قد عارض جماعة كثيرة من الإخباريين عملية الاجتهاد ومدرسته، و شجبوا هذه المدرسة شجباً عنيفاً، و في نهاية المطاف علم الأصول، بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة علم الأصول، و أهمية دوره الأساسي في الفقه، و أنه العمود الفقري للعمليات الفقهية في مختلف مجالات الحياة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

و هذه المعارضة الشديدة من هؤلاء تقوم على أساس نقطتين:

النقطة الأولى: أنهم فسروا كلمة (الاجتهاد) بتفسير خاطئ:

و قالوا: إن الاجتهاد يعني التفكير الشخصي للفقيه في المسألة إذا لم يوجد فيها نص، و هذا التفكير الشخصي يقوم على أثر الاعتبارات العقلية، و المناسبات الظنية التي تؤدي إلى ترجيحه بصفة كونه حكماً اجتهادياً ذا طابع شرعي.

كما كان هذا هو المتداول بين أبناء العامة، فأنهم إذا لم يجدوا نصاً في المسألة عملوا بعقولهم و أفكارهم الشخصية فيها بملاك المناسبات الظنية، و الاستحسانات العقلية، و القياسات الاعتبارية. جعلوا هذه الأفكار الشخصية، و الآراء التي تبتني على تلك الاعتبارات العقلية الظنية مصدراً من مصادر الحكم الشرعي.

و لأجل هذا التفسير الباطل شنَّ هؤلاء الجماعة هجوماً شديداً على مدرسة الاجتهاد و أهلها، و أن هذه المدرسة قد اسست في مقابل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) و على خلافها، و لذا وردت في ذم هذه المدرسة روايات كثيرة منهم (عليهم السلام).

النقطة الثانية: إن علم الأصول هو العلم الحادث في عصر الغيبة.

و مأخوذ من العامة، فأنهم الأصل فيه، و ليس موجوداً على طول تاريخ الفقه، و في عصر التشريع و زمان الأئمة (عليهم السلام) و لأجل ذلك قالوا: أن أصحاب الأئمة (عليهم السلام) عملوا على طبق النصوص التشريعية حرفياً و بدون حاجة إلى علم الأصول، و تطبيق القواعد العامة.

فإذا كان هذا هو طريق تحديد المواقف العملية للإنسان تجاه الشريعة في زمان الأئمة (عليهم السلام) لم يجز التعدي عن هذه الطريقة إلى طريقة أخرى و هي- طريقة الاجتهاد- التي لم تكن موجودة في ذلك الزمان لكي يستكشف إمضاؤها.

 

فإذن لا يمكن إثبات أن الشارع قد سمح بطريقة الاجتهاد و الاستنباط، و مع عدم السماح بها لا حاجة إلى علم الأصول، فإن الحاجة إليه تنبع عن واقع حاجة عملية الاجتهاد و الاستنباط إليه.

أما النقطة الأولى:

فلأن تفسير الاجتهاد لدى الأصوليين بالتفسير المذكور تفسير خاطئ لا واقع موضوعي له، فإنهم لم يقولوا بالاجتهاد بالتفسير المزبور في أي تاريخ من التاريخ المعاصر للاجتهاد بداهة أن الاجتهاد عندهم ليس في مقابل النصوص التشريعية مصدراً من مصادر الحكم الشرعي، كيف حيث أنهم شجبوا الاجتهاد بهذا المعنى، شجباً مريراً على طول الخط تبعاً للروايات المأثورة عن الأئمة (عليهم السلام) فإنها وردت في شجب الاجتهاد بهذا المعنى، و ذم من يقوم باستنباط الحكم الشرعي بهذه الطريقة.

بل الاجتهاد عندهم بمعنى استنباط الحكم الشرعي من الدليل، و تعيين الموقف العملي به تجاه الشريعة، و معنى الاستنباط هو تطبيق القواعد العامة المشتركة المحددة- الثابتة حجيتها شرعاً في الأصول بنحو الجزم و القطع- على مواردها الخاصة.

و من المعلوم أن الاجتهاد بهذا المعنى قد أصبح في عصرنا الحاضر من البديهيات، بل الأمر كذلك في تمام العصور أي منذ ولادة الفقه، و لا يسع لأي واحد إنكاره و شجبه حتى من الإخباريين، إذ من الضروري أن النصوص التشريعية ليست قطعية في مختلف جهاتها حتى عندهم. و عليه فبطبيعة الحال كانوا في فهم الحكم الشرعي من تلك النصوص في كل مسألة من المسائل الفقهية بحاجة إلى تطبيق قاعدة عامة عليها كحجية خبر الثقة، و حجية الظهور العرفي، أو نحو ذلك.

و لا يمكن فهم الحكم الشرعي منها في كل مورد و واقعة بدون الاستعانة بهذه القواعد العامة، و تطبيقها، و إن كان ذلك بدون الوعي و الالتفات منهم إلى طبيعة تلك القواعد، و حدودها، و أهمية دورها. و هذه هي عملية الاجتهاد و الاستنباط، و لا نقصد بالاجتهاد إلا فهم الحكم الشرعي من دليله بتطبيق القاعدة العامة عليه، و لا يمكن للأخباريين إنكار الاجتهاد بهذا المعنى، حيث أن إنكاره مساوق لإنكار الفقه نهائياً.

و من هنا لا شبهة في أن بذرة التفكير الأصولي موجودة في آفاق أذهان الأخبارين فإنكارهم للأصول يرجع إلى إنكارهم له بوصف كونه دراسة علمية مستقلة و منفصلة عن البحوث الفقهية. و قد تحصل من ذلك: أن العامة ليسوا هم الأصل في التفكير الأصولي حيث أن هذا التفكير موجود على طول التاريخ: نعم هم الأصل في تأليف الأصول بصورة دراسة علمية مستقلة.

و أما النقطة الثانية:

فقد عرفنا أن عملية الاجتهاد و الاستنباط لم تكن متأخرة تاريخياً عن عصر الحضور بل هي كانت موجودة في ذلك العصر غاية الأمر أن وجودها فيه كان بدائياً و غير معقد أو متطور ثمّ إننا إذا افترضنا أن عملية الاجتهاد متأخرة زماناً عن عصر الحضور و لم تكن موجودة في ذلك العصر و إنما وجدت و برزت في مظهر الوجود في عصر الغيبة.

فحينئذ قد تبدو أمام هذا الافتراض المشكلة الآتية و هي أن عملية الاجتهاد و الاستنباط بما أنها حدثت في عصر الغيبة و لم تكن موجودة في عصر الحضور من ناحية، و غير كاشفة عن واقع التشريع الإسلامي إلا في حدود الظن فقط من ناحية أخرى فمع ذلك كيف يمكن الاعتماد على هذه العملية الظنية رغم أن الإسلام قد منع عن العمل بالظن و الاعتماد على القول بغير العلم.

حل هذه المشكلة بطريقتين

” الطريق الأول”

إن موقف الإنسان أمام الله تعالى- بحكم كونه عبداً له سبحانه و مسئولًا عن امتثال أحكامه و مدعواً من قبل عقله الفطري بالتوفيق بين سلوكه و أفعاله في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، و الفردية، المادية، و المعنوية، و بين الأحكام الشرعية الإلهية يدور بين ثلاث خطوات:

 

الخطوة الأولى: أن الإنسان يقتصر في سلوكه أمام الله تعالى، و إطاعته على خصوص الأحكام الشرعية التي تتمتع بطابع ضروري أو قطعي. الخطوة الثانية: الأخذ بطريقة الاحتياط في مختلف مجالات الحياة.

الخطوة الثالثة: الأخذ بطريقة الاجتهاد، و تعيين الوظائف العملية بها تجاه الشريعة.

و بعد ذلك نقول: أما الخطوة الأولى: فلا يمكن للإنسان- بحكم كونه عبداً للّه تعالى، و يرى نفسه ملزماً ببناء كل تصرفاته و سلوكه في شتى جوانب الحياة على أساس القوانين الشرعية الإلهية- أن يأخذ بهذه الخطوة، لما عرفت من أنها لا تكفي إلا في شطر قليل من مجالات الحياة.

و لازم ذلك: هو أن يكون الإنسان حراً في تصرفاته و سلوكه الاجتماعية، و الفردية إلا في هذا الشطر‌ القليل منها، و من البديهي أن هذا لا ينسجم مع اهتمام الشارع و حكم العقل ببناء كل تصرفاته، و سلوكه في مختلف المجالات على الشريعة من ناحية و كون هذه الشريعة شريعة خالدة متكفلة لحل تمام مشاكل الإنسان على طول الخط من ناحية أخرى.

و من هنا قد أشرنا: فيما تقدم من أن تلك الفئة من الأحكام الإسلامية باعتبار قلتها لا تعالج بها مشاكل الإنسان الكبرى: الاجتماعية، و الفردية بينما كان الدين الإسلامي هو النظام الوحيد لحل المشاكل المعقدة في مختلف مجالات الحياة على أساس أنه يزود الإنسان بطاقات نفسية، و بملكات فاضلة و أخلاق سامية لمعالجة تلك المشاكل المعقدة، و هو يربط بين الدوافع الذاتية و الميول الطبيعية و الاتجاهات الشخصية للإنسان، و بين مصالح الإنسان الكبرى: و هي العدالة الاجتماعية التي قد أهتم الإسلام بها، و هو الوسيلة الوحيدة لحل التناقضات بين الدوافع الذاتية لمصالح شخصية.

و بين الدوافع النوعية لمصالح نوعية، و هو يجهز الإنسان بطاقات غريزة الدين و دوافعه، و بذلك تصبح المصالح العامة للمجتمع الإنساني على وفق الميول الطبيعية، و الدوافع الذاتية، و هذا معنى حل الدين الإسلامي لمشكلة الإنسان الكبرى على وجه الأرض. و لأجل هذا المحذور لا يمكن اقتصار المكلف في مقام أداء الوظيفة على هذه الخطوة فقط.

و أما الخطوة الثانية: فهي و إن كانت في نفسها خطوة جادة إلا أنه لا يمكن الأخذ بها، لأجل أحد محذورين:

الأول: أن كل فرد من أفراد المكلفين لا يتمكن من الأخذ بهذه الخطوة في مختلف مجالات الحياة، و العلاقات مع الآخرين، فإن الأخذ بها يتوقف على معرفة مواردها و هي لا تتيسر لكل فرد.

الثاني: أن هذه الخطوة بما أنها تتطلب انشغال المكلف بالوظائف الدينية بأكثر من اللازم فلاجل ذلك قد تؤدي إلى نتيجة مضادة لها كما فصلنا الحديث عن ذلك في علم الأصول.

و أما الخطوة الثالثة: و هي عملية الاجتهاد و الاستنباط- فهي عبارة عن إقامة المجتهد الدليل في كل واقعة من الوقائع على تحديد الموقف العملي للإنسان تجاه الشريعة بحكم التبعية لها، و يسمى ذلك في المصطلح باسم عملية الاجتهاد و الاستنباط فعلم الفقه هو العلم الذي وضع لهذه العملية، و تعيين المواقف للإنسان تجاه الشرع في تمام الوقائع و الأحداث التي تمر على حياة الإنسان فكلما تجددت المشاكل للحياة بتجدد الوقائع و الأحداث فعلى الفقيه أن يقوم بتحديد الموقف العملي للإنسان أمام هذه المشاكل.

و لأجل ذلك: يتطور علم الفقه و يتسع و يتعمق بتطور الأحداث و الوقائع، و تجدّد المشاكل. فالنتيجة من ذلك: أن علم الفقه يتولى تحديد الموقف العملي لكل إنسان مكلف تجاه الشريعة بحكم تبعيته لها في مختلف سلوكه. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى أن طبيعة هذه العملية في كل واقعة تتطلب تطبيق القواعد العامة عليها، و لا يمكن الاستنباط و الاجتهاد بدون الاستعانة بتطبيقها عليها نهائياً فإن خبر الثقة في كل مورد و واقعة إنما يكون دليلًا على تعيين الموقف العملي و تحديده تجاه الشرع إذا ثبتت حجيته كقاعدة عامة و إلا لم يكن الخبر المزبور دليلًا على الاستنباط و تعيين الوظيفة.

فعلم الأصول موضوع لطريقة تحديد القواعد العامة في الحدود المسموح بها على صعيد البحث النظري. و علم الفقه موضوع لتصدي الفقيه إقامة الدليل في كل مورد و واقعة على تعيين الموقف العملي تجاه الشرع على صعيد البحث التطبيقي.

و من هنا تكون البحوث الأصولية بحوثاً نظرية لتحديد النظريات العامة المحددة، و البحوث الفقهية بحوثاً تطبيقية، و لأجل ذلك تكون عملية الاجتهاد و الاستنباط مرتبطة بعلم الأصول ارتباط الصغرى بالكبرى، و العلم التطبيقي بالعلم النظري فلا يمكن افتراض تجرد علم الفقه عن علم الأصول في تمام مراحل وجوده أي من البداية إلى النهاية.

و نستخلص من ذلك كله أن الاجتهاد و الاستنباط بهذا المعنى- و هو إقامة الدليل على تحديد الموقف العملي تجاه الشرع- أمر لا يقبله الشك، و يكون من البديهيات التي هي غير قابلة للنظر و التأمل فيها إذ بعد ما عرفنا أن الأحكام الشرعية لم تبلغ في الوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل عليها فلا يعقل أن تكون هذه العملية غير مشروعة، حيث أن ذلك مساوق لإهمال الشريعة و تجميدها نهائياً.

و من المعلوم أن ذلك مخالف لضرورة حكم العقل، و الشرع، و لا ينسجم مع خلود هذه الشريعة، و كونها الوسيلة الوحيدة لحل المشاكل و التناقضات في مختلف سلوك الإنسان على طول الخط. فالنتيجة أن هذه العملية عملية ضرورية تنبع عن ضرورة تبعية الإنسان للشريعة، و مسئوليته أمامها.

ثمّ أن الإخباريين لا يمكن أن يكونوا منكرين للاجتهاد بهذا المعنى، فإن انكاره مساوق لإنكار الفقه نهائياً، حيث قد عرفت أن الفقه هو نفس هذه العملية في كل واقعة و مسألة، و الفرض أنهم لا يكونون منكرين لعلم الفقه، و قد عرفنا أن ارتباط الفقه بالقواعد العامة الأصولية كان ذاتياً على أساس أنها النظام العام في العملية، و يستحيل افتراض تجرده عن هذا النظام العام على طول التاريخ.

تبقى نقطتان من التساؤل:

النقطة الأولى: إن الإسلام كما يسمح للشخص باستنباط حكمه الشرعي و تحديد موقفه العملي تجاه الشريعة هل يسمح له باستنباط حكم غيره و تحديد موقفه العملي تجاها و الافتاء به؟

النقطة الثانية: إن الإسلام هل يسمح بعملية الاجتهاد و الاستنباط في كل عصر، و لكل فرد، أو لا يسمح إلا لبعض الأفراد، أو في بعض العصور؟

أما النقطة الأولى:

فلا شبهة في سماح الإسلام باستنباط حكم الغير، و تحديد وظيفته العملية تجاه الشريعة، و الافتاء به، و حجية هذا الافتاء على الغير فانه- بحكم كونه عامياً و غير مجتهد- مدعو من قبل العقل، و ملزماً ببناء كل تصرفاته و سلوكه في مختلف مجالات الحياة على فتاوى المجتهد و آرائه، و يسمى ذلك في المصطلح العلمي بعملية التقليد.

و هذه العملية عملية ضرورية في الإسلام كعملية الاجتهاد تنبع من ضرورة واقع جهات ثلاث:

 

الأولى: أن كل فرد بحكم كونه عبداً للّه تعالى ملزم من قبل العقل بامتثال أحكامه الشرعية و بتطبيق سلوكه في تمام مجالات الحياة الاجتماعية و الفردية على الشريعة.

الثانية: أن كل فرد من المكلف لا يتمكن من الاجتهاد و عملية الاستنباط و تعيين موقفه العملي في كل واقعة تجاه الشريعة. الثالثة: إنه لا يتمكن من الاحتياط في كل واقعة من الوقائع التي تمر على حياة الإنسان حيث أنه يتوقف على تشخيص موارده، و دفع موانعه، و هو لا يتيسر لكل فرد، و لا سيما في الشبهات الحكمية، إلا أن يكون مجتهداً، أو كان بهداية منه.

و قد تحصل من ذلك أن عملية التقليد كعملية الاجتهاد أمر لا يقبله الشك و تكون من البديهيات و هذه البداهة تنبع في النهاية من بداهة تبعية الإنسان للدين فالمنع عن هاتين العمليتين مساوق للمنع عن التبعية للدين، فاذن لا معنى للنزاع في أن الشارع قد سمح بهاتين العمليتين أو لم يسمح بهما، فإنه كالنزاع في البديهيات، و لا معنى له أصلًا.

ثمّ أن التقليد- مضافاً إلى ما ذكرناه: من أنه عنصر ضروري في الإسلام لتحديد الموقف العملي تجاه الشريعة- مطابق للجبلة و الفطرة أيضا و هي رجوع الجاهل إلى العالم في تعيين مواقفه العملية‌ و قد جرت على ذلك السيرة القطعية من العقلاء، و هذه السيرة موجودة على امتداد عصر التشريع و بدون أي ردع عنها.

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة: و هي أن الاجتهاد و التقليد في الحدود المسموح بهما عنصران اساسيان في الإسلام، و كل فرد- بحكم التبعية للدين- ملزم بالعمل بأحد هذين العنصرين تحديداً لموقفه العملي من الشرع، و حفاظاً على ظاهر التشريعات الإسلامية و الآثار الإيجابية، و ضبطاً للآثار السلبية المترتبة على عدم العمل بهما.

و أما النقطة الثانية:

و هي سماح الإسلام بعملية الاجتهاد في كل عصر و لكل فرد فهي أيضاً ضرورية و هذه الضرورة تنجم عن ابدية الشريعة الإسلامية من ناحية، و انها الوسيلة الوحيدة لحل تمام مشاكل الحياة المعقدة في كل عصر من ناحية أخرى.

و التبعية التي تفرض على الإنسان للدين في سلوكه بشتى اشكاله من ناحية ثالثة، و النصوص التشريعية الواصلة في هذا العصر ليست من الوضوح بدرجة تغني عن كلفة اقامة الدليل، و بذلك الجهد فيها من ناحية رابعة، و ضرورة عدم الفرق بين عصر دون و فرد دون فرد من ناحية خامسة.

و مجموع هذه النواحي: يستدعي ضرورة حركة فكرية اجتهادية ذات طابع إسلامي على طول الخط لكي تفتح الآفاق الذهنية، و تحمل مشعل الكتاب و السنة في كل عصر، و لو لا هذه الحركة الفكرية الاجتهادية في الإسلام، التي تطورت و تعمقت عصراً بعد عصر بتطور الحياة و اتساعها و تعمقها في مختلف مجالاتها الاجتماعية و الفردية- لم تتبلور اصالة المسلمين في التفكير و التشريع المتميز المستمد من الكتاب و السنة على طول التاريخ في عصر الغيبة.

 

لو لم تكن هذه الحركة الفكرية المسماة في الاصطلاح العلمي بعملية (الاجتهاد) مستمرة في هذا العصر على طول الخط لانطفى مشعل الكتاب و السنة في نهاية المطاف و ظلت المشاكل الحياتية المتجددة في كل عصر بدون حل صارم.

و من هنا يتطور علم الفقه، و يتسع، و يتعمق تدريجياً تبعاً لتطور الحياة، و اتساعها، و تعمقها في تمام المجالات. و من هنا يكون تطور علم الفقه، و اتساعه في تمام المجالات الحياتية على طول الخط يؤكد في المسلمين اصالتهم الفكرية، و شخصيتهم التشريعية المستقلة المتميزة.

فاذن لا بد من قيام جماعة في كل عصر لبذل الجهد للوصول إلى هذه المرتبة أي مرتبة الاجتهاد و تحمل مصاعبها، و مشاقها، و إلا لظلت المشاكل المتجددة بدون حلول ملائمة لها في إطار الشرع.

” الطريق الثاني”

إن حقيقة الاجتهاد عبارة عن عملية تطبيق القواعد المشتركة و النظريات العامة- التي يبناها المجتهد في الأصول- على صغرياتها، و عناصرها الخاصة في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها، و نتيجة هذه العملية هي أحكام شرعية ظاهرية.

و تلك الأحكام تكون وليدة أفكار المجتهدين بما لها من الطابع الإسلامي، و لذا قد تكون مطابقة للأحكام الشرعية الواقعية، و قد تكون مخالفة لها، و على كل التقديرين يلزم العمل بها.

حيث ان المجتهد: قد اثبت حجية تلك القواعد و النظريات العامة التي تتمتع بطابع أصولي بشكل قطعي من قبل الشرع في علم الأصول. و لا نقصد بذلك: بطبيعة الحال مطابقة تلك القواعد و النظريات لواقع التشريع الإسلامي، بل نقصد به قطع المجتهد بحجيتها التي تؤدي إلى تنجيز الواقع لدى الإصابة، و التعذير لدى الخطأ.

كما لا نقصد بالقطع بالحجية: قطع المجتهد بها مباشرة فإن المجتهد قد يقطع بها بشكل مباشر، و قد يقطع بها في نهاية المطاف، بقانون ان كلما يكون بالغير لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات. و حيث أن غير القطع الوجداني من الإمارات و القواعد العامة لا تملك الحجية الذاتية، و إنما جاءت حجتيها من قبل الغير فلا بد أن تنتهي إلى ما يملك الحجية الذاتية- و هو القطع الوجداني- و لو في نهاية المطاف و إلا لتسلسل.

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة: و هي أن عملية الاجتهاد و إن كانت في نفسها عملية ظنية إلا أنها مؤمنة على كل تقدير جزماً، و عليه فعمل المجتهد يكون مستنداً إلى القطع بالمؤمن دائماً و كذا الحال في المقلد، حيث أنه يقطع بحجية فتاوى المجتهد عليه و بمؤمنيتها على كل تقدير فلا يكون المكلف عاملًا بالظن بها و معتمداً عليه في حال من الحالات، و لا يجوز ذلك بحكم العقل، لإلزامه بتحصيل القطع بالمؤمن، و دفع احتمال العقاب. و مدلول نصوص الكتاب و السنة الناعية عن العمل بالظن ارشاد إلى ذلك، و لا يكون تعبيراً عن حكم شرعي مولوي عام.

المصدر: كتاب المسائل المستحدثة - لسماحة المرجع الديني الشيخ محمد إسحاق الفياض – نقلاً عن الاجتهاد