ما يزيد الإنسان عجباً هو ما يتفوه به الملحد من إشكالات تتعلق بالحِكمة من الوجود أو الحِكمة عما يجري في الوجود من سنن وقوانين وهو في نفس الوقت لا يؤمن بشيء اسمه حٍكمة أو غاية من الوجود، أو لا يؤمن بوجود أسباب ومسببات ورابط منطقي بين وجود الأشياء وعللها، فإذا كان الكون جاء من لا شيء، ومن أجل لا شيء، ويمضي إلى اللا شيء، فلماذا يسأل عن حِكمة ما يقع فيه من أحداث؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ومن ثم إذا رفضنا ما يقوله المؤمن فما هو البديل الذي يقدمه الملحد وبه ترتفع كل الإشكالات التي يثيرها؟ فمثلاً إذا تم توجه سؤال التفاوت في الرزق بين البشر إلى الملحد فبماذا يمكن أن يجيب؟ هل يدعي المنطق ليقول إن الفقر والغني خاضع لمعادلات وقوانين الاقتصاد؟ أم يرفض منطق العقل ليقول إن الأمر مجرد صدفة لا تعود لاي سبب؟ أم يمثل دور المجنون الذي لا يبالي بشيء ليقول إن الحياة بكلها امر عبثي اعتباطي لا غاية لها من الأساس حتى يسأل الإنسان عن حِكمتها؟

من الواضح أن الإلحاد خيار عدمي قائم على الكفر بضرورات المنطق قبل الكفر بالله تعالى، والأديان في المقابل تكشف عن فلسفة عميقة للوجود والإنسان تنسجم مع الفطرة وتقوم على المنطق والبرهان، فالوجود لم يأتِ من العدم وإنما هناك خالق اوجده لحِكمة واجراء القوانين والسنن فيه لتحقيق غاية معينة، وحتى يحقق الإنسان غايته ويبلغ الدرجة التي أراده الله أن يكون فيها منحه العقل والإرادة ثم اوجده ضمن معادلات حياتية غاية في التعقيد والتداخل، فجعل منظومة من العوال المتغيرة التي تؤثر في قراراته واختياراته، فالإنسانية لا تحكمهم بيئة واحدة ولا زمان واحد ولا ظروف صحية واحدة ولا عوامل اقتصادية واحدة وهكذا وجد تنوع رهيب يوفر لكل إنسان ظروف خاصة لأداء دوره في الدنيا، والذي يحكم هذا التنوع هو العدالة التي توفر شروط متساوية في الامتحان حتى وأن اختلفت في شكلها الظاهري، إلا أن وقعها واحد على القلب والعقل والإرادة والنفس، فالفقير الذي يعاني من الفقر ولا يعاني في صحته، يقابله غني يشعر بنفس المعانة ولكن من جانب الصحة أو أي جانب أخر، مع أن السبب مختلف إلا أن وقعها واحد على كليهما، وإشكالية الإنسان أنه لا يرى الأشياء إلا من منظاره ولذا يرى الصورة مشوهة وغير واضحة، ومع ذلك يرد أن تجري الأمور بتقديره، (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ) فإذا افتراضنا أن الله منح إنسان عقل كلي وجعله ينظر من فوق على واقع الحياة لاكتشف مدى العدالة التي تحكمها ولتأكد من مدى الدقة التي تحكم كل معادلات الوجود، وعليه فإن التصور الذي يعتقد أن الغنى المادي هو كل شيء وأن العدل يقتضي أن يساوي الله بين الناس، في الفقر والغنى، تصور قاصر لخص الحياة في تجربته الشخصية ولم يفهم الحياة كوحدة متكاملة، فكم من الأغنياء ينقصهم الذكاء والحكمة، أو الصحة والعافية، أو الذرية الصالحة، أو الأسرة الهنيئة، أو غير ذلك، وكم من غني يشتهي أن يأكل كما يأكل الفقير الذي لا يملك إلا دراهم معدودة، وهو محروم من الاكل مع كل الثروة التي يمتلكها، فمشكلة الإنسان أنه لا ينظر إلى ما بين يديه من النعم، لو عد ما يملك لأعياه ذلك وما استطاع أن يحصيه قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا) والسعادة الحقيقية هي أن يُقدّر الإنسان ما عنده من النعم ويطمئن إلى رحمة الله التي حتماً تسع الجميع، وما هذا التباين بين البشر إلا ميدان من أجل اختبار قدرات الإنسان، ليظهر الابتلاء، ويتحقق الامتحان، ليتميز من يشكر ممن يكفر، ومن يجزع ممن يصبر، ومن يعمل صالحا ممن يعمل غير ذلك، وهكذا بوتقة تنصهر فيها النفوس وتتكامل بها الإرادات ويحصل الإنسان عن طريقها الدرجات العليا عند الله، فالحياة ميدان للجهاد والكفاح، وعبر هذا الكفاح يظهر الإنسان أجمل ما عنده من الفضائل والقيم، فمن أجل أن يعرف الصبر لابد أن يكون هناك ما يصبر عليه، ولكي يعرف الإيثار والإحسان لابد أن يكون هناك من يحسن إليه، وهكذا كل الفضائل تتجلى عند الاختبار، وكما يقال عند الاختبار يكرم المر أو يهان.

هذه هي الحِكمة العامة إلا أن هذه الحِكمة لا تلغي قانون السببية الحاكم على هذه الحياة، فالفقر والغني يخضع لمعادلات وضعها الله كقوانين، وإرادة الإنسان مسؤولة بشكل مباشر عن كل ما يصيب الإنسان من فقر أو مرض أو أي شيء اخر، وتتحمل البشرية بشكل عام كل ما يعاني منه الإنسان، فظلم الحاكم وفساد الأنظمة والمطامع والانانيات الحاكمة على النفوس وغير ذلك كله مسؤول عما يصيب البشرية، فلماذا نحمل الله المسؤولية وهو سخر للإنسان كل ما في الوجود وأمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وحذرهم من حسابه وعقابه؟