إن التفاوت بین دخل الأفراد ینبع من التفاوت بالاستعدادات، وهو من المواهب والنعم الإلهیّة، وإنْ أمكن أنْ یكون بعض ذلك اكتسابیاً، فالبعض الآخر غیر اكتسابی قطعاً. وحكمة وجود التفاوت فی الاستعدادات المستتبعة لهذا التفاوت قد ألزمتها ضرورة حفظ النظام الاجتماعی، ولیكون التفاوت فی الإستعدادات دافعاً لتربیة وإنماء الإستعدادات المختلفة للأفراد.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

من هنا ینبغی الإلتفات إلى الملاحظتین التالیتین:

1ـ إنّ الإختلاف الموجود بین البشر فی جانب الموارد المادیة یرتبط بالتباین الناشىء بین الناس جرّاء اختلاف استعدادتهم وقابلیتهم من واحد لآخر.

والتفاوت فی الإستعدادین الجسمی والروحی یستلزم الاختلاف فی مقدار ونوعیة الفعالیة الاقتصادیة للأفراد، ممّا یؤدّی إلى زیادة وارد بعض وقلّة وارد البعض الآخر.

ولا شك أنّ بعض الحوادث والاتفاقات لها دخل فی ثراء بعض الناس، إلاّ أنّه لا یمكن أن نعوّل علیها عند البحث لأنّها لیست أكثر من استثناء، أمّا الضابط فی أكثر الحالات فهو التفاوت الموجود فی كمیة وكیفیة السعی (ومن الطبیعی أنّ بحثنا یتناول المجتمع السلیم والبعید عن الظلم والإستغلال، ولا نقصد به تلك المجتمعات المنحرفة التی تركت قوانین التكوین والنظام الإنسانی جانباً وانزلقت فی طرق الظلم والإستغلال).

وقد یساورنا التعجّب حینما نجد بعض الفاقدین لأىّ مؤهل أو استعداد یتمتعون برزق وافر وجیّد، ولكننا عندما نتجرّد عن الحكم من خلال الظواهر ونتوغّل فی أعماق ممیزات ذلك البعض جسمیاً ونفسیاً وأخلاقیاً، نجد أنّهم یتمتعون بنقاط قوّة أوصلتهم إلى ذلك (ونكرر القول بأنّ بحثنا ضمن إطار مجتمع سلیم خال من الإستغلال).

وعلى أیّة حال... فالتفاوت بین دخل الأفراد ینبع من التفاوت بالإستعدادات، وهو من المواهب والنعم الإلهیّة أیضاً، وإنْ أمكن أنْ یكون بعض ذلك اكتسابیاً، فالبعض الآخر غیر اكتسابی قطعاً. فإذنْ وجود التفاوت فی الأرزاق أمر غیر قابل للإنكار من الناحیة الاقتصادیة، ویتمّ ذلك حتى داخل المجتمعات السلیمة.. إلاّ إذا افترضنا وجود مجموعة أفراد كلّهم فی هیئة واحدة من حیث: الشكل، اللون، الإستعداد ولا یعتریهم أیَّ اختلاف! وإذا ما افترضنا حدوث ذلك فإنّه بدایة المشاكل والویلات!

2ـ لو نظرنا إلى بدن إنسان ما، أو إلى هیكل شجرة أو باقة ورد، فهل سنجد التساوی بین أجزاء كلّ منها ومن جمیع الجهات؟

وهل أنّ قدرة ومقاومة وإستعداد جذور الشجرة مساویة لقدرة ومقاومة وإستعداد أوراق الوردة الظریفة؟ وهل أنّ عظم قدم الإنسان لا یختلف عن شبكیة عینه؟

وَهل من الصواب أن نعتبر كلّ ذلك شیئاً واحداً؟!

ولو تركنا الشعارات الكاذبة والفارغة من أیِّ معنى، وافترضنا تساوی الناس من جمیع النواحی، فنملأ الأرض بخمسة ملیارات من الأفراد ذوی: الشكل الواحد، الذوق الواحد، الفكر الواحد، بل والمتحدین فی كلّ شیء كعلبة السجائر.. فهل نستطیع أن نضمن أنّ حیاة هؤلاء ستكون جیّدة؟ ستكون الإجابة بالنفی قطعاً، وسیحرق الجمیع بنار التشابه المفرط والرتیب الكئیب، لأنّ الكلّ یتحرك فی جهة واحدة، والكلّ یرید شیئاً واحداً، ویحبّون غذاءاً واحداً، ولا یرغبون إلاّ بعمل واحد!

و من البدیهی أن حیاة كهذه ستكون سریعة الإنقراض، ولو افترض لها الدوام، فإنّها ستكون متعبة ورتیبة وفاقدة لكل روح. وبعبارة أشمل سوف لا یبعدها عن الموت بون شاسع.

وعلى هذا فحكمة وجود التفاوت فی الاستعدادات المستتبعة لهذا التفاوت قد ألزمتها ضرورة حفظ النظام الاجتماعی، ولیكون التفاوت فی الإستعدادات دافعاً لتربیة وإنماء الإستعدادات المختلفة للأفراد. ولا یمكن للشعارات الكاذبة أن تقف فی وجه هذه الحقیقة التی یفرضها الواقع الموضوعی أبداً(1).

الهوامش: 1.الأمثل، ج 7، ص 110.