

إنَّ من ينشغل بالسُّوار والقلادة، ومتابعة ريال مدريد وبرشلونة، ويكون أقصى همّه أن تبتسم له تلك الفتاة أو هذه المرأة من الصَّعب عليه أن يفهم رسالة الأنبياء التي اضطلع بأعبائها الفقهاء؛ فيرى استنباط الحكم الشَّرعي ترفاً فكريَّاً، وعمل الفقيه لا فائدة منه، مع أن الأبحاث في اللغة والأدب، والتاريخ والجغرافيا تتكرر نفسها كلَّ يوم، ولكن تكرار الاستنباط من الفقيه المعاصر لما استنبطه وتوصل إليه السلف الغابر؛ لتحصيل اليقين بالحجَّة على الحكم، وليُعلنه على الملأ من مقلّديه ليعملوا به، وهو يتولَّى عنهم الحجاج بين يدي الله تعالى عن مدارك فتاويه.

إنَّ السيد الحكيم تكفَّل ب 120،000 مئةٍ وعشرين ألف يتيم، ورعى أربعين ألف امرأة، ويُعيل ألفي عائلة

طبعاً سيقول دريد: إنَّ هذا الانفاق ليس من ماله الخاص!

وهو كذلك فعلاً، ولكن هل أداء الأمانة على وجهها الصحيح يُعتبر سُبَّةً على السيد رحمه الله تعالى؟

وهل عانى المجتمع أكثر من خيانة الأمانة حتى وصل الحال إلى ما نحن عليه من الفساد الماليّ المستشري في مفاصل الدولة جميعا؟

هل دخل دريد العاشق على رابط مؤسسة اليتيم الخيرية وشاهد السفرات الترفيهية للأطفال، وعلاجهم بالمجَّان، وتوزيع اللحوم وبعض الأجهزة الطبيَّة على الأطفال؟

هل بحث في حياة السيد وأعماله قبل أن يبصق تساؤله السّاذج على مواقع التواصل؟

لقد ربَّى العشرات من طلبة العلم الذين يسعون لحمل مشعل الهداية في المجتمع، وتلك صدقةٌ جاريَّةٌ في سبيل حسناته، والبصير يرى نور هذا المشعل، والأعمى لا يرى غير دخانه، فيطغى ويضلُّ في عميانه.

أدناه صور أبنائه من اليتامى الذين فُجعوا بفقده، جاءوا يُسمعوا دريد صوت نحيبهم على رحيله.