فكر وثقافة

يقول الغرب: الحجاب يحرم المرأة من المناصب!

الشيخ حسن الجواهري 01-07-2020 229

يقول الغرب: أليس وجوب ستر البدن على المرأة يكون وسيلة لحرمانها من مناصب معينة؟  أو يكون تأكيداً على أنّ المرأة هي رمز الإغراء في المجتمع وأنّها لا تتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجل؟

ونقول:

أ - إنّ وجوب ستر البدن - كما قلنا - ليس مختصاً بالمرأة، بل يشمل الرجل أيضاً، ولكن بمساحة تختلف عن مساحة المرأة، فالستر هو حقّ عام على الجنسين ; لأنّه رمز للعفة والكرامة.

ب - نعم، إنّ النساء تغرين الرجال - غالباً - وتجلبن انتباههم وتسهّل عملية إغرائهم، بخلاف الرجال فإنّهم نادراً ما يغرّون النساء، لذا فإنّ من الحكمة أن لا يترك الإغراء والإغواء الهدام يعبث في المجتمعات المسلمة ويرمي سمومه فيها، ومن الواضح أنّ اللباس المحتشم يكشف القِيَم التي يحملها صاحب اللباس المحتشم، كما أنّ التعرّي يكشف عن قيم صاحبه، فالأول يصرّح بعدم أيّ علاقة بالجنس ومقدّماته خارج نطاق الأُسرة والزوج، والثاني يصرح ويغري بالعكس - وإن كان صاحب التعرّي لا يقصد ذلك - ولذلك صرّح علماء النفس والتربية بأنّ المرأة المتعرّية هي المعينة على نفسها إذا اغتصبت من قبل الرجال، كما تقدّم ذلك.

ج - ليس لستر البدن أيّ صلة أو تعبير عن حرمان المرأة من حريّتها في حياتها الاجتماعية والعملية والسياسية.

ويقولون أيضاً: إنّ ستر البدن يحمل معاني متعدّدة:

منها: أنّها تدعو النساء الأُخريات لدينها، وهذه الدعوة لا تتحمل في النظام الذي فصل بين الكنيسة والدولة - كنظام فرنسا - فكلّ شي يأخذ طابعاً ديناً لا بدّ أن يحظر، فيكون لمثل هذه الدول الحقّ في منع ستر البدن بالكيفية التي تكون عليها المرأة المسلمة.

ومنها: ما قاله « جافيير تيرتيسيان »: إنّه يحمل معنى جبر المرأة المسلمة على الحجاب، بينما يريد لها المشرّع الفرنسي أن تكون حرّة.

ومنها: أنّه معنى سياسياً وليس واجباً دينياً.

ومنها: أنّه يساء استخدامه من قبل الأُصوليين الإسلاميين، فيهدّدون الجمهورية الفرنسية العلمانية ([1]).

ونقول:

1 - نعم، لا ننكر أنّ ستر البدن فيه دعوة للاقتداء به ; لأنّه الأمر الذي تفضّله المرأة من الستر، وهو أيضاً يحمل معنى سياسياً، إلاّ أنّه لا يهدد مبادئ فرنسا ولا يهدد العلمانية، فالعلمانية مبدأ خلاف الدين، والدين مبدأ خلاف العلمانية، والفرد الحرّ مختار في تبنّيه لأيّ من الفلسفتين، فإذا كانت فرنسا عندها مبدأ الحرية في الاختيار فلا بدّ أن تسمح للنساء باختيار الدين أو اختيار العلمانية، وأمّا مسألة ستر البدن فهي لا ربط لها بتهديد مبادئ فرنسا العلمانية.

بالإضافة إلى أنّ ستر البدن للمرأة واجب ديني، وهو موجود قبل قيام الثورة الفرنسية ومبادئها بقرون، ولو كان يتعارض - كواجب ديني - مع العلمانية ومبادئ فرنسا، فلماذا غاب هذا عن المشرّعين الفرنسيين في بادئ الأمر والتفت إليه الآن؟!! ولماذا لم تلتفت إليه الدول العلمانية الأُوروبية الأُخرى، حيث تسمح بالحجاب في الجامعات وفي المؤسسات الرسمية للدولة؟!!

2 - وأمّا بالنسبة لإجبار المرأة المسلمة على ستر البدن، فلو كانت هذه الدعوى صحيحة فلماذا تتظاهر المرأة في الغرب احتجاجاً ضدّ هذا التشريع، فهل أجبرنَ على التظاهر ضدّ قانون منع الحجاب أيضاً؟!!

وإذا كان إجبار المرأة لا يجوز على ستر البدن فلماذا تجبر على العهر؟!!

تقول « بيت هرتز فيلد » في مقالة ([2]): إنّه حينما تذكر العبودية، فإنّه يتبادر إلى ذهن كثير من الناس تلك الصور المأساوية القديمة لتجارة العبيد عبر الأطلسي، والتي كانت تعتمد على بيع وشراء الناس. ويبدو أنّ العالم الحديث قد ترك هذا السلوك خلف ظهره. وتصرّ « هرتزفيلد » على أنّ العبودية ليست موجودة حالياً فحسب، بل إنّها في توسع، وهذه حقيقة.

وتتنبأ الكاتبة أنّ هناك حالياً حوالي سبعة وعشرين مليون امرأة وطفل ورجل يتم استعبادهم في العالم، فنساء أُوروبا الشرقية يتم استعبادهم ليمارسن البغاء في أوروبا الغربية، والعبودية المعاصرة تقبل بأيّ إنسان مهما كان عمره أو جنسه أو عرقه في كلّ قارات العالم وفي أكثر الدول تقدّماً صناعياً، ثمّ تعطي الكاتبة أمثلة على الطريقة التي يمكن من خلالها للآمال المبنية على البناء الاجتماعي أن تزيد من قابلية النساء للسقوط في ممارسات تشبه العبودية.

ومن المؤسف أنّه لم يتخذ أيّ إجراء قانوني أو لم يسنّ أي قانون لمنع حدوث هذه الظاهرة، وكم نسمع من صيحات حول هذا الأمر، ولكن لا نرى أي فعل.

وقد عقد في موسكو في العام 1997 م مؤتمر دولي حول تجارة تسفير النساء الروسيات خارج البلد من أجل البغاء، وقد كتب « فرانسين بيكن » مقالة حول هذه الآفة الاجتماعية تحت عنوان: « ما أكثر الكلام وما أقل الفعل ! الهجرة القسرية والاتجار بالنساء ».

وتبحث المقالة في وجهات النظر المختلفة الكثيرة حول قضية الاتجار بالنساء والسياسات المختلفة المرتبطة بهذه القضية ([3]).

وفي تقرير نشرية المنظمة العالمية للهجرة حول الهجرة غير المنتظمة من جورجيا إلى أُوروبا، نشر في أول أيلول عام 2001 م تحت عنوان « أما المشقة خارج الوطن أو الجوع في الوطن » يشير هذا التقرير إلى أنّ المهرّبين في جورجيا كانوا يتاجرون بالنساء الجورجيات، حيث يرتّبون لهن مستلزمات الهجرة إلى عدد كبير من دول غربية، أكثرها شعبية هي ألمانيا وبلجيكا والولايات المتحدة.

وفي مورد آخر من نفس التقرير نقرأ ما يلي: « إنّ حوالي نصف ضحايا الاتجار بالنساء حسب المقابلة التي أجرتها معهن منظمة الهجرة العالمية (حيث استجابت 58 امرأة من بين 121 وهو العدد الكلي للمستجيبات) أُجبرن إما على العمل في النوادي الليلية، أو على التعرّي أمام النظارة (السترتبيز)، أو ممارسة البغاء، وفي أكثر الحالات لم توضح أولئك النسوة

طبيعة النشاطات التي كنّ يقمن بها، لأنّ أكثرهن فضّلن وصف عملهن كمادة للترفيه بدلاً من استخدام تعابير أكثر تحديداً. فالنساء الجورجيات أجبرن على ممارسة أعمال الجنس في كلّ البلدان التي ذهبن إليها، كما جاء في التقرير.

ويبدو واضحاً من تلك المقابلات. أنّ الولايات المتحدة (حسب ما قالت 12 من تلك النساء التي أُجريت معهن المقابلة) وتركيا (حسب ما قالت 8 من تلك النساء) احتلتا المركز الأول من بين الدول التي انتهى المطاف بتلك النسوة إليها والتي أُجبرن فيها على ممارسة أعمال الجنس، ثمّ تأتي بعد ذلك فرنسا وأسبانيا واليونان، حسب ما قالت ستة من تلك النساء التي أُجريت معهن المقابلة ».

وفي تقرير آخر تحت عنوان « تقرير الاتجار بالأشخاص لعام 2003 م » نشر في 11 / 6 / 2003 حيث كانت فرنسا هي مادة التقرير الذي نشر تحت رعاية وزارة الخارجية الأمريكية، أنّ فرنسا هي المحطة الأخيرة للضحايا، ومعظمهم من النساء اللواتي تمّ الاتجار بهن من أفريقيا ومن وسط وشرق أوروبا ومن دول الاتحاد السوفيتي السابق لغرض ممارسة البغاء والخدمة المنزلية. وتقدّر الشرطة الفرنسية بأنّ تسعين بالمائة من الخمس عشرة ألف مومس اللواتي يعملن في فرنسا هنّ من ضحايا الاتجار بالنساء، وأنّ من ثلاثة إلى ثمانية آلاف طفلة تم إجبارهم على العمل في سلك البغاء والأعمال العسيرة بما في ذلك التسوّل...([4]).

وأمّا إساءة استخدام ستر البدن من قبل الأُصوليين الإسلاميين فيهدّدون فرنسا، فهو إنّما يصح لنوع خاص من ستر البدن كالعباءة العربية والجادر الإيراني، أمّا ستر البدن بواسطة المانتو وستر الساقين بواسطة البنطرون وستر الرأس بواسطة المقنعة، فهو مما لا إساءة فيه لتهديد فرنسا إطلاقاً.

مقتطف من كتاب: بحوث في الفقه المعاصر، للشيخ حسن الجواهري

الهوامش:


[1] راجع المصدر نفسه: 17 نقلاً عن جلسة سؤال وجواب عقدها الموقع الألكتروني الإسلامي العربي ( اسلام اونلاين ) في 2004 / 7 / 12 م استضاف فيها « جافيير تيرتيسيان » الذي يمتلك عموداً في الشؤون الدينية في صحيفة « لوموند » الفرنسية.

[2] راجع المصدر نفسه: 18 نقلاً عن المقالة التي نشرت في مجلة « فبدراند دفلوبمنت » ( الجنس والتطور ): 50 - 55 من المجلد العاشر، العدد الأول الصادر في 1 آذار 2002 م.

[3] المصدر نفسه: 44 - 51 من المجلد السادس، العدد الأول الصادر في 1 / آذار / 2002 م.

[4] انظر: المصدر نفسه: 18 - 19 نقلاً عن :

http: / / www. stategov / g / tip / r / s / tiprpt / htm 212750 / 2003