في نفي لَغويّة الحروف المقطّعة!

هل للحروف المقطعة معنى ؟!، وكيف ننفي زعم الَّلغويّة؟، فقد سفه أحدهم نفسه وقال: "في غياب تفسير مقنع لهذه الأحرف يجب ادراجها ضمن ما يسمى" اللغو" !.

ما الحروف المقطّعة؟!

تتصدر تسع وعشرون سورة من سور القرآن بحروفٍ مفردةٍ أو مركبةٍ من حروف الهجاء، عند قراءتها الآن لا تعطينا معنىً محدد، ولا دلالة لفظية مباشرة لها  بشكل مستقل، وقد اصطلح عليها بـ( الحروف المُقَطّعَة ) أمّا (حروفٌ)؛ فلأنّها من أربعة عشر حرفاً هجائياً، تنوّع مأخذها منها كمّاً، بين حرف واحد مثل : ( ص ، ق ، ن ) و حرفين مثل: ( طه، طس، يس، حم ) و ثلاثة مثل: ( الم، الر، طسم ) ، وأربعة مثل: ( المص، المر )، ومنها المؤلف من خمسة حروف هجائية، مثل: ( كهيعص ، حم عسق )، وأمّا (مقطّعة)؛ فلتقطيعها عند القراءة ؛ إذ تقرأ  : ألف لام ميم ، أو ألف لام راء ، وهكذا..

لقد بلغت الأقوال في تفسير هذه الظاهرة القرآنية وتأويلها نحو ثلاثين قولاً (أضواء البيان-2/166)، ومعظمها تحكّمات محضة، و استحسانات صرفة، ضمن ذلك: التأويل الذي لقي رواجاً بين الناس من أنّ سرّاً غريباً في هذه المقطعات يتمثّل في أنّها تصير بعد التركيب وحذف المكرّرات: صراطُ عليٍّ حقٌ نمسكه.(تفسير الصافي،ج1/ص92)، ولم يخبرنا أصحابه لماذا لم يصبّوا هذا التركيب في جملة أخرى، مثل : وصح طريقك مع السنة، أو نصٌ حكيمٌ قطعاً له سر ...أو غيرهما ؟!

والرأي الذي تبني عليه المقالة ليس بدعاً، بل توليف بين رأيين من العشرة التي عرضها الطبرسي في المجمع، ونرى فيهما علاقة تكامل لا تضاد، يقول الثامن إنّها حروف المعجم ، فيما العاشر يوضح الغرض من ايرادها: تبكيت العرب والزامهم الحجة، وحينئذٍ يكون معنى المقطعة في أوائل السور هي أحرف المعجم والهجاء، والغرض من استعمالها في مطلع السور -إقامة الحجة على وحيانية النص القرآني، وتتمثل تلك الحجة في أنّ مادة القرآن ومادة كلام العرب واحدة، وهي هذه الحروف، من ثمّ فالتحدي القرآني لهم وعجز الخصم عن مجاراته والإتيان بمثله؛ برهانٌ جلي على كونه نصّاً معجزاً ووحياً من الله تعالى، وإلا لماذا عجز جميع العرب عن مجراته، ومادته متاحة لذلك الجميع في أشعارهم ورسائلهم وخطبهم؟!

ولعلّ أبرز سؤالين يواجههما هذا المنحى هما:

أولاً- لماذا اكتفى بأربعة عشر حرفاً من حروف المعجم، و لم يستعمل جميع حروف الهجاء ؟،وجواباً عنه، كتب الطبرسي: استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام الثمانية والعشرين حرفا كما يستغني بذكر : قفا نبك... عن ذكر باقي القصيدة، وكما يقال: أب ، في (أبجد) وفي( أ ب ت ث) ولم يذكروا باقي الحروف، قال الراجز :

 لما رأيت أنها في حطي، أخذت منها بقرون شمط

 وإنما أراد الخبر عن المرأة بأنّها في(أبجد)، فأقام قوله: حطي، مقامه؛ لدلالة الكلام عليه " (المجمع:ج1،ص76)

وجواباً عن ثاني السؤالين: لماذا لم تذكر جميع الحروف المقطعة متفرقة على السور ألم يكن الأجدر أن تسرد في أول القرآن ؟؛ ينصّ الزمخشري: أنّ إعادة التنبيه على أنّ المتحدّى به مؤلّف منها لا غير، وتجديدُه في غير موضع واحد، أوصلُ إلى الغرض، وأقرّ له في الأسماع والقلوب من أن يفرد ذكره مرة، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن، فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس وتقريره. (الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل،ج1،ص30) .

شواهده القول المختار:

وشواهد هذا الرأي وقرائنه متضافرة متكاثرة، وهي على كثرتها على قسمين :

الأول : داخلية، مستفادة من تتبع نفس سياق الاستعمال القرآني لها، وخلاصة هذه القرينة: اقتران الأحرف المقطعة بالحديث عن الاعجاز، وفي الأغلب تمثّل بالقرآن الكريم، بوصفه النص الوحياني المعجز للنبي محمد(ص)، وقد جاء ذلك بالفاظٍ مختلفة : الكتاب- القرآن- الآيات، وبعضها جمعت بين لفظين، كما أنّ بعض تلكم السور ابدأت وفي أول آية لها بـ(القرآن)، وختمتْ به،أدناه شاهد لكل هذه الأنحاء :

1ـ لفظ (الكتاب)، ففي أول استعمال لها في المصحف وبعد (ألم) تلاها مباشرة قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة : 2]، وذات الاستعمال في سورة آل عمران، وحسب التتبع وجدتُ أكثر المقطعات قد استعمل بعدها هذا التعبير(الكتاب)، معرّفاً أو منكراً، باضافة أو بغيرها .

2ـ لفظ( القرآن)، كما في سورة طه؛إذ بعد الآية الأولى منها:(طه)، أُتبعت في الثانية بقوله تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه : 2]، وعين الأمر مع سورة يس .

3ـ آيات الكتاب أو القرآن ، كقوله تعالى: في مطلع سورة يونس: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}، وقد جمعتْ سورة النمل النحوين: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل : 1]  

4ـ وسورة (ق) هي التي ورد فيها لفظ القرآن في مطلعها وآخرها، ففي آيتها الأولى : {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق : 1] وفي آخر آية : {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق : 45]

الثاني : خارجية، أي هي قرينة مؤيدة للمعنى للتفسير المتقدم للحروف المقطعة، و ليس هذا المؤيّد من داخل النص القرآني بل من خارجه، ويتمثل في خبرين مهمّين، ضمن الأخبار التي وضعها الصدوق في كتابه : معاني الأخبار، تحت باب : معنى الحروف المقطعة في أوائل السور من القرآن، وقد أورد فيه ستة أحاديث، جاءتْ في سياق بيان المعنى التأويلي والباطني للحروف المقطعة ـ ما خلا الحديث الرابع ـ وليس في ذلك قدحٌ أو تقليل من أحاديث التأويل وبيان المعنى الباطن للآية، كما ليس في إبراز أحد البطون واستجلاء بعض اسرار الكتاب  ما يتعارض مع الظاهر سيّما الذي قررناه آنفاً بخصوص الأحرف المقطعة؛ فإنّ للقرآن تأويلاً وله ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعـة أبطن، غاية الأمر: لا يمسّ باطنه من البشر إلا المطهّرون، ولا يعلم تأويله إلا الراسخون، من ثمّ تركنا تلكم الأحاديث لخروجها عمّا نحن فيه، وهو دراسة الحروف المقطّعة حسب ظاهر التنزيل، الأمر الذي جاء فيه حديثان عن أهل البيت، الأول هو رابع أحاديث الباب المذكور آنفاً، وهو حديث طويلٌ مرويٌّ عن الإمام العسكري عن آبائه(عليهم السلام)، لكن نقتبس منه ما يؤدي الغرض ويتقرّر به الاستشهاد :

كذّبت قريش واليهود بالقرآن وقالوا : سحر مبين تقوّله، فقال الله : الم ذلِكَ الْكِتابُ، أي يا محمد هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطعة، التي منها : ألف لام ميم، وهو بلغتكم وحروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن إنّهم لا يقدرون عليه بقوله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء : 88]...إلخ الحديث.(الصدوق-معاني الأخبار،ص24 ).

وفي باب آخر، ورواية أخرى، رواها الصدوق أيضاً ،عن الإمام الرضا (عليه السلام) جاء في آخرها ما يدل على المطلوب بشكل واضح : " إن الله تبارك وتعالى أنزل هذا القرآن بهذه الحروف التي يتداولها جميع العرب ثم قال قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . (المصدر السابق،ص43).

للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على تليجرام:
 https://t.me/The12ImamsWeb