تحليلات إلحادية مشبوهة: الإله يسلب ’الحرية’ وسلطته قاهرة!

الإنسانية بين الإلحاد والتوحيد

يحاول الإلحاد وبشكل دائم أن يربط بين الإيمان بالله وبين مصادرة إنسانية الإنسان ومحق كرامته، ففي نظر الإلحاد لا تكون للإنسان قيمة إلا إذا تحول محور الإهتمام من الله إلى الإنسان.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

إذ كيف يمكن أن تكون للإنسان قيمة وهناك سلطة غيبية قاهرة تشعره بالدونية والعبودية؟ وكيف يكون للإنسان إحساساً صادقاً بإنسانيته وكل أحاسيسه مستلبة لغيره؟ وكيف يسعى من أجل نفسه وهناك إله يجب السعي من أجله؟ وكيف يشعر بالسعادة وهو لا يعلم إن كان قد رضي الإله عنه؟

بهذا الوصف لا يكون الإيمان إلا مشروعاً مدمراً لإنسانية الإنسان، فلا يجني منه إلا القلق والإضطراب، لأن هاجس الخوف من الإله يلاحق كل تفاصيل حياته، فلا يفكر إلا فيما يرضيه ولا يسعى إلا فيما ينجيه.

يقول دكتور جفري لانغ: "لقد كنتُ من جيل تربى على عدم الثقة، فهناك خوف دائم من أن أحدًا ما سوف يؤذيك، وخوف من شيء ما لم نكن نعلمه، إن فكرة أن الله خلق الدنيا على هذه الحالة، وفوق ذلك سوف يعاقبنا في النهاية جميعًا ما عدا نفراً قليلاً منا، كانت أكثر رعباً وسيطرة على عقولنا من فكرة ألا نؤمن بالله على الإطلاق. وهكذا فقد أصبحتُ ملحدًا في سن الثامنة عشرة من عمري، في البدء شعرت بالحرية؛ لأن رؤيتي الجديدة حررتني من الفوبيا (الرهاب، الهلع)، لقد كنتُ حرًا لأعيش حياتي الخاصة بي وحدي، ولم يكن لدي ما يدعو للقلق من أجل إرضاء قوة فوق بشرية، وكنتُ فخوراً إلى حد ما بأنني كنتُ أمتلك الجرأة لتحمل مسئولية وجودي وأملك زمام نفسي، شعرت بالأمان فيما يختص بمشاعري وبمداركي، وكانت رغباتي طوع إرادتي بعيدة عن سيطرة الكائن الأسمى أو مشاركته أو أي شخص آخر، لقد كنتُ مركز عالمي الخاص بي وخالقه ومغذيه ومنظمه، وأنا الذي كنت أقرر لنفسي ما كان خيرًا أو شرًا أو صوابًا أو خطأً، لقد أصبحت إله نفسي ومنقذها"[1]  

التوحيد وعلاقته بالإنسان:

من الواضح أن تحليلات الإلحاد حول علاقة التوحيد بالإنسان تحليلات مشوهة وتصورات مفتعلة لا تمتّ إلى الحقيقة بصلة، فحقيقة الإنسان ضمن الإيمان بالله ترتكز على علاقة المخلوق بالخالق، أي أن الإنسان أوجده الله من عدم وخلقه على الهيئة التي هو عليها، قبضة من طين، ونفخة من روح، فأنتما إلى الأرض من جهة الطينة، وأنتما إلى السماء من جهة تلك النفخة.

 والمستفاد من هذا الوصف؛ هو أن الإنسان يمكنه العيش على الأرض وهو يتطلع إلى الله، وبهذا لا يحكم الإنسان ميول أو اتجاه واحد، وإنما ينجذب إلى الأرض كما يندفع الى الأعلى ليتسامى على المادة.

وبذلك يُشارك الإنسان بقية الكائنات في عناصر الطبيعية المشتركة، ويعترف المؤمن بالمادة كحقيقة متأصلة في الإنسان، فيندفع في رحاب الحياة اندفاع المؤمن بضرورة تسخير المادة من أجل الإنسان، فلا يفوته شيء من خيرات الدنيا وزينة الحياة، وفي الوقت نفسه يمتاز عن بقية الكائنات بما منحه الله من أسمائه الحسنى، فيتصل عبرها بالله ويتطلع بها إلى كماله وجماله فيصبح عليماً، قديراً، رحيماً، كريماً، عزيزاً، مهيمناً، ودوداً، حكيماً، مؤمناً.. في سعي دائم للتخلق بأخلاق الله؛ لأن الله هو مطلق العلم، والقدرة، والرحمة، والكرم، والعزة، والهيمنة، والحِكمة، ولو لم يكن موجوداً لما كان هناك معنى للكمال والجمال.

 فلو كانت المادة هي الأصيلة ولا غيرها في عالم الوجود، فهل حينها يجوز أن نقول في حق المادة بأنها: العالمة، القادرة، الرحيمة، الحكيمة، السميعة، البصيرة؟ وإن كان لا يمكن وهو حتماً غير ممكن فمن أين عرف الإنسان تلك المعاني والصفات؟ 

ويكفينا هنا القول بأن الإيمان بالله هو إيمان بمطلق الكمال والجمال، وتعلق الإنسان بالله هو تعلق بتلك المعاني، وهذا خلاف الرؤية العدمية التي يؤسس لها الإلحاد.

يقول البروفيسور هوستن سميث، أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب كتاب (أديان العالم) في كتابه (لماذا الدين ضرورة حتمية): "فلسفة الحياة كانت أمامي واضحة وبسيطة ... تتلخص فيما يلي:

أولاً: لا يمكن للوجود الدنيوي (الأرضي) بسبب محدوديته وتناهيه، أن يشبع قلب الإنسان بشكل كامل، هناك في فطرة الإنسان توقع وتطلع نحو "الأكثر". ولا يمكن لعالم الممارسات الحياتية اليومية أن يشبع هذا التطلع. هذا التطلع إلى ما هو أبعد مما يتيحه العالم الدنيوي، يوحي بقوة بوجود شيء تحاول الحياة أن تصل إليه، تماما مثلما تشير أجنحة العصافير لحقيقة وجود الهواء، تنحني أزهار عباد الشمس نحو الضياء لأن الضياء موجود، ويبحث الناس عن الطعام لأن الطعام موجود، قد يجوع بعض الأفراد، ولكن أجسامهم لم تكن لتمر بإحساس الجوع لو لم يكن في الوجود طعام يلبي هذا الإحساس.

إن الحقيقة التي تهيج شوق الإنسان إليها وتشبع روحه تملؤها هي: الله، أيا كان اسمه الذي تسميه به، ولما كان عقل الإنسان لا يستطيع حتى خلال سنين ضوئية! أن يدرك طبيعة الله، فإننا نحسن صنعا بإتباعنا لاقتراح "رينر ماريا ريلكه"[2].

أن نتفكر بالله بوصفه (إتجاهاً) أكثر من تفكيرنا به ككائن، هذا الإتجاه هو دائما نحو أفضل ما يمكننا أن ندركه، على النحو الذي يؤكده المبدأ اللاهوتي للإسناد الوصفي الذي ينص على أنه: عندما نستخدم أفكارا أو أشياء من عالمنا الدنيوي لنصف بها الله، فإن أول خطوة هي إثبات ما هو إيجابي فيها لله، والخطوة الثانية نفي ما هو محدد متناه في تلك الأوصاف عن الله، والخطوة الثالثة هي الصعود بالمعاني الإيجابية لتلك الأوصاف إلى الدرجة الفائقة (أي إلى أعلى نقطة يمكن لتصورنا أن  يبلغها) بهذا التمييز التام والجذري بين الله والعالم تنتهي أشياء أخرى إلى مواضعها المناسبة"[3]

فالله ليس سلطة فوقية تكبل الإنسان وتقيده، وإنما سلطة تمنح الإنسان عوامل القوة والاقتدار. والله ليس أمراً مخيفاً، بل الحياة بدونه هي المخيفة. والعبودية ليست قيداً يكبل الإنسان وإنما هي تحرير الإنسان من سلطة المادة العمياء، والبحث عن رضا الله ليس إهمالاً للإنسان وإنما لأن الإنسان يكون إنساناً برضا الله، وشعور الإنسان بالله وإحساسه بوجوده هو شعور وإحساس بقيمة الإنسان وعظيم إنسانيته.

إشكالية الإلحاد مع الله هي إشكالية مع الإنسان، والرجوع إلى الله يبدأ من رجوع الإنسان إلى الذات، وهكذا هي فلسفة التوحيد في الإسلام لم تجعل الله بعيداً حتى يحتاج إلي برهان (اِلهى تَرَدُّدي فِى الاْثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً"[4]

لا يحتاج الإنسان ليخرج عن نفسه من أجل أن يرى شيئاً آخراً خارج عنها، بل يكفيه الرجوع الى ذاته والنظر في عمق وجدانه، لكي يرى الله ظاهراً بنفسه متجلياً بذاته "يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْ مُجانَسَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وَجَلَّ عَنْ مُلاءَمَةِ كَيْفِيّاتِهِ، يا مَنْ قَرُبَ مِنْ خَطَراتِ الظُّنُونِ، وَبَعُدَ عَنْ لَحَظاتِ الْعُيُونِ".

 فمن يا ترى يكون قادراً على الهروب من نفسه حتى يكون قادراً على الهروب من الله؟ فإلى أين يهرب الإنسان بعجزه؟ أليس للقوي القادر. وإلي اين يهرب بفقره؟ أليس للغني المتفضل، وإلى أين يهرب الإنسان بحاجته؟ أليس للرحيم المتكرم... فمن عرف نفسه بواقع الفقر والعجز والحاجة عرف ربه بما له من كمال وجمال، فقد جاء في الحديث "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

 وهكذا يقربنا الدين إلى الله بتذكيره بأنفسنا، فليس الإيمان هجراناً للنفس ونكراناً لإنسانية الإنسان، وإنما هو كشف لحقيقة النفس للنفس، وهي بداية المسير الى الكمال فينطلق الإنسان من اعترافه بجهله لكي يتعلم، ومن فقره إلى الغنى، ومن عجزه إلى القدرة، ومن الهوى والشهوات إلى المآثر والمناقب، وهكذا من النقص إلى الكمال.

ونذكر هنا بعض النصوص التي جاء ذكرها عن الإمام علي عليه السلام في موضوع النفس وقد أورد منها صاحب الميزان رحمه الله العديد في ميزانه 6/ 173 

عن علي عليه السلام قال: العارف من عرف نفسه فأعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها. 

وعنه عليه السلام قال: أعظم الجهل جهل الانسان أمر نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: أعظم الحكمة معرفة الانسان نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه. 

وعنه عليه السلام قال: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه فمن عرف نفسه عقل، ومن جهلها ضل. 

وعنه عليه السلام قال: عجبت لمن ينشد ضالته، وقد أضل نفسه فلا يطلبها.

وعنه عليه السلام قال: عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه؟ 

وعنه عليه السلام قال: غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: كيف يعرف غيره من يجهل نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه، وكفى بالمرء جهلا أن يجهل نفسه. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه تجرد. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جاهدها، ومن جهل نفسه أهملها. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه جل أمره. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه كان لغيره أعرف ومن جهل نفسه كان بغيره أجهل. 

وعنه عليه السلام قال: من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كل معرفة وعلم.

وعنه عليه السلام قال: من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النجاة، وخبط في الضلال والجهالات.

وعنه عليه السلام قال: معرفة النفس أنفع المعارف. 

وعنه عليه السلام قال: نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس. 

وعنه عليه السلام قال: لا تجهل نفسك فإن الجاهل معرفة نفسه جاهل بكل شيء.  

 فالإنسان لا يرى نفسه قبل أن يرى ربه بل يعرف نفسه بالله كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: (من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالإسم دون المعنى فقد أقر بالطعن، لأن الإسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الإسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكاً، ومن زعم أنه يعبد المعنى بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد، ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر الكبير، وما قدروا الله حق قدره، قيل له فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته، ومعرفة صفة الغائب قبل عينه، قيل: وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال عليه السلام: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم ما فيه له وبه)[5]  . 

وفي المحصلة الدين يدعو الإنسان إلى معرفة الإنسان، ثم ويدعوه إلي تربيته واكمال نواقصه، ليس أخلاقياً فحسب وإنما على كل المستويات، فيتواضع الإنسان أمام الحقائق ويرى الطريق أمامه بعيداً فيكرس كل جهده لإنجاز ما يمكن إنجازه في الحياة، ومن أجل هذه الغاية يترفع عن صغائر الأمور، ولا يتوقف عند المظهر، وإنما يبحث دوماً عن جوهر الأشياء، ودليله في هذا المسير جمال الله وكماله فكل ما اقتبس من نوره زاد عشقه وأسرع الخطى إليه.

أما الإلحاد فإنه لا يرى الحياة إلا مادة جوفا لا جوهر لها ولا غاية، ومحاولات فلاسفة الإلحاد الجدد تقديم مقاربة تكون فيها الحياة ذات قيمة هي محاولات أقرب إلي العبث الفكري، ليس لكونها تتجاوز حدود العقل والمنطق فحسب، وإنما لكونها ليست وفية لمرتكزات الفلسفة المادية، ومن أجل ذلك نجدها تمارس الخداع والشعوذة، فمن يتحدث عن الأخلاق والقيم والمعاني السامية لا تتوقع ابداً أنه يتحدث عن روبوت برمج على وظيفة محددة، حتى لو كان ذلك الروبوت يتحرك ويتكلم إلا أنه حتماً لا يعي ما يقول ناهيك أن يكون له أخلاق أو قيم أو معاني سامية، والإنسان في نظر الفلسفة المادية ليس شيء يختلف عن هذا الروبوت، يقول ريتشرد دوكنز وهو يتحدث عن كتابه الجين الأناني: "ليس كتاباً في قصص الخيال العلمي.. إنه علم.. نحن آلات قادرة على البقاء... الروبوتات هي آلات مبرمجة بشكل أعمى للحفاظ على مكونات أنانية تعرف كجينات.. ثم أضاف: بأن حجة الكتاب العامة هي أننا – كحال بقية الحيوانات- مجرد آلات صُنعت بواسطة جيناتنا"[6]  

ومهما حاول الفلاسفة الجدد بان يقنعوا الإنسان بإن الحياة ممكن أن يكون لها معنى أو يكون لها هدف بدون أن يكون هناك إله لما استطاعوا؛ لأن حينها ستكون القيمة لها قيمة بدون أن يكون لها غاية، وهو سير عكس اتجاه العقل والمنطق، فحقيقة الشيء أما بذاته وأما بغايته، ولا يكون الشيء بذاته له قيمة إلا إذا كان مطلقاً أو يرجع إلى المطلق بنحو من الانحاء، أما القيمة المتولدة من الغاية فواضح من أنها ترجع في خاتمة المطاف إلي المطلق أيضاً.

وفي ظني أن الملحد ويل بروفاين، بروفيسور التاريخ وعلم الأحياء كان أكثر شجاعة في تعبيره عن النتيجة الحتمية للإلحاد عندما قال: "لا آلهة، لا حياة بعد الموت، لا قاعدة حقيقية للأخلاق، لا معنى نهائي للحياة، ولا إرادة حرة للإنسان، إننا مرتبطون جميعاً على نحو عميق بالمنظور التطوري، أنت هنا اليوم وسترحل في الغد، وهذا كل ما في الأمر" ويقول أيضاً: "يبدأ الأمر بالتخلي عن الإيمان بالإله، ثم التخلي عن الأمل بالحياة بعد الموت، وحين تتخلى عن هاتين الفكرتين فإن بقية الأمور تأتي بطريقة سهلة نسبياً، حيث تفقد الأمل بأن هناك مبادئ أخلاقية مطلقة، وأخيراً لا وجود لإرادة إنسانية حرة، إذا آمنت بالتطور فلا يمكنك أن تأمل في وجود أي إرادة حرة، ليس هناك أدنى أمل في وجود أي معنى عميق في الحياة الإنسانية، نعيش، ونموت، ونفنى، نفنى بشكل نهائي حين نموت"[7]  

سريعاً ما ينكشف الإلحاد ويتعرى عندما يقف وجهاً لوجه أمام العقل، وحينها إما أن يكون الملحد شجاعاً ويعبر عن سعادته رغم أنه يقف عارياً أمام الجميع، وإما أن يثير الغبار والضوضاء ليصرف النظر عنه بعيداً، وأمثال ريتشرد الذين يبشرون بالإلحاد وهم يملأون الدنيا صخباً وضجيجاً باسم الحياة وقيم الإنسان، ليس إلا مخادعين يمارسون كل أنواع الحيل ليجعلوا المستحيل ممكناً، فكما أن الظلام لا يكون أصلاً للنور، والمادة لا تكون أصلاً للحياة، كذلك الإلحاد لا يكون أساساً للقيم والأخلاق، أو كما عبر ويل بروفاين في عبارته السابقة "لا وجود لأي أمل في وجود معنى عميق في الحياة الإنسانية" 

فجوهر الإنسان وحقيقته في كونه مخلوق له روح خلاقة ومبدعة، تنقله من عالم الحيوان والغرائز إلى عالم الجمال والكمال، والإنسان بوصفه روحاً هو الذي يعشق القرب من الله، ومن هنا كان إهمال الروح هو إهمال لقيمة الإنسان وسر وجوده؛ لأنها هي الوسيط بين الإنسان وبين الحقائق المطلقة والكاملة، فكون الإنسان حياً عالماً قادراً رحيماً سميعاً بصيراً يجعله يفكر في المطلق بوصفه المصدر المالك لكل تلك المعاني، ومن الغباء أن يعتقد بأن المادة الميتة الجاهلة العاجزة الصماء العمياء والتي لا تعرف الرحمة هي من صممت الإنسان على ذلك النحو.

يقول أنتوني فلو: "ثلاث ابعاد من البحث العلمي كانت على وجه الخصوص مهمة بالنسبة لي، على ضوء الأدلة المتداولة اليوم. أول هذه الابعاد هو السؤال الذي حير ولا زال يحير الكثير من العلماء اللامعين: وهو من أين جاءت قوانين الطبيعة؟ والثاني هو السؤال الواضح للجميع: كيف جاءت الحياة من اللاحياة؟ والثالث هو السؤال الذي يوجهه الفلاسفة لعلماء الكون: كيف جاء الكون – بكل ما يحتويه من أشياء مادية– إلى الوجود؟"[8]  

الهوامش:


[1] - الصراع من أجل الايمان، جيفري لانغ، ترجمة د منذر العبسي، دار الفكر دمشق، الطبعة الثانية 2000م ص 24-25 

[2] - ريلكه, رينر ماريا (1874 – 1926 ) شاعر وروائي نمساوي ألماني, اعتبر أحد أعظم الشعراء الحديثين وأكثرهم تأثيرا بسبب أسلوبه الدقيق, وصوره الرمزية, وتأملاته الروحية . اعتبر الموت تحولا للحياة نحو حقيقة باطنية غيبية تشكل مع الحياة وحدة كلية واحدة . 

[3] - لماذا الدين ضرورة حتمية، هوستن سميث، ترجمة سعد رستم، دار الجسور الثقافية، ص 11

[4] - المجلسي، محمّد تقي، بحار الأنوار، ج 95، ص 225. 

[5] - تحف العقول عن آل الرسول – ابن شعبة الحراني ص 326 

[6] - هناك إله، أنتوني فلو، مصدر سابق. ص 96

[7] - عبد الله بن صالح العجيري، ميليشيا الالحاد، نشر مركز تكوين للأبحاث والدراسات، ط الثانية 2014، ص 175

[8] - هناك إله، أنتوني فلو مصدر سابق ص 109