هذا الموضوع الحساس يقتضي شرحاً مفصّلاً لمجمل الأحداث التاريخية في بُعدها السياسيّ والاجتماعي والاقتصادي، وهذا ما لا يمكننا القيام به في هذا المقام، ولذا سوف نكتفي برسم التصور العامّ من خلال رصد أهمّ المحطات التي أوصلت أبا بكر إلى الخلافة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

أولاً: من الواضح أنّ المتحكم في الزعامة السياسية بحسب الثقافة العربية في تلك الفترة التاريخية هو القبيلة، والدليلُ على ذلك أنّ النزاع الذي وقع في السقيفة بين المهاجرين والأنصار كان نزاعاً قبلياً بامتياز، حيث ادّعت قريش أنها أولى من الأنصار في خلافة رسول الله، في حين اعتبر الأنصار أنّ الخلافة حقّ لهم بوصفهم أهل الأرض والقبائل التي نصرت الإسلام، ومن هنا جاز لنا القول إنّ السقيفة كانت أكبر حدث سياسي شكّل منعطفاً خطيراً في المسيرة المستقبلية للإسلام، وقد بدأ هذا الأمر عندما قالت قريش من ينازعنا سلطان محمد؟، وأتسع الأمر حتى اجتاح كلّ الجزيرة العربية، واستمرّ حتى قيل: ما سلّ سيفٌ في الإسلام كما سلّ في الإمامة والقيادة، فكلّ الدماء التي سفكت والحروب التي وقعت بين الصحابة كانت بسبب الخلافة والإمارة.

ولم يقف التنازع القبليّ عند حدود قريش وقبائل المدينة وإنما اجتاح التمرّد كلّ قبائل الجزيرة العربية التي رفضت زعامة قريش، ولم تكتفِ هذه القبائل بالاعتراض وإنما قامت بثورات مسلحة امتدت حتى اليمن ولم يسلم منها غير مكة والمدينة والطائف، حتى قال بعضهم: "ارتدت العرب عند وفاة رسول الله (ص) ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة" (البداية والنهاية: ج6 ص312). وفي خبر آخر قال: "كفرت الأرض، وتضرمت ناراً، وارتدت العرب من كلّ قبيلة، خاصتها وعامتها، إلاّ قريشاً، وثقيفاً" (تاريخ الأمم والملوك: ج3 ص242). وبذلك تكون القبائل الأخرى التي خضعت لرسول الله ودانت له بالولاء والطاعة تمرّدت وأعلنت العصيان على سلطة قريش. واللافتُ أنَّ كلّ هذه القبائل المتمرّدة رفعت شعار قبائلها، وقد كان هناك تخوّف عامٌّ عند أصحاب السقيفة من تقبّل القبائل الأخرى بالزعامة الجديدة؟ فاستغل عمر هذا التخوّف لصالح القرشيين فخاطب الأنصار بقوله: "إنَّه والله لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلاّ من كانت النبوّة فيهم، وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته" (تاريخ الطبري: ج2، ص455 ـ ص460). يكشفُ هذا الكلام عن عدم وجود معيار منضبط لشخصية الخليفة سوى المعيار القبلي، فطالما رسول الله من قريش فبحكم النظام القبلي لابدّ أن يكون خليفته في سلطانه من قريش أيضاً، ولكن يبقى السؤال هل تقبل بقية القبائل زعامة قريش عليها كما افترض عمر قبولها؟ إنّ الذي حدث هو إنَّ القبائل لم تقبل واعتبرت إنَّ قريشاً نالت بذلك الفضل عليها، فأعلنت التمرّد ورجعت الى أحلافها القديمة، روي في تاريخ دمشق: "فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام عيينة بن حصن في غطفان فقال: ما أعرفُ حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسد، وإني لمجدّدُ الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة. ووالله لإن نتبع نبياً من الحليفين أحبّ الينا من أن نتبع نبياً من قريش. وقد مات محمد وبقي طليحة! فطابقوه على ذلك" (تاريخ دمشق لابن عساكر: ج25، ص156) فاستجابت قبيلة أسد خزيمة كلها لادعاء طليحة بن خويلد النبوة! وتسارعت القبائل للانضمام إليهم، فانضمّ بنو فزارة بقيادة عيينة بن حصن، وقال: إنَّ نبي حلفائهم أسد أحبّ اليه من نبي قريش. وانضمّت بطون من طيء، وخزاعة، وغيرها حتى ضاقت بهم سميراء وبزاخة وهي مناطق قرب حائل، فاتخذوا معسكراً آخر في ذي القَصَّة قرب المدينة، وأرسل طليحة أخاه لقيادته وغزو المدينة.  

وعندما امتنعت هذه القبائل عن دفع الزكاة كانت تهدف إلى عدم الإعتراف بالسلطة الجديدة في المدينة، ومن الواضح أنّ دفع الزكاة يحقق سيادة الدولة على الأطراف والأقاليم، فإرسالُ هذه القبائل زكواتها للحكومة المركزية فيه تبعية واضحة وخضوعاً للسلطة، وبالتالي الإمتناع عن دفعها يعتبر عصياناً وإعلانَ إنفصال، فلو عاشت كلّ قبيلة في مضاربها من دون أن تدفع أموالها لجهة خارج حدود القبيلة حينها لا يعنيها كثيراً من يحكم في المدينة، فطبيعة الحياة والأنظمة في تلك الفترة تختلفُ عن الأنظمة المعاصرة، ومن هنا كان منع الزكاة إعلان تمرّد وانفصال. فإذا كان الإسلام قد وحّد بين جميع المسلمين ولم يعترف بالقبيلة فكيف جاز لقريش أن تطالب بالخلافة ارتكازاً على مفاهيم قبلية، فالذي لا يرى في ذلك مخالفة وخروجاً عن حدود الشرع وضوابط الدين، كيف يرى اعتزاز هذه القبائل بقبائلها خروجاً عن الدين وارتداداً عن الإسلام؟ فالمقياس هو نفس المقياس والحجة هي ذاتها الحجة، فقد بدأت الثورة على قريش عندما قالت قريش: من ينازعنا سلطان محمد ونحن عشيرته، فإن كان هناك إرتداد فهذه هي أول علائم الإرتداد. وهنا لا نبرّر لهذه القبائل قبيح ما صنعوا ولكننا نعمم الإدانة ونساوي في الحكم.

وعندما إقترب جيش طليحة الأسدي من المدينة، رأى عمر إنَّ ما تخوّف منه قد وقع، وخاف من مهاجمتهم المدينة، فأشار على أبي بكر أن يقبل بأول مطالبهم وهو إسقاط الزكاة عنهم، فقال له: "تألَّف الناس وارفق بهم، فإنَّهم بمنزلة الوحش. فقال له: رجوتُ نصرك وجئتني بخذلانك؟ جَبَّارٌ في الجاهلية خَوَّارٌ في الإسلام! ماذا عسيت أن أتألفهم، بشعر مفتعل، أو بسحر مفترى، هيهات هيهات، مضى النبيّ وانقطع الوحي. والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي، وإن منعوني عقالاً" ( كنز العمال: ج6، ص527).

وهنا نفهم عدم خروج أمير المؤمنين بالسيف على من اغتصب خلافته بحسب قول الشيعة؛ للخطر الكبير الذي يحدق بالإسلام فالتحرّك العسكري من داخل المدينة يهيئ الفرصة للقبائل المتربصة، مضافاً لخطر فارس والروم التي تتحين نقاط الضعف لتنقضّ على هذه التجربة الوليدة، فروح المسؤولية والحرص على الإسلام جعل أمير المؤمنين (ع) يبتعد بنفسه عن هذا الصراع، وعليه فإنّ العوامل الاجتماعية والتنازع القبلي كان هو المؤثر في ابتعاد الإمام علي (ع) من هذا الصراع ممّا فتح الطريق أكثر لابي بكر.

ثانياً: مشكلة أمير المؤمنين (ع) لم تكن مع تلك القبائل التي ثارت على أبي بكر وإنما كانت مشكلته الأساسية مع قريش نفسها، حيث لم يكن المفضل عندها لما تحمله في نفسها من ضغائن وثارات لما فعله فيهم في حربه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولذا فإنَّ من حارب أمير المؤمنين (ع) وتمرّد عليه حتى أيام خلافته في الجمل وصفين هي قريش ليس غيرها، كما حاربت رسول الله في أول الدعوة، فأهمّ المعارك التي قادها رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت مع قريش، وبعد أن فُتحت مكة وسلمت قريش، سلمت له بقية القبائل، ولم تُسلم قريش إلاّ بعد جهد وجهاد وكان ذلك بجهاد أمير المؤمنين الذي أذلّ أنوفهم وكسر جبروتهم وجندل أبطالهم فأودعوا في قلوبهم أحقاداً بدريةً وأحديةً فأطبّت على عداوته وأكبّت على منابذته، أو كما قالت فاطمة الزهراء (ع): "كلما حَشَوْا ناراً للحرب أطفأها، ونَجَمَ قرنٌ للضلال، وفَغَرت فاغرة من المشركين، قذف بأخيه - الإمام علي - في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بحده، مكدوداً في ذات الله، قريباً من رسول الله، سيداً في أولياء الله، وأنتم في بَلَهْنِيَةٍ وادعون آمنون .. حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ظهرت حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين .." وعليه إنّ قريشاً لم تكن ترغب في خلافة الإمام علي (ع) ولذا أستُبعِد من السقيفة وسارعوا اليها وهو مشغول بتجهيز ودفن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعد أن اجتمع عليه الناس من كلّ صوب يبايعونه بالخلافة بعد مقتل عثمان، فلم يستتبّ له وضع وخرجت عليه قريش مرة بقيادة عائشة بنت أبي بكر كما في الجمل، ومرة بزعامة بني أميّة فكانت صفين، ثم لاحقت قريش ذريته وولده وقتلتهم تارة بالسمّ والغدر وتارة بالسيف كما هو حال الحسين (ع) في كربلاء، ومن هنا نفهم خروج أمير المؤمنين إلى الكوفة وتركه مكة والمدينة، كما نفهم وجود الشيعة في العراق واليمن وانتشار التشيع في أوساط الموالي، أمّا قريش فلم تشايعه ولم تعترف بحقه ونابذته ولم يبق له إلاّ القلة القليلة من بني هاشم كابن عباس، ولذا كان يتحسّر ويقول: "واجعفراه! ولا جعفر لي اليوم! واحمزتاه ولا حمزةَ لي اليوم". وقوله: "اللهم أني أستعديك على قريش ومن أَعانهم، فإنَّهم قد قطعوا رحمي، وأَكفئوُا أنائي، وأجمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إنَّ في الحق أن تأخذَه وفي الحق أن تُمنَعَهُ، فاصبر مغمُوماً، أومُت مُتأسفاً. فنظرتُ فإذا ليس لي رَافِدٌ، ولا ذابُّ ولا مُساعِدٌ، إلاّ أهل بيتي، فضننتُ بهم عن المنيَّةِ، فأَغضيتُ على القذى، وجرعْتُ ريقي على الشَّجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمَرَّ من العلقمِ، وآلم للقلب من وخز الشفار" (نهج البلاغة: ص336 من كلام له رقم : 217).

وقوله:  "اللهم فاجز قريشاً عني الجوازي فقد قطعت رحمي، وتظاهرت عليَّ، ودفعتني عن حقّي، وسلبتني سلطان أبن عمّي، وسلّمت ذلك إلى مَنْ ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الإسلام إلاّ أن يدّعي مدّعٍ ما لا أعرفه، ولا أظنّ الله يعرفه، والحمد لله على كلّ حال" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1، ص308).

وقوله: في خطبته عند مسيره للبصرة  "إنَّ الله لمّا قبض نبيّه، استأثرتْ علينا قريش بالأمر، ودفعتْنَا عن حقٍ نحن أحقُّ به من الناس كافّة، فرأيت إنَّ الصّبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين، وسَفْكِ دمائهم، والناس حديثُوا عهد بالإسلام، والدين يُمخَضُ مَخْضَ الوطْب، يُفسِدُه أدْنى وَهن، ويعكسه أقل خُلف، فولي الأمر قوم لم يألوا في أمرهم اجتهاداً، ثم انتقلوا إلى دار الجزاء، والله وليُّ تمحيص سيئاتهم، والعفو عن هفواتهم... الخ" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج20 ص298،).

فلو سَلِم الإمام علي (ع) من قريش- ولم يسلم- لما بقي له معارض، ولو تولى الخلافة بعد رسول الله (ص) لخضعت له العرب وما تمرّدت عليه القبائل، لفضله وعلوّ قدره وسابق عهده وقربه من رسول الله وما كان له في غدير خم من الوصية، لكنه لم يسلم من قريش ونافسوه في حقه وأبعدوه عن منصبه، وعندما رأت قبائل العرب نكران قريش حقّ أمير المؤمنين وهي عشيرته وقبيلته طمعوا في الأمر لأنفسهم، وعليه فالذين ناصروا أبو بكر لم يناصروه إلا لكونه أنسب لمصالحهم من الإمام علي (عليه السلام) وأطيب لنفوسهم من أمير المؤمنين.

 ثالثاً: بعد أن شكّل تمرّد القبائل خطراً على السلطة الجديدة في المدينة، كان الخيار الأفضل لصرف تفكير هذه القبائل عن المنافسة السياسية هو أن تتبنى سلطة المدينة سياسة الغزو والفتوحات لأراضٍ جديدة خارجة عن حدود الجزيرة العربية، فإنّ ذلك يمثل من الناحية السياسية خياراً استراتيجياً يعمل على توحيد هذه القبائل على أهداف جديدة، كما يعمل على استغلال الطاقات القتالية للعرب وتوجيهها لتحقيق مكاسب جديدة غير معهودة لديهم، مضافاً الى إنَّ ذلك يوسع سلطانهم ويكسبهم مصادر دخل وثروات جديدة، من هذا المنطلق نرى إنَّ عبد الله بن عامر يقترح على عثمان بن عفان لإطفاء نار الثورة التي قامت ضدّه بقوله: "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همّة أحدهم إلاّ نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه..." (تاريخ الطبري ج2 ص 643). وجاء في فتوح البلدان للبلاذري: "لما فرغ أَبُو بكر رضي الله عنه من أمر أهل الردّة رأى توجيه الجيوش إِلَى الشام، فكتب إِلَى أهل مكة والطائف واليمن وجميع العرب بنجد والحجاز يستنفرهم للجهاد ويرغبهم فيه وفي غنائم الروم، فسارع الناس اليه من بَيْنَ محتسب وطامع وأتوا المدينة من كلّ أوب، فعقد ثلاثة ألوية لثلاثة رجال..." (البلاذري فتوح البلدان: ج1 ص 128). وقد روى الطبريّ نصّاً آخر فيه: "إنَّ خالد بن الوليد وقف يخاطب جموع القبائل قبل فتح العراق قائلاً: ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكن إلاّ المعاش لكان الرأيّ أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به ونولي الجوع والإقلال من تولاه مما أثاقل عما أنتم فيه" (تاريخ الطبري: ج 2 ص 255). 

الأمر الذي يؤكد أنّ استتباب الأمر للخلفاء يعود الفضل فيه إلى تلك الفتوحات التي أورثت العرب ثروات هائلة وسلطان لم يكونوا يتوقعونه، وعندما عمل عثمان بن عفان على احتكار كلّ تلك المكاسب لبني أمية ثاروا ضدّه وعزلوه وقدموا أمير المؤمنين بحثاً عن العدالة، وعندما أخبرهم أمير المؤمنين بسياسته بقوله: " ألا إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإنّ الحق القديم لا يبطله شي‏ء، ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرق في البلدان لرددته إلى حاله، فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه الحقّ فالجور عليه أضيق" وعندما لم يستجب لمطامع من بايعه من أمثال طلحة والزبير إنقلبوا عليه وحاربوه. وعليه فإنّ أبو بكر لم يمارس إقناعاً للجماهير العريضة وإنما الظروف السياسية ورغبة قريش في الزعامة وركونهم للدنيا وتقديمهم لمصالحهم الشخصية وموقفهم من الامام علي (عليه السلام) كلّ ذلك جعل الأحداث تسير في صالح الحكومةِ القرشية التي إمتدّ حكمها في الأمةِ الإسلامية أكثر من تسعة قرون.