العدل

مخ العبادة: هل يشفي الدعاء المرضى؟!

السيد منير الخباز 30-07-2020 365

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾

صدق الله العلي العظيم

انطلاقاً من الآية المباركة نتحدث حول محورية الدعاء، عندما نرجع إلى ما يذكره بعض أقطاب المدرسة المادية، نجد أن هناك تقليل من محورية الدعاء ومن أهمية الدعاء. مثلاً، دوكينز في كتابه «وهم الاله» صفحة 63 يقول: إن من التجارب المسلية بل المثيرة للشفقة: تجربة الدعاء. قمنا بتجربة لثلاث فئات من المرضى، فئة دعي لهم من دون علمهم، وفئة دعي لهم مع علمهم بالدعاء، وفئة لم يدعى لهم، وما وجدنا أي تغير بين هذه الفئات الثلاث. من دعي لها ومن لم يدعى لها. من دعي لها بعلمها ومن دعي لها من دون علمها. لم نجد تفاوتاً بين الفئات الثلاث. بل الفئة التي دعي لها بعلمها تدهورت صحتها أكثر. إذن أين دور الدعاء؟ أين أثر الدعاء؟ إذن الدعاء عملية عبثية. عملية إيحائية نفسية لا أكثر من ذلك. ليس للدعاء أثرٌ جوهري أو دورُ جوهري واقعي على شخصية الإنسان، أو صحة الإنسان، أو سلوك الإنسان. نحن أمام هذا المنطق باعتبارنا في المدرسة الدينية نرى أن للدعاء مركزية ومحورية أساسية. لذلك، نتحدث عن الدعاء من خلال محورين:

المحور الأول: فلسفة الدعاء.

المحور الثاني: سببية الدعاء.

المحور الأول: فلسفة الدعاء.

ما هي حقيقة الدعاء؟ إذا تعرفنا على حقيقة الدعاء وفلسفته، صح لنا أن نسأل: هل الدعاء يشفي المرضى أو لا؟ حتى نتعرف أولا على فلسفة الدعاء، هنا جوانب ثلاثة:

 

الجانب الأول:

هناك فكرة يطرحها علماء الفلسفة، علماء السلوك، علماء المنطق، هذه الفكرة تسمى بالفناء. فناء شيءِ في شيءِ آخر. ما معنى فكرة الفناء؟ نحن عندما نتصور شيئاً نحبه، نخافه، نكرهه، مثلا نحن الآن نتصور أبانا، عندما نتصور أبانا، هل نجد أن هناك شيئين: صورة وذو صورة وهو أبانا أم لا؟ لا نرى إلا أبانا. لا نشعر بأننا نتعامل مع صورة، لا. نشعر أننا نتعامل مع أبينا. عندما نتذكر أبانا، نتذكر حنانه، نتذكر عطفه، نتذكر رأفته. عندما تمر بنا الذكريات، لا نشعر أننا نتعامل مع فلم، مع شريط صور. لا، نشعر أننا نتعامل مع واقع، مع أبينا، مع حنانه، مع رأفته، مع عطاءه. هذا ماذا يعني؟ يعني الفناء. الصورة الذهنية فنيت في ذي الصورة. فنحن لا نرى شيئين صورة وذي صورة. لا، نحن لا نرى إلا أبانا. هذا ما يعبر عنه بعملية الفناء.

فناء الصورة في ذي الصورة. عملية الفناء هي عبارة عن ذوبان شيء في شيء آخر. الشيء الأول لا تبقى له شيئية، لا تبقى له أنية، يذوب في الشيء الآخر. في علاقة الخوف، علاقة الحب، نحن عندما نخاف من شيء، نفترض نحن نخاف من شخص معين، نحن هذا الخوف يشغلنا عن كل شيء، لا نتصور شيء آخر، ننشغل عن أكلنا، عن نومنا، عن عيالنا، عن أطفالنا، نعيش طول الوقت صورة الشخص المخيف.

إذن، أصبحت حالة فناء: فنيت أنفسنا في صورة ذلك الإنسان. أصبحنا لا نفكر إلا فيه. انشغلنا عن كل شيءٍ إلا هو. هذه تسمى بعملية فناء، عملية ذوبان. ذابت أرواحنا، وذابت عقولنا في تصور هذا الإنسان المخيف. أو علاقة الحب، عندما نحب إنسان، زوج يحب زوجة، رجل يحب امرأة، زوجة تحب زوجها، عادة الزوجات يحبون الأزواج أكثر من الأزواج يحبون الزوجات ; عادة المرأة أكثر عاطفةً، أكثر حباً، أكثر حناناً على الزوج من العكس. المرأة عندما تذوب في حب زوجها، يشغلها حب زوجها عن كل شيء. يشغلها عن صحتها، يشغلها عن شخصيتها، يشغلها عن كل شؤونها، لا تنشغل إلا بصورة زوجها وراحة زوجها. هذي تشكل عملية فناء، ذوبان المحب في المحبوب. ذوبان المحب في المحبوب: فناء. إذن، الفناء بحسب المصطلح الفلسفي: ذوبان شيءٍ في شيءٍ آخر.

الجانب الثاني:

الدعاء هو مصداق من مصاديق الفناء. يعني نحن عندما نسأل: ما هي حقيقة الدعاء؟ الدعاء فناء أرواحنا في الله عز وجل. ذوبان أرواحنا في الله عز وجل. الدعاء عملية فناء. مصداق من مصاديق الفناء. كيف مصداق من مصاديق الفناء؟ الدعاء تحويل الفقر الوجودي إلى فقرٍ روحي. كيف تحويل الفقر الوجودي إلى فقرٍ روحي؟ جميع المخلوقات ومنها الإنسان هي عين الفقر لله، عين التعلق بالله، عين الربط بالله. كل المخلوقات، ومنها الإنسان. الإنسان ما هو؟ هو عين الفقر لله. الإنسان ليس شيئاً مستقلاً عن الله. ليس شيئاً متحيزاً عن الله تبارك وتعالى. الإنسان عين الفقر، عين التعلق بالله عز وجل. نحن من باب المثال وتقريب الفكرة وإلا علاقة الإنسان بالله أدق وأعمق من أي مثال نطرحه. مثلاً عندما نأتي، علاقة ضوء المصباح بالطاقة الكهربائية. ضوء المصباح هو تعلقٌ وربطٌ بالطاقة الكهربائية. لا وجود لضوء المصباح مستقل. لا نستطيع أن نقول الطاقة وجود مستقل. والضوء وجود مستقل. لا. ضوء المصباح ربط بالطاقة الكهربائية. متى ما توقفت الطاقة لحظة، انتهى ضوء المصباح. ضوء المصباح عين فقر، عين الربط بالطاقة الكهربائية.

بهذا التقريب، وجودنا بالنسبة إلى وجود الله: عين الربط. نحن فقر مدقع. نحن ربط مدقع. لو رفع الله يده عن المدد ما كان لنا وجود في لحظة واحدة. فنحن عين الربط به. عين الفقر له. وهذا ما أكده القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ نحن عين الفقر لله. هذا الفقر الوجودي نحن نريد أن نحوله إلى إحساس. أنت أيها الإنسان عين الفقر، لكن هذا الفقر نريد أن نحوله من فقر وجودي إلى فقر روحي. هذا الفقر الوجودي نريد أن نجسده، نريد أن نمثله. هنا تأتي حقيقة الدعاء. هنا تأتي فلسفة الدعاء. الدعاء يحول الفقر الوجودي إلى إحساس بالفقر، إلى إحساس بالذلة، إلى إحساس بالمسكنة. الداعي، العبد عندما يقف للدعاء، العبد عندما يقف موقف الدعاء بين يدي الله، الدعاء يحوله من فقر وجودي إلى فقر روحي. الدعاء يشعره، يحسسهُ بأنه ذلة، مسكنة، فقر، احتياج، ربط، تعلق بالله تبارك وتعالى. لذلك، في دعاء الإمام الحسين يوم عرفة: ”الهي أنت الغني وأنا الفقير، أنت العالم وأنا الجاهل، أنت العزيز وأنا الذليل، أنت القوي وأنا الضعيف“ هذي كلمة أنا وأنت هي حقيقة الدعاء. حقيقة الدعاء: أنني أنا فقر، ضعف، جهل، موت، ذلة. أنت عزة، غنى، قوة، حياة. إذن، الدعاء يحسسنا بواقعنا. يحسسنا بقيمتنا. يحسسنا بأننا عين الفقر والذلة لله. هذه حقيقة الدعاء.

حقيقة الدعاء تحول الفقر الوجودي إلى فقر روحي. نحن نعيش حالة تضخم، حالة تورم. كيف نعيش حالة تضخم؟ يعني عندما نقرأ هذه الآية المباركة: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ ما معنى تكاثر في الأموال والأولاد؟ يعني ننجب أولاد كثيرين ونربح أموال كثيرة؟ ليس هذا المعنى الظاهري فقط. ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ يعني: نحن نرى أن ذواتنا تضخمت من خلال الأموال والأولاد. نشعر بأن لنا وجوداً ضخماً. يقول: أنا إنسان لدي شركات، لدي عقارات، لقبي معروف، اسمي معروف، أنا أرى نفسي بصورة مضخمة. أرى نفسي بصورة متورمة من خلال أموالي، من خلال شركاتي، من خلال اسمي. أو عندما يكون لي لقب معين: دكتور، بروفيسور، آية الله، علامة. أشعر أن لنفسي ضخامة. أشعر أن لنفسي هالة. انظر إلى نفسي بصورة مضخمة، بصورة متورمة. هذا معنى التكاثر. أنني أرى نفسي كثيراً وأنا لست في الواقع كذلك.

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ الهاكم هذا النظر لأنفسكم بالضخامة والتورم حتى جاءكم الموت وأنتم على هذه الحالة. نحن نرى أنفسنا بضخامة، كيف نتخلص من هذه الرؤية؟ كيف نقرأ أنفسنا بواقعية؟ كيف نتعرف على حجم أنفسنا؟ أننا في الواقع لسنا بهذه الضخامة. هذه الضخامة ضخامة وهمية. بروفسور ودكتور وآية الله وعلامة وإنسان ثري وتاجر. هذه كلها ضخامة مادية، ضخامة وهمية. إذا أردنا أن نقرأ أنفسنا قراءة واقعية، نكتشف أنفسنا على حجمها، على واقعها، فالدعاء هو الوسيلة. الدعاء يعرفك بحجمك. يعرفك بواقعك. يعرفك بمقدار شخصيتك. عندما تقف بين يدي الله وتتذكر أنك لا تملك شيئاً، كل شيء. هذه ثروتك وأموالك وأولادك، كلها تذهب في لحظة واحدة. إذا جاءك الموت لا تستطيع أن تمد عمرك ثانية واحدة. إذا تصورت الفقر والذلة والمسكنة من خلال الدعاء، اكتشفت حقيقتك. اكتشفت واقعك. إذن الدعاء يحولك من فقرٍ وجودي إلى فقرٍ روحي. يجعلك تفنى في الله تبارك وتعالى. هذا هو الدعاء، حقيقة الدعاء هي الفناء.

الجانب الثالث:

فناء الأنانية في الغيرية. كيف فناء الأنانية في الغيرية؟ يوجد كتاب لدوكينز غير كتابه «وهم الإله» كتاب «الجين الأناني» ”جيناتنا صيغت بأنانية“ هذا يلتقي مع ما يذكره علماء النفس في المدرسة التحليلية: أقوى غريزة لدى الإنسان غريزة حب الذات. هذي أقوى غريزة عند الإنسان: يحب نفسه. لذلك نراه يحب يتملك، يحب يستأثر، يحب يستحوذ على الأشياء. غريزة حب الذات تجعل الإنسان يهرول نحو التملك، نحو الاستئثار. غريزة حب الذات تجعلنا أنانيين لا نفكر إلا في أنفسنا. كيف نتخلص من هذه الأنانية؟ كيف نتخلص من الأنانية ونتحول إلى ضمير حي يشعر بآلام الناس، يشعر بآهاتهم، يشعر بأزماتهم، يشارك الناس في همومهم، كيف نتخلص من الأنانية وننطلق إلى الغيرية؟ نتخلص بالدعاء. الدعاء وسيلة فناء يفني الأنانية في الغيرية. يحولنا من جين أناني إلى جين يشعر بآلام الآخرين، هذا هو الدعاء. الإمام الحسن الزكي  يقول: ”ما رأيت أعبد من أمي فاطمة، كانت إذا قامت إلى صلاتها لا تنفتل حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها، وما رأيتها دعت لنفسها قط وإنما تدعو للمؤمنين والمؤمنات، فأقول لها أماه فاطمة لما لا تدعين لنفسك؟ فتقول بني حسن الجار ثم الدار“ الدعاء يحول الإنسان من أنا إلى أنت. من الأنانية إلى الغيرية. ”بني حسن الجار ثم الدار“ لذلك الإنسان دائماً يطلب منه أن يدعوا للمؤمنين. إذا أردت أن يستجاب دعاءك فادعوا لأربعين مؤمن بأسمائهم فإنها وسيلة لاستجابة الدعاء. حاول أن تتحرر من الأنانية إلى الغيرية.

المحور الثاني: سببية الدعاء

كلام دوكينز، دوكينز يقول أقمنا تجربة على ثلاث فئات من المرضى: فئة دعي لهم من دون علمهم، فئة دعي لهم بعلمهم، فئة لم يدعى لهم. لم نرى تفاوت، الجميع لم يتغير وضعه الصحي. إذن، أين دور الدعاء؟ نحن هنا نتحدث في جهتين:

الجهة الأولى:

هذا التهويل الإعلامي لدوكينز في كتابه «وهم الإله» أو غيره، نحن نحاول أن نرجع إلى المنطق العلمي: يعني إلى ما يذكره العلماء المتخصصون في مجال الأعصاب، هل للدعاء أثر على الدماغ أم لا؟ دوكينز غير متخصص في هذا المجال، هو يتحدث عن كلام خارج عن تخصصه. نرجع إلى العلماء المتخصصين في هذا المجال: مجال علم الأعصاب. ما هو أثر الدعاء على الدماغ؟ هل أن الدعاء يفرز أثراً إيجابياً على الدماغ حتى ينعكس هذا الأثر الإيجابي على الصحة النفسية للإنسان، والصحة البدنية للإنسان أم لا؟ لنرجع إلى كلمات علماء متخصصين في هذا المجال. آندرو نيوبيرج، أستاذ علم الأعصاب، بروفيسور في جامعة: بنسلفانيا في الولايات المتحدة له كتابان مترجمان إلى العربية: كتاب «كيف يغير الله عقلك»، وكتاب «الله والدماغ» كتابان مترجمان إلى العربية. هو عالم أعصاب ويتحدث أنه قام بتجارب على مجموعة من أدمغة المتدينين وأدمغة غير المتدينين. قام بتجارب، هذه التجارب أوصلته إلى نتائج وهو يصرح بكلام دوكينز، يتعرض بنفسه إلى كلام دوكينز ويناقشه. هذه التجارب أوصلته إلى نتائج بحثية علمية في تأثير الدعاء والعبادة على الدماغ، دماغ الإنسان.

يقول، نلاحظ صفحة 15، ”إن بعض الطقوس الدينية لا تعمل شيئاً سوى الاسترخاء، وبعضها يساعد على كونك منتبهاً، مركزاً. وعدد قليل يأخذ الممارسين إلى عالم متعالي من التجربة الروحية يتم فيه تغيير حياته.“ يعني هناك بعض الطقوس العبادية تغير حياتنا، تسهم في تغيير حياتنا، كيف؟ هو يذكر في صفحة 19، يقول، يتحدث بالذات عن الدعاء والصلاة، يقول: ”إنه يعزز الأداء العصبي للدماغ بطريقة تسهم في تحسن الصحة البدنية والعاطفية لدى الإنسان. وتولد الشعور بالسلام، والوعي الاجتماعي والتعاطف مع الآخرين.“ ويقول أيضاً: ”إن الله جزء من وعينا“ يعني الطبيعة الفسلجية للدماغ بنيت وصيغت بحيث تكون فكرة ”الله“ جزء مريح لهذه الطبيعة الفسجلية للدماغ. الله جزء من وعينا. مع أنه غير متدين طبعاً، هو يقول عن نفسه أنه غير متدين. لكن يقول هذي نتائج علمية، نتائج أبحاث علمية.

”كلما تفكرنا في الله تغيرت الدوائر العصبية في أجزاء معينة من الدماغ، وهذا هو السبب في أنني أقول وبكل ثقة، يقول كلامي كلام علمي. أقول وبكل ثقة: أن الله يمكن أن يغير دماغك.“ يتغير دماغك بفكرة الله تبارك وتعالى. أيضاً يذكر في كتابه «الله والدماغ» أنه قاموا بتجارب على مجموعة من أدمغة المتدينين وغيرهم اكتشفوا أن هذه الطقوس العبادية تعيد للدماغ وظيفته الأساسية، ماهي الوظيفة الأساسية للدماغ؟ وهي الحصانة الذاتية. حيث يقوم الدماغ بحصانة ذاتية تؤثر على الصحة النفسية والبدنية للإنسان. يعني الطقس العبادي يساعد الدماغ على أن يستعيد نشاطه، وظيفته الأساسية، وهي القيام بالحصانة الذاتية لهذا الجسم ولهذه الصحة النفسية. نلاحظ هو يتعرض إلى كلام دوكينز بنفسه، يقول في صفحة 18، ”في الآونة الأخيرة، هناك مجموعة من الكتب المعادية للدين من بينها «وهم الإله» لدويكنز، «نهاية الإيمان» سام هاريس، «الله ليس عظيماً» هيتشنز. هذه الكتب تقول: إن المعتقدات الدينية خطيرة شخصياً واجتماعياً، لكن البحث يعني نتائج البحث العلمي، تقترح بشدة خلاف ذلك“ يعني نتائج البحث العلمي وصلت إلى خلاف ما تقرره هذه الكتب المعادية للدين.

الدين، الطقس العبادي، الدعاء، يسهم في صحتك النفسية والبدنية. ألكسيس كاريل صاحب كتاب «الإنسان ذلك المجهول» له كتاب آخر اسمه «الدعاء»، يقول: ”الدعاء ارتفاع بالنفس نحو الله عز وجل“، ”الدعاء يقارن بشكلٍ من الأشكال بتأثير الغدد الصماء ذات الفرز الداخلي كالغدة الدرقية. كما أن تأثير الغدد الصماء تأثير تدريجي خفي، كذلك تأثير الدعاء تأثير تدريجي خفي يقوم على نوع من التحول الذهني والعصبي، فيرى الإنسان في ضوئهِ نفسه على حقيقتها. إذ يكتشف أنانيته، وجشعه وخطأ سلوكه الصادر عن تغطرسه، فيحاول كسب الخشوع النفسي، وشيئاً فشيئاً يكتسب الطمأنينة الباطنية والانسجام بين النشاطات العصبية، ويكتسب طاقة روحية“ يقول لنا: الدعاء يعطيك طاقة روحية لا تضعف أمام الفقر، والمرض، والموت. ينقل ألكسيس كاريل، يقول: "إن المكتب الطبي لمنتجع لورد أدى خدمة كبيرة للعلم ; لأنه برهن على أن الدعاء سبب شفاء كثير من الأمراض الباثولوجية. هذا كلام علماء، هذا منطق علمي مبني على تخصص وليس كلاما إعلامياً وتهويلياً. إذن، من خلال هذه الجهة نثبت أن هناك منطقا علمياَ في سببية الدعاء للصحة النفسية أو الجسمية.

الجهة الثانية:

الدعاء والإجابة. هذا سؤال موجود عند كل الناس: نحن ندعو والله لا يستجب لنا. غيرنا يدعو لنا ولا يستجاب لنا. لماذا لا يستجاب لنا؟ ما هو السبب؟ ما هو المانع من إجابة الدعاء؟ الدعاء كسائر الأسباب، هناك أسباب مادية، هناك أسباب نفسية. سببية النار للاحتراق: النار تحرق، هذا سبب مادي. سببية الكلمة الطيبة: لنشر المحبة، هذا سبب روحي ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. إذن، هناك أسباب مادية كالنار، هناك أسباب نفسية كالكلمة الطيبة. الدعاء من أي قسم؟ من القسم الثاني. الدعاء سبب روحي. لكن هذا السبب مثل غيره من الأسباب يحتاج إلى شروط. الدواء سبب للشفاء لكن لا مطلقاً. متى يكون الدواء سبباً للشفاء؟ إذا كان بكيفية خاصة، بوقت معين، بمدة معينة، بطريقة معينة. إذا كان الدواء ضمن شروط معينة يصبح سبباً للشفاء. إذا خالفت شروط الدواء، لا يصبح الدواء سبب للشفاء، يصبح سبب لزيادة المرض. كذلك الدعاء، الدعاء سبب للاستجابة لكن في شروط معينة. ما هي الشروط؟ أهمها شرطان:

الشرط الأول: الإخلاص

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، نحن مملوئين بالذنوب. الذنوب من القرن إلى القدم. نأتي بأوساخنا وذنوبنا ورذائلنا، وندخل في الصلاة ونحن في هالة من الوسخ، ونرفع أيدينا: يا رب اغفر لنا، يا رب اعطنا الصحة، يا رب اهلك فلان، يا رب انقذني من كذا. نحن نصر على الله أن يستجيب لنا، ونحن لا نستجيب لله في أمر من الأوامر. ليس لدينا اخلاص. نصر على الله أن يستجيب دعاءنا ونحن لا نستجيب لله في ترك الذنوب وفي الاقلاع عن المعاصي، وفي الاقلاع عن الرذائل. الدعاء يحتاج إلى إخلاص. يحتاج إلى روح طاهرة. يحتاج إلى نفس نقية من الذنوب. ولذلك في رواية جميل ابن دراج، يسأل الامام الصادق ، يقول: سيدي إن الله يقول في القرآن ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ونحن ندعو ولا يستجاب لنا. ماذا أجابه الامام الصادق؟ قال: ياجميل، من وفى لله بعهده وفى الله له. أنتم لا تفون بعهد الله والله يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ بيني وبينكم معاهدة: أن تتركوا الذنوب، أن تتركوا المعاصي، إذا وفيتم بعهدي أوفي بعهدكم. ولذلك ورد في الرواية المعتبرة عن معاوية ابن عمار: ”من أعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا، من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكّل أعطي الكفاية“ وذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

الشرط الثاني: الحكمة

الشرط في استجابة الدعاء أن يكون ضمن الحكمة. كيف يكون ضمن الحكمة؟ الله تبارك وتعالى له اسماء حسنى: مجيب وحكيم. نحن دائماً نركز على كلمة ”مجيب“، لا تهمنا كلمة ”حكيم“ ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ من اسمائه مجيب، ومن اسمائه حكيم. نحن نقول: يا رب استجب لنا حتى لو كانت الاجابة في غير صالحنا. حتى لو كانت الاجابة فيها ضرر على غيرنا. يقول لنا الله: لا. أنا مجيب وأنا حكيم. الاسماء الحسنى متوازية. الاسماء الحسنى متساوية. الله لا يكون مجيباً على حساب كونه حكيماً. ولا يكون مجيباُ على حساب كونه رحيماً. أنا أقول: يا رب ارزقني الزوجة الفلانية وإذا لم ترزقني إذن أنت ما أجبت دعائي. يا رب اعطني الوظيفة الفلانية، إذا ما اعطيتني الوظيفة الفلانية ما اجبت دعائي. الله يجيبك: أنا مجيب، لكن أنا أيضاً حكيم ; اجيب دعاءك إذا كانت الاجابة مناسبة للحكمة. أما إذا كانت إجابة دعاءك ضرر عليك، أو ضرر على غيرك من الناس فإجابة دعاءك لا تنسجم مع الحكمة. إذن، أنا مجيب وأنا حكيم ولا أكون مجيباً على حساب كوني حكيماً. الاسماء الحسنى متوازية.

نحن نتعامل مع الدعاء بدوافع شخصية، يعني دوافع أنانية. دعاءنا كله لأشخاصنا ; يا رب وظيفتي، وزوجتي، وأولادي، وسيارتي، بعضهم يدعو حتى لسيارته، بعضهم يدعو حتى لجبته، يعني هكذا. نعيش مع الدعاء في أجواء شخصية. نتعامل مع الدعاء معاملة أنانية، شخصية. نجعل الدعاء كأنه مسألة شخصية بيننا وبين الله. بينما طريق أهل البيت يختلف عن ذلك. لم يتعامل أهل البيت مع الدعاء بهذا التعامل الشخصي. تعامل أهل البيت مع الدعاء كغذاء روحي. تعامل أهل البيت مع الدعاء كعلاقة قلبية مع الله. الدعاء حالة حب. الدعاء حالة مناجاة. الدعاء حالة عشق. الدعاء حالة شوق. الدعاء حالة ربط بالله. ليس الدعاء مسألة شخصية. نحن نتعامل مع الدعاء بشكل شخصي: اقضِ حوائجي. كأن الله موظف أمامي أطالب منه أن يقضي حوائجي.

الائمة لا يتعاملون مع الدعاء هكذا، الائمة يغضون النظر عن قضاياهم الشخصية: أمراضهم، آلامهم، مشاكلهم الشخصية، يغضون النظر عنها، يعتبرونها ويحتسبونها في الله عز وجل ويمارسون الدعاء كتجربة روحية مفعمة بالشوق، مفعمة بالحب، مفعمة بالارتباط بالله عز وجل. نلاحظ الحسين ابن علي يوم عاشوراء. نحن عشنا ذكرى عاشوراء، سمعنا كلمات الحسين. سمعنا أقوال الحسين. كيف الحسين تعامل مع الدعاء يوم عاشوراء. الحسين تعامل مع الدعاء تجربة روحية، علاقة قلبية، غذاء روحي مع الله. الدعاء أعطى الحسين طاقة روحية تحدى بها الموت، تحدى بها الذل، تحدى بها الظلم، ولم يتعامل مع الدعاء بشكل شخصي. الحسين يوم عاشوراء قال: ”هوّن ما نزل بي أنه بعين الله“ كل ما نزل بي من مصائب هو بعين الله، أنا لا أفكر في هذه المصائب، المهم أن أكون قريباً من ربي. ”الهي.. رضاً بقضائك، صبراً على بلائك، تسليماً لأمرك.. يا غياث المستغيثين“