نعم أقام أهل البيت (ع) مأتماً على الإمام الحسين ولمرات عديدة وفي أزمنة مختلفة بل أمروا الناس بالبكاء وإقامة المآتم على الإمام الحسين (ع) وقد ذكرنا في مقالنا السابق بكاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأميرالمؤمنين (عليه السلام) على الإمام الحسين (ع)(١) وإنّ أول من نعى الإمام الحسين بعد قتله أخته العقيلة زينب(عليها السلام) والنساء من بني هاشم وزوجاته وزوج الرسول أم سلمة(٢) والأئمة من آل البيت (عليهم السلام)، فقد جاءت الروايات وبكثرة في ذلك ومما عثرنا عليه ماجاء عن:

١-الإمام السجاد (عليه السلام)

فقد ذكرتْ الروايات أن الإمام السجاد (ع) كان يقيم الطعام للمآتم بنفسه سلام الله عليه وذكرت منها إقامته (ع) للمأتم حين رجوعه إلى المدينة فقد روى إبن طاووس (قده) عن بشر بن حذلم أنه قال: "فلما قربنا منها (أي المدينة) أنزل علي بن الحسين عليه السلام فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نسائه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعراً فهل تقدر على شئ منه فقال بلى يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني شاعر فقال عليه السلام أدخل المدينة وانعَ أباعبدالله عليه السلام قال بشير فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها * قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج * والرأس منع على القناة يُدار

قال ثم قلت هذا علي بن الحسين عليهما السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهن مخمشة وجوههن ضاربات خدودهن يدعون بالويل والثبور فلم أرَ باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر

على المسلمين منه...(وقالت إمرأة) فمن أنت رحمك الله فقلت:أنا بشر بن حذلم وجهني مولاي علي بن الحسين عليه السلام وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبى عبدالله الحسين عليه السلام ونسائه قال فتركوني مكاني وبادروني فضربت فرسي حتى رجعت إليهم فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط وكان علي بن الحسين عليه السلام داخلا فخرج ومعه خرقة يمسح بها دموعه وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه وهو لا يتمالك عن العبرة وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النسوان والجواري والناس يعزونه من كل ناحية فضجت تلك البقعة ضجة شديدة)(٣)

بل جاء أكثر من ذلك فقد كانت نساء بني هاشم يقمن المأتم والعزاء والإمام السجاد يقيم الطعام للمأتم فقد روى البرقي عن عمر بن علي بن الحسين(ع)، قال: لما قتل الحسين بن علي (ع) لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح وكن لا يشتكين من حر ولا برد وكان علي بن الحسين (ع) يعمل لهن الطعام للمأتم .(٤)

٢- الإمام الباقر(عليه السلام)

رُوِي عن الكميت بن أبي المستهل قال: دخلت على سيدي أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام فقلت: يا ابن رسول الله إني قد قلت فيكم أبياتا أفتأذن لي في إنشادها. فقال: إنها أيام البيض. قلت: فهو فيكم خاصة. قال: هات، فأنشأت أقول:

أضحكني الدهر وأبكاني * والدهر ذو صرف وألوان

لتسعة بالطف قد غودروا * صاروا جميعا رهن أكفان

فبكى عليه السلام وبكى أبوعبد الله وسمعت جارية تبكي من وراء الخباء، فلما بلغت إلى قولي:

وستة لا يُتجارَى بهم * بنو عقيل خير فتيان

ثم علي الخير مولاكم * ذكرهم هيج أحزاني

فبكى ثم قال عليه السلام: ما من رجل ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينيه ماء ولو قدر مثل جناح البعوضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة...)(٥).

٣- الإمام الصادق (عليه السلام)

كان الإمام الصادق(ع) يقيم مآتم النعي والرثاء بصورة أكبر وأوضح لضعف ملاحقة السلطة له في فترة من الفترات فقد كان يطلب من الشعراء والمنشدين الرثاء لجده الإمام الحسين (ع) بل كان يأمر بضرب الستار ويجلس نساءه وأهل بيته خلفه كي تستمع لعزاء جده الإمام الحسين(ع)

فقد جاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني

قال وذكر التميمى و هو علي بن اسماعيل عن أبيه قال كنت عند أبي عبداللّه جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) إذ استأذن ، اذنه للسيّد ، فأمره بايصاله و أقعد حرمه خلف ستر و دخل فسلّم و جلس فأستنشده فأنشد قوله

امرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزّكية

أأعظما لا زلت من وطفاء ساكبة رويّة

واذا مررت بقبره فأطل به وقف المطيّة

وابكِ المطهّر للمطهر و المطهرة النّقية

كبكاء معولة أتت يوما لواحدها المنيّة

قال فرأيت دموع جعفر بن محمّد ( عليه السلام ) تنحدر على خدّيه و أرتفع الصراخ و البكاء من داره حتّى امره بالإمساك ، فأمسك .(٦)

وروى إبن قولويه عن أبي هارون المكفوف، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي:

أنشدني فأنشدته، فقال: لا، كما تنشدون وكما ترثيه عند قبره،

قال: فأنشدته:

امرر على جدث الحسين * فقل لاعظمه الزكية

قال: فلما بكى أمسكت انا، فقال: مر، فمررت، قال: ثم قال: زدني زدني، قال: فأنشدته:

يا مريم قومي فاندبي مولاك * وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال: فبكى وتهايج النساء، قال: فلما ان سكتن قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين (عليه السلام) فأبكى عشرة فله الجنة ثم جعل ينقص واحدا واحدا حتى بلغ الواحد فقال من أنشد في الحسين فأبكى واحدا فله الجنة، ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنة.(٧)

وجاء في الأخبار إن الإمام الصادق (ع) يحمد الله تعالى لوجود من ينعى ويرثي جده الإمام الحسين (ع) فقد روى إبن قولويه عن عبد الله بن حماد البصري، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: قال لي: ان عندكم - أو قال: في قربكم - لفضيلة ما أوتي أحد مثلها، وما أحسبكم تعرفونها كنه معرفتها...ولا تحافظون عليها ولا على القيام بها، وان لها لاهلا خاصة قد سموا لها، وأعطوها بلا حول منهم ولا قوة، الا ما كان من صنع الله لهم وسعادة حباهم الله بها ورحمة ورأفة وتقدم.

قلت: جعلت فداك وما هذا الذي وصفت ولم تسمه، قال: زيارة جدي الحسين بن علي (عليهما السلام)، فإنه غريب بأرض غربة، يبكيه من زاره، ويحزن له من لم يزره، ويحترق له من لم يشهده...ثم قال: بلغني أن قوما يأتونه من نواحي الكوفة وناسا من غيرهم، ونسأ يندبنه، وذلك في النصف من شعبان، فمن بين قارئ يقرأ، وقاص يقص، ونادب يندب، وقائل يقول المراثي، فقلت له: نعم جعلت فداك قد شهدت بعض ما تصف، فقال: الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثي لنا، وجعل عدونا من يطعن عليهم من قرابتنا وغيرهم يهدرونهم ويقبحون ما يصنعون .(٨)

٤- الإمام الكاظم (عليه السلام)

كان الإمام الكاظم (ع) يجعل يوم العاشر يوم عزائه ومصيبته فقد روى الصدوق عن الإمام الرضا (عليه السلام) كان أبي (صلوات الله عليه) إذا دخل شهر المحرم لا يرى ضاحكا، وكانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين (صلوات الله عليه).(٩)

٥- الإمام الرضا (عليه السلام)

كان الإمام الرضا (ع) يقيم مأتماً على جده الإمام الحسين (ع) ويطلب من الشعراء رثاء جده سلام الله عليه فقد روى المجلسي عن دعبل الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا عليه السلام في مثل هذه الأيام فرأيته جالسا جلسة الحزين الكئيب، وأصحابه من حوله، فلما رآني مقبلا قال لي: مرحبا بك يا دعبل مرحبا بناصرنا بيده ولسانه، ثم إنه وسع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه، ثم قال لي: يا دعبل أحب أن تنشدني شعرا فان هذه الأيام أيام حزن كانت علينا أهل البيت، وأيام سرور كانت على أعدائنا خصوصا بني أمية، يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحدا كان أجره على الله يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا، يا دعبل من بكى على مصاب جدي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة ثم إنه عليه السلام نهض، وضرب سترا بيننا وبين حرمه، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدهم الحسين عليه السلام ثم التفت إلي وقال لي:

يا دعبل ارث الحسين فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيا، فلا تقصر عن نصرنا ما استطعت قال دعبل: فاستعبرت وسالت عبرتي وأنشأت أقول:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا * وقد مات عطشانا بشط فرات

إذا للطمت الخد فاطم عنده * وأجريت دمع العين في الوجنات (١٠)

وكما ذكرنا الروايات كثيرة جداً في هذا المجال ولو جُمِعتْ لأصبحتْ كتاباً كبيراً وكلها تثبت الوثوق والإطمئنان على صدور إقامة أهل البيت (ع) المآتم على الإمام الحسين (ع).


الهوامش:

١-مقتل الإمام الحسين رواية عن جده.

٢-موسوعة الإمام الحسين(ع) للريشهري:ج٦ ، من ص١٥٧ الى ص١٦٥.

٣-اللهوف على قتلى الطفوف.

٤-المحاسن:ج٢.

٥-كفاية الأثر.

٦-كتاب الأغاني:ج٧.

٧-كامل الزيارات.

٨-كامل الزيارات.

٩-أمالي الصدوق.

١٠-بحارالأنوار:ج٤٥.