لم يعط الله للإنسان حرية مطلقة! وهذا ما يفكر به البعض انطلاقاً من جملة من الأسئلة: فلماذا يعذب الله الانسان التارك للواجبات العالم بوجوبها مع كونه خلوقا مثلا وصاحب يد خير ولا يفعل ما يضر الناس ولا يظلمهم، إذ أنه خلقنا بلا اختيار منا واذا وصلتنا رسالة الاسلام فنحن مجبورون بالواجبات والا عُذّبنا. نعم اعلم أن لي الحرية ولست بمجبور ولكنها ليست حرية مطلقة فإني مجبور بشكل غير مباشر.

وكمثال كأن شخصاً لديه سلاح ويقول لك الحرية في أن لا تعمل بالواجبات ولكن تتحمل نتيجة ذلك بأن اعذبك فهي ليست حرية مطلقة.

اعلم ان الله خلقنا للسعادة ورحمته وسعت كل شيء ولكن الشبهة لماذا خلقنا بالإجبار ونجبر على هذه الطاعة حتى لا نعذب حتى لو لم نكن نحمل صفات سيئة اتجاه الناس؟

نقول، إن الجواب من أمور:

الأمر الأول: لماذا خلقنا الله؟

إن الهدف من خلق الله للإنسان هو وصول الإنسان إلى الكمال، والمقصود بالكمال هو الكمال الروحي، ولذلك قال تبارك وتعالى (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وخلق الإنسان وإن لم يكن خاضعاً لإرادة الإنسان واختياره إلا أنه ليس ظلماً للإنسان وليس تعدياً عليه؛ لأن الهدف من هذا الخلق أن يحصل الإنسان على الكمال، وهذه غاية يميل إليها الإنسان بفطرته وبطبعه الإنساني.

الأمر الثاني: الإثم لا يجبره حسن الخلق

 إن حسن الخلق وقضاء حوائج الناس من الأمور التي يثاب عليها الإنسان فلا يذهب حسن خلقه ولا تكافله الاجتماعي في مهب الريح وإنما يرصد له ثواب أعماله، وقد قال الله تبارك وتعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) فلو كان عليه إثم من طرف آخر وهو فعله للمعاصي فإن ثواب حسن خلقه يبقى وقد يكون مكافئاً أو أثقل في ميزان الأعمال من العقاب المترتب على المعاصي.

الأمر الثالث: العقاب أثر وضعي لا إجباري

 إن حصول العقاب من الآثار الوضعية للمعصية وليس إجباراً وقسراً من قبل الخالق عز وجل، فكما أن الإنسان لو وضع يده في النار لاحترق جلده، واحتراق الجلد هنا ليس قسراً من الله عز وجل ولا إجباراً منه، وإنما هو أثر تكويني وضعي لوضع اليد في النار، وكما أن الإنسان إذا شرب عصيراً ملوثاً فإنه يوجب حدوث مرض في بدنه، وحدوث هذا المرض ليس إجباراً من الله ولا قسرا وإنما هو أثر تكويني لشرب العصير الملوث، فكذلك المعاصي، فإن كشرب الخمر والكذب وعقوق الوالدين لها آثار تكوينية وضعية، لا أن الله يجبرنا على العقوبة على تلك الأعمال بل لهذه الأعمال في نفسها آثار وضعية تكوينية، ومن آثارها الوضعية التكوينية لهيب الجحيم فإن الجنة والنار صورتان لأعمالنا؛ حيث قال تبارك وتعالى (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) والمقصود بالآية هو أن الطاعة والمعصية كليهما له آثار وضعية تكوينية، فالطاعات كالصلاة والصوم وبر الوالدين تتحول يوم القيامة إلى نهر وشجرة وجنان، وهذا التحول من الآثار الوضعية التكوينية للطاعة كما أن الاحتراق أثر وضعي للنار، كذلك المعاصي تتحول يوم القيامة إلى جمرات ملتهبة، وهذا التحول من الآثار الوضعية لها، لا أن الله يجبرنا عليها عن طريق العقوبة، والله تبارك وتعالى خلقنا لنصل إلى الكمال وأعطانا إرادة قوية تجعلنا صامدين وتمكننا من الوصول إلى الكمال فإذا نحن  باختيارنا  خضعنا للمعصية فإن الأثر التكويني للمعصية سوف يرد علينا ويحيط بنا لا أن الله يجبرنا على ذلك ما دام قد أعطانا الإرادة وسهل لنا السبيل للوصول إلى الكمال وبعث لنا أنبياء ورسل وكتب توضح لنا طريق الوصل إلى الكمال.

نعم فعل المعصية ليس سبباً تاماً قهرياً للتحول إلى عذاب وجحيم بل من الممكن أن يرتفع هذا لأثر الوضعي التكويني عن طريق عفو الله عز وجل أو عن طريق شفاعة محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، فالشخص الموالي لأهل البيت صاحب الخلق الحسن الذي يقوم بالمبرات والخيرات قد تكون هذه الأعمال الصادرة منه سبباً لنيل العفو والشفاعة من دون أن يترتب الأثر الوضعي على المعصية.