تاريخ

ماذا تعرف عن الإسرائيليات؟

السيد منير الخباز 23-07-2020 382

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء: 36]

الآية المباركة ترشد إلى قضية عقلية، وهي أنه ليس للإنسان أن يحكم على أي أمر بالنفي أو بالإثبات إلا بدليل وحجة، فكما لا يصح لنا أن نعمل بأي حديث إلا إذا قامت حجة على صحة هذا الحديث، كذلك ليس لنا أن نحكم على أن الحديث مكذوب أو موضوع إلا إذا قام دليل واضح على كونه مكذوبًا أو موضوعًا، من هنا نتحدث هذه الليلة عن الإسرائيليات في التراث الإمامي من خلال محاور ثلاثة:

المحور الأول: ما معنى الإسرائيليات؟ وما هي أقسامها؟ وما هو منشأ اقترابها من التراث الإسلامي؟

هناك كتاب «الإسرائيليات في التفسير» للباحث عبد الله الحاج، أجهد هذا الباحث نفسه في تتبع موارد الروايات الإسرائيلية في التراث الإسلامي بصفة عامة وليس خصوص التراث الإمامي، فنحن مع هذا الكتاب في بعض المواطن.

أولاً: تعريف الإسرائيليات، ما معنى الإسرائيليات؟

كلمة إسرائيل كلمة عبرانية معناها الغلبة، إسرائيل الغالب، وهذا لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والد النبي يوسف، لقب بإسرائيل، وسمي اليهود بني إسرائيل لأنهم ينتسبون إليه إما نسبًا وإما دينًا ونحلةً.

أما الإسرائيليات بحسب المصطلح في علم الحديث فهي المرويات القصصية التي يرجع أصلها إلى رواة يهود، كل قصة أصل روايتها من اليهود تسمى رواية إسرائيلية، وتوسع بعض الباحثين، مثل محمد حسين الذهبي في كتابه «الإسرائيليات في التفسير والحديث»، توسع واعتبر كل حديث موضوع أو مدسوس فهو إسرائيلي، يعني توسع في الحكم، وسمى كل حديث مدسوس إسرائيليًا، وإن لم يكن أصله من اليهود، ونحن بين هذين المصطلحين نمشي في محاور الموضوع.

ما هي أقسام الإسرائيليات؟ هل كل رواية إسرائيلية مرفوضة أم أننا نأخذ ببعض الروايات الإسرائيلية؟ الإسرائيليات على أقسام ثلاثة:

قسم يتوافق مع القرآن الكريم، أو يتوافق مع السنة النبوية القطعية، إذا وجدنا رواية، وإن كان راويها يهوديًا، لكن مضمونها موجود في القرآن، أو مضمونها موجود في روايات النبي ، لا نطرح هذه الرواية لأنها إسرائلية، مادام مضمونها صحيحًا موجودًا في الكتاب أو السنة القطعية.

مثلاً: ما نقله ابن جرير الطبري، راجع تفسير ابن كثير، الجزء الأول، صفحة 253، نقل عن ابن جرير عن عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمرو بن العاص كان من رواة الإسرائيليات، كان دائمًا يروي إسرائيليات، لأنه ذهب إلى الشام في تجارة، ووجد خرجين من كتب اليهود والنصارى، فحملهما إلى المدينة وصار ينقل عنهما، فهو من رواة الروايات الإسرائيليات، قال: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة، قال: أجل، وصفه في التوراة هكذا، يعني النبي محمد وصف بالتوراة بهذا الوصف: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، اسمك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقول لا إله إلا الله، ويفتح الله به قلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا.

هذه الرواية صحيح مصدرها اليهود، وهي في التوراة، لكنها تتوافق مع القرآن الكريم، القرآن الكريم قال: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)، وقال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ)، فإذن كونها إسرائيلية لا يعني عدم صحتها.

القسم الثاني: رواية إسرائيلية واضحة مخالفتها للموازين العقلية أو الموازين الدينية، فترفض، مثلاً: هذه الرواية: في التوراة جاء في سفر التكوين، الإصحاح 19، أن لوطًا  وابنتيه - الذين نجوا من الهلاك لوط وابنتاه - قالت كبراهما لصغراهما: إن أبانا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا، هلمَّ نسقي أبانا خمرًا، ونضجع معه، فنحيي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمرًا، ودخلت البكر واضجعت مع أبيها، وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: اضجعت البارحة مع أبي، فاسقه خمرًا الليلة وادخلي واضجعي معه، لنحيي من أبينا نسلاً، فسقتا أباهما خمرًا في تلك الليلة أيضًا، وقامت الصغيرة واضجعت معه، ولم يعلم باضجاعهما ولا بقيامهما، فحبلتا ابنتا لوط من أبيهما، فولدت البكر ابنًا وسمته موأب، والصغيرة ابنًا وسمته بنوعمو.

طبعًا هذه الرواية واضح أنها رواية مرفوضة، لأنها تنسب للأنبياء ما لا يمكن نسبته إلى الرجل العادي فضلاً عن نبي معصوم مرسل من قبل الله تبارك وتعالى.

وقسم ثالث من الإسرائيليات، هو محل البحث، مثلاً: عندنا رواية أن حواء خلقت من الضلع الأيسر لآدم، هذه الرواية وإن كانت من الإسرائيليات، ولكنها في رفضها أو قبولها لابد من عرضها على الموازين، إذن مجرد كون الرواية إسرائيلية لا يعني أنها مرفوضة، لا، نبحث عنها، هل وردت أيضًا عن النبي، صحيح هذه الرواية رواها يهودي، لكن هل رويت أيضًا عن النبي أو عن الأئمة أم لا؟ فإن كانت رويت عن النبي أو عن الأئمة نعرضها على الموازين، الخطوة الأولى إثبات الصدور، نبحث هل أن سندها صحيح إلى النبي أو للإمام أم لا، أو قامت القرائن الموجبة للوثوق بصدورها، هذه الخطوة الأولى، ثم نأتي للخطوة الثانية: جهة الصدور، هل أن الرواية صدرت على سبيل التقية أم صدرت على سبيل الجد وبيان الحكم الواقعي، هذه الخطوة الثانية، ثم الخطوة الثالثة: قراءة المضمون، وقد ذكرنا في ليلة من ليالي عاشوراء أن سيدنا الخوئي قدس سره ذكر خمس ركائز لقراءة المضمون، أي رواية تقرأ من خلال الركائز الخمس، هل هي مخالفة للعقل؟ هل هي مخالفة للقرآن؟ هل هي مخالفة لعقيدة مسلمة؟ هل هي مخالفة لحقيقة علمية؟ هل هي مخالفة لحكم شرعي متسالم عليه؟ فإذا خلت الرواية عن هذه المخالفات الخمس وكانت صحيحة وجهتها صحيحة تكون الرواية حينئذ مقبولة ومحلاً للاعتماد.

إذن نحن ليست عندنا مشكلة، إسرائيليات يعني تطرح! لا، الإسرائيليات أقسام، القسم الذي اتضح أنه مخالف للكتاب، مخالف للعقل، مخالف لعقيدة، مخالف لحكم متسالم عليه، نطرحه، كسائر الروايات، يعني الإسرائيليات ليست لها ميزة، كل رواية نعمل هذا الميزان، كل رواية تروى عن النبي أو عن الأئمة سواء كانت إسرائيلية أو غير إسرائيلية، الإسرائيليات ليست لها ميزة، كل رواية تروى عن النبي أو الأئمة لابد من بحثها صدورًا وجهةً ومضمونًا، فإذا بحثت من الجهات الثلاث، وكانت تامة الشرائط، حينئذ يؤخذ بها، ويعمل بها.

السؤال الثالث: من أين تتسرب الإسرائيليات إلى تراث الأحاديث؟

من الواضح أن اليهود كانوا في المدينة المنورة، وكانوا مختلطين بالمسلمين، وبعضهم دخل الإسلام، إما نفاقًا وإما عن قناعة، فنتيجة هذا الاختلاط روى الصحابة عن اليهود بعض الروايات، ودخلت ضمن كتب التراث، دخلت ضمن كتب الحديث، ولكن هل تسربت الإسرائيليات إلى التراث الإمامي نفسه أم لا؟

هنا عدة من الباحثين من أهل السنة قالوا: نعم، التراث الإمامي دخلت فيه إسرائيليات، مثل أحمد أمين، وغيره من الذين نسبوا إلى التراث الإمامي أنه دخلت فيه بعض الإسرائيليات.

ننقل هنا عن محمد حسين الذهبي في كتابه «الإسرائيليات في التفسير والحديث» قال: إن أعداء الإسلام، ومنهم اليهود، هالهم الإسلام، وما لأهله من القوة، فتظاهر نفر منهم بالدخول في الإسلام وقلوبهم منه خاوية، وتشيعوا لآل البيت - يعني يريد أن يقول بأن الشيعة هم الذين أوصلوا الإسرائيليات إلى التراث - وصدورهم على الحقد طاوية، ووضعوا في ذلك كل أحاديث غريبة، ونسجوا قصصًا عجيبة، معظمها منتزع من أصول يهودية، ثم قال: إن عبد الله بن سبأ رأس الفتنة والضلال ومن ورائه سبئيون كثير تظاهروا بالإسلام وتلفعوا بالتشيع لآل البيت إمعانًا في المكر والخداع، وكان لهم نصيب كبير مركوم من الإسرائيليات الدخيلة.

يعني هذا يقول: التراث الإمامي أصلاً الكثير منه من الإسرائيليات، لأن الإمامية استندوا إلى عبد الله بن سبأ، وعبد الله بن سبأ هو رأس الفتنة والضلال، ومنه تسربت هذه الروايات الإسرائيليات إلى التراث الإمامي.،

أولاً: أنتم تعلمون أن قضية عبد الله بن سبأ كثير من الباحثين يقول أصلاً هذه قضية أسطورية، أصلاً لا يوجد هناك شخص اسمه عبد الله بن سبأ، لأن الذي روى هذه الأحداث كلها - أنه كان هناك شخص اسمه عبد الله بن سبأ، ودخل في الإسلام في زمان الإمام علي، والتصق بجماعة الإمام علي، وكان هو رأس الضلال، وهو في الأصل يهودي، وفعل ما فعل - كل هذه القصة يرويها سيف بن عمر، وسيف بن عمر في كتب علماء الرجال عند السنة لا الشيعة قدحوا في دينه وعبروا عنه بالزندقة فضلاً عن الكذب، هذا الذي روى القصة كلها، أن هناك رجلاً اسمه عبد الله بن سبأ، وفعل ما فعل، وهو رأس التشيع... والراوي للقصة رجل مطعون فيه من قبل علماء أهل السنة، هذا أولاً.

 

ثانيًا: افترض أن عبد الله بن سبأ كان إنسانًا موجودًا، ولعل من بعض الروايات في كتب الشيعة يظهر أن هناك شخصًا فعلاً كان اسمه عبد الله بن سبأ، لنفترض ذلك، نقول: هل من الممكن أن يكون تراث الشيعة يرجع إلى هذا اليهودي ولا نرى له رواية واحدة؟! أنت تتبع كل كتب الشيعة، الكتب الأربعة، التهذيب، الاستبصار، الكافي، من لا يحضره الفقيه، تتبع كتب الشيعة، فيها أكثر من 26 ألف حديث، لا يوجد فيها حديث واحد لعبد الله بن سبأ أصلاً، ليس من المعقول، إذا كان هو رأس التشيع وقام بهذه الأعمال كلها، فكيف لم يبقَ من أحاديثه ولا حديث واحد؟! إذن بالنتيجة الوجدان شاهد على اختلاق هذه الأحداث ونسبتها إلى التشيع والتشيع منها براء، ولسنا نحن الوحيدين الذين نقول بهذا.

الدكتور طه حسين في كتابه «الفتنة الكبرى، الجزء الثاني، ص902»، هو الذي يقول: ”إن خصوم الشيعة أيام الأمويين والعباسيين بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ ليشككوا في سبب ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته، وليشنعوا على علي وشيعته من ناحية أخرى، فيردوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدًا للمسلمين“، ثم يقول: ”إن قضية عبد الله بن سبأ من مخلفات أعداء الشيعة“، وهذا كاتب سني، ليس شيعيًا، أصلاً هذه الأحداث كلها سطرها خصوم الشيعة في زمان الأمويين والعباسيين من أجل تشويه صورة علي  وشيعته، ومن أجل أن يتغافل ويتناسى المسلمون ما حصل من أحداث في زمان الخليفة الثالث من قبل بني أمية آنذاك.

المحور الثاني: ما هو موقف الإمامية من أئمة وعلماء تجاه ظاهرة الإسرائيليات؟ هل أن الأئمة وعلماءنا كانوا ملتفتين وواعين إلى وجود ظاهرة الإسرائيليات، وتحرزوا منها، وحصنوا التراث الإمامي من تسربها، أم كانوا غافلين عن هذه الظاهرة؟

عندما نتتبع الروايات نجد أن الأئمة وعلماء الشيعة كانوا في وعي تام من ظاهرة الإسرائيليات، وفي تحصن تام من تسربها ودخولها إلى كتب التراث الإمامي، أضرب لك شواهد على ذلك:

في زمان الإمام علي :

طبعًا الإسرائيليات كيف بدأت عن المسلمين؟ بدأت بالقصص، يأتي هؤلاء اليهود الذين أسلموا نفاقًا أو عن قناعة، يجلسون في المساجد، ويقصون القصص، والناس تسمع منهم، الناس تجلس وتسمع ”سوالف“ وكذبة بعد كذبة وترتاح قليلاً! فكانوا قصّاصين، ونتيجة هذه الظاهرة - ظاهرة القصص في المساجد - انتقلت الروايات وتسربت إلى التراث الإسلامي، منهم كعب الأحبار، منهم وهب بن منبه، منهم عبد الله بن سلام، هؤلاء كانوا أعمدة معروفين في رواية الإسرائيليات.

الإمام علي ماذا كان موقفه؟

لسنا نحن نقول، كتب أهل السنة تقول أن الخليفة الذي قاوم هؤلاء هو الإمام علي ، لاحظ «كنز العمال، الجزء الأول، ص172»: جاء الإمام علي  إلى قاص تقص، فقال: تقص ونحن حديثو عهد برسول الله؟! يعني أنت إذا كنت تعرف أشياء فنحن أولى منك لأننا حديثو عهد برسول الله ، أما إني أسألك عن مسألتين - يعني أختبرك في مسألتين - فإن أصبت وإلا أوجعتك ضربًا، ووقف ذات مرة الإمام علي على كعب الأحبار الذي هو رأس الروايات الإسرائيليات، وقال: إنه كذاب، رواها ابن أبي حديد المعتزلي في الجزء الرابع من شرح النهج، ورواها محمود أبو رية في «أضواء على السنة المحمدية، ص165».

الإمام الباقر تصدى للروايات الإسرائيليات:

لاحظ الكافي، الشيخ الكليني، الجزء الرابع، ص240، ينقل عن الإمام الباقر  أنه كذب كعب الأحبار، كعب الأحبار كان يقول أن الكعبة المشرفة تسجد كل صباح لبيت المقدس، حتى يريد أن يظهر أن الأصل هو بيت المقدس، الإمام الباقر لما وصلت إليه رواية كعب الأحبار قال: إنه يكذب، وليس كذلك.

إذن الأئمة كانوا يتصدون إلى هذه الروايات الإسرائيليات، من خلال أعمدة الروايات يتصدون لنفيها وتنبيه الناس عليها.

لاحظ الشاهد الآخر:

هذه الرواية في تفسير قوله تعالى: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)، ابن جرير الطبري تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، ينقلان عن ابن عباس أنه سئل: كيف هم بها؟ هي همت بها، هذا واضح، لكن هو يوسف كيف هم بها؟ قال: حل الهميان - يعني الصراويل - وجلس منها مجلس الخائن، فصيح به: يا يوسف، لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش.

هذا ابن جرير الطبري والسيوطي في الدر المنثور ينقلان عن هذا النبي العظيم أنه فعل ما فعل.

هذه الرواية كتبنا تكذبها، يعني كتبنا ترصد الروايات من الطرف الآخر وتحاول أن تسلط الضوء عليها، ليس من قبل علمائنا، بل من قبل علمائنا، من قبل أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كانوا في حال رصد وتتبع واستقصاء لما يروى من هذه الروايات المخالفة للقرآن أو المخالفة للقواعد المسلمة، لاحظ «عيون أخبار الرضا، الجزء الثاني، ص179»: سأل المأمون الإمام الرضا ، قال: يا أبا الحسن أخبرني عن قول الله عز وجل: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، فقال الرضا: لقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها.

يعني هو ما هم بها أصلاً، هم بها لولا أن رأى برهان ربه، يعني مثلاً: أنت تقول: خرجت من المسجد لولا أني رأيتك، يعني أنا لم أخرج بالنتيجة، لأنني رأيتك فلم أخرج، لولا أني رأيتك لخرجت من المجلس، يعني بالنتيجة أنا ما خرجت، لأنني رأيتك، كذلك (هَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، يعني لو لم ير برهان ربه لكان هم بها، لكن لأنه رأى برهان ربه فهو لم يهم بها، فضلاً عن أنه صدرت عنه المعصية، حتى الهم لم يصدر منه، لأنه برهان ربه، فضلاً عن أنه صدرت منه المعصية، ولذلك قال القرآن الكريم: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)، لم يحل الصراويل، القرآن يقول: فاستعصم، (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)، ويقول القرآن عنه: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ)، فيوسف رأى برهان ربه، وبرهان ربه هو العصمة التي وهبها الله إياه كما ذكر الإمام الرضا  في الرواية، ولأنه رأى برهان ربه أصلاً ما هم به، فضلاً عنه أنه خطى بعض الخطوات لهذه الفاحشة.

الشاهد الثالث:

شاهد ثالث من مراقبة علمائنا وأئمتنا للإسرائيليات: لاحظوا هذه الرواية، الرواية يذكرها السيوطي في الدر المنثور، بطريق أنس عن مجاهد والسدي عن ابن عباس، قصة داوود  طويلة، أنا أنقل منها هذا المقطع: فبينما هو في محرابه إذ وقعت حمامة، فأراد أن يأخذها - وهو يصلي رأى حمامة فأراد أن يأخذها - فطارت إلى كوة المحراب، فذهب ليأخذها، فخرجت من الكوة، وهو وراء الحمامة، فإذا امرأة أوريا ابن حيان تغتسل، رأى امرأة تغتسل، فهواها، وهم بتزويجها، كيف يتزوجها وهي متزوجة؟! فبعث بأوريا إلى بعض سراياه، وأمر بتقديمه أمام التابوت الذي فيه السكينة، ففعل ذلك وقتل، تخلص منه بهذه الطريقة، فلما انقضت عدتها تزوجها، وبنى بها، فولد له منها سليمان! النبي يفعل الفاحشة والفاحشة تنتج نبيًا آخر!! فولد له منها سلميان، فبينما هو ذات يوم في محرابه، إذ دخل عليه رجلان.... إلى آخر القصة.

علماؤنا يقفون أمام هذه الروايات الإسرائيليات، لاحظ الشيخ الطبرسي في كتابه مجمع البيان، كتاب يحكي عن علم ودقة وموضوعية للشيخ الطبرسي، كان دقيقًا في فرز الروايات، عندما نقل هذه الرواية علق عليها، قال صاحب المجمع: إنه مما لا شبهة في فساده، فإن ذلك يقدح في العدالة فكيف يجوز أن يكون أنبياء الله الذين هم أمناؤه على وحيه وسفراؤه بينه وبين خلقه بصفة من لا تقبل شهادته وعلى حالة تنفرهم عن الاستماع إليه والقبول منه؟! الجزء الثامن، ص473.

كما أن علماءنا تصدوا لرفض هذه الروايات أئمتنا من قبل ذلك كانوا بمرصد من هذه الرواية، لاحظ عيون أخبار الإمام الرضا، هذه الرواية عرضت على الإمام الرضا في زمانه، الإمام الرضا كان له فضل كبير على المذهب، هؤلاء الذين كتبوا على الإمام الرضا أنه كيف يقبل ولاية المأمون، وهذا المأمون خليفة غير شرعي، وكيف يقبل الولاية منه... هذه الفترة التي قبل الإمام فيها الولاية خفت التقية عليه، فكثير من الروايات صححها، وكثير من كتب الإمامية راجعها، وكثير من الاحتجاجات العقائدية صدرت عنه في هذه الفترة، الإمام الرضا  لما قرئت عليه هذه الرواية ضرب يده على جبهته وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد نسبتم نبيًا من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته، ثم خرج في إثر الطير، ثم بالفاحشة، ثم بالقتل؟! كل الذنوب جمعتموها في هذا النبي؟! إذن هذه شواهد على حرص الأئمة والعلماء على تجنب الإسرائيليات التي لا تتوافق مع القواعد المسلمة.

المحور الثالث: اختلاف التقويم.

عندنا قسم من الروايات اختلف العلماء في تقويمها، منهم من يراها صحيحة، منهم من يرفضها، منهم من يرفضها إلى حد أن يعتبرها موضوعة، يبقى هذا محل بحث تخصصي علمائي، كل يدلي بدلوه بحسب ما أوتي من قدرة علمية، أضرب لك أمثلة على موارد اختلف تقويم العلماء لها:

المورد الأول: زواج ولدي آدم من أختيهما.

قابيل وهابيل هل تزوجا أختيهما أم تزوجا امرأتين ليستا من نسل آدم؟ بعبارة أخرى: البشرية كيف أتت؟ أبو العلاء المعري له بيتان مشهوران:

 

إذا    ما    نظرنا    آدمًا    وفعالَه

 

علمنا  بأن  الخلق  من نسل فاجر

         وتزويجه    بنتيه    بابنيه   بالخنا

 

وأن جميع الناس من عنصر الزنا

لذلك بعض علمائنا ردّ عليه ببيتين آخرين، قال له:

 

كذبتَ    ويأبى   اللهُ   جعلَ   خليفةٍ

 

ولكن   مرآة   الفتى   عين   ذاته

         على  خلقه  في الناس يأمر بالزنا

لذاك رأيتَ الخلقَ من عنصر الزنا

كيف تناسلت البشرية؟! هذه قضية مازالت محل البحث من القديم إلى الآن، عندنا رواية عن الإمام السجاد أن ولدي آدم تزوجا أختيهما، وأن البشرية جاءت عن هذا الطريق، الأخوان تزوجا الأختين، الإنسان عندما تعرض عليه هذه الرواية ينفر منها طبعًا، كيف تتزوج الأختان الأخوين؟! إذن معناه أن هذه الرواية إسرائيلية، هذه الرواية مدسوسة، لم؟ لأنه لا يعقل زواج الأخوين من الأختين.

دعنا نرى العلماء ماذا يقولون في هذا المجال، راجع صاحب الميزان، هذا العالم العظيم، العلامة الطباطبائي صاحب كتاب تفسير الميزان، وكتاب تفسير الميزان مازال أقوى التفاسير الإسلامية كلها، من بين كل هذه التفاسير الإسلامية إلى الآن أقوى تفسير من حيث العمق والدقة هو تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، العلامة الطباطبائي في الجزء الرابع من الميزان ص174 يقول: وفي الاحتجاج - يعني كتاب الاحتجاج للطبرسي - عن السجاد في حديث له مع قرشي يصف زواج هابيل بلوزا وزواج قابيل بإقليما، فقال له القرشي: فأولداهما؟! يعني تزوج الأخوان من الأختين وأنجبا؟! قال: نعم، قال القرشي: فهذا فعل المجوس، المجوس هم الذين يتزوجون من المحارم! فقال الإمام: إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله، لا تنكر هذا، إنما هي شرائع الله جرت، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له؟! فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك.

هذه الرواية تنقل عن الإمام السجاد أن تحريم الزواج من الأخوات لم يكن في شريعة آدم، وإنما هو حدث بعد ذلك في الشرائع اللاحقة، في شريعة آدم كان زواج الأخ من أخته مباحًا، فبالنسبة إلى هابيل وقابيل فعلا مباحًا ولم يفعلا فاحشةً، لأن هذا الزواج كان مباحًا في شريعة آدم، إنما حرّم في شرائع لاحقة.

صاحب الميزان ماذا يقول في الرواية؟ وهو من علمائنا يقول: وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب - يعني هذه الرواية موافقة للقرآن - والاعتبار أيضًا، كيف موافق لظاهر القرآن؟ صاحب الميزان يقول: إذا نراجع الآية: (اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)، القرآن قال: وبث منهما، يعني النسل انحدر من آدم وحواء، فإذا النسل انحدر من آدم وحواء معناه أن الأب والأم كلاهما من آدم وحواء، صاحب الميزان يقول أن هذه الرواية ليست إسرائيلية، أصلاً هذه رواية موافقة للكتاب، وموافقة للاعتبار.

هذا عالم في مقابله علماء آخرون، كالسيد السبزواري، كالسيد علي الفالي، قدس سرهما، يقولان: لا، عندنا رواية أخرى أرجح من هذه الرواية سندًا ومتنًا نأخذ بها، وهي: عن الصادق  في علل الشرائع للصدوق، الصادق هناك تنقل عنه رواية أن الأخوين تزوجا امرأتين ليسا من نسل آدم، يعني كأن الله كما خلق حواء من الأرض خلق امرأتين أيضًا من الأرض، وزوج بهما هابيل وقابيل، فتناسلت البشرية منهما، فهما لم يتزوجا أختيهما، إنما تزوجا امرأتين ليستا من نسل آدم.

لا نقول بأنهما تزوجا حورتين أو جنيتين حتى يقال: لا تسانخ بين الإنس والجن، فكيف يحصل بينهما زواج وإنجاب؟! نقول: لا، تزوجا من امرأتين خلقتا من الأرض، كما خلق آدم وحواء من الأرض خلقت فتاتان من الأرض وتزوج قابيل وهابيل منهما، وبذلك تم تناسل البشرية.

إذن هذه القصة وهذه الروايات هي محل خلاف بين الأعلام، لذلك لا نستطيع أن نقول: هذه الرواية مدسوسة أو إسرائيلية، مادامت هي محل بحث علمي، ولكل عالم نظره واعتباره الذي يقدمه في هذا المجال، لاحظوا كلام السيد صاحب الميزان ص145 من الجزء الرابع من الميزان، يدافع عن هذه الرواية، أن الأخوين تزوجا من الأختين، هذا مثال لمورد الاختلاف.

المثال الثاني: ما نقل في كتاب التفسير لعلي بن إبراهيم القمي.

(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ما هو معنى ق؟ ذكرت رواية في تفسير علي بن إبراهيم القمي: ق جبل محيط بالدنيا - يعني بالأرض - من وراء يأجوج ومأجوج، وهو قسم، يعني الله أقسم به، قال: ق، يعني يقسم بقاف، ق جبل أقسم به الله، وهو جبل محيط بالدنيا، من وراء يأجوج ومأجوج، هذا الكلام موجود في كتاب تفسير علي بن إبراهيم القمي.

السيد صاحب الميزان - أعلى الله مقامه - في الجزء الثامن عشر من الميزان ص15 يذكر كلام تفسير علي بن إبراهيم ويعلق عليه، يقول: وكيفما كان، لا تعويل على هذه الروايات، وبطلان ما فيها يكاد يلحق اليوم بالبديهيات، يعني بطلانها واضح، هل هذه الرواية من الإسرائيليات لأن بطلانها واضح أم لا؟ هنا أمران:

الأمر الأول: هذه معلومة اجعلها في ذهنك، كتاب علي بن إبراهيم ليس كله لعلي بن إبراهيم، مختلط بثلاثة تفاسير أخرى معه، أحد تلامذة علي بن إبراهيم اسمه أبو الفضل بن العباس، من أحفاد العباس بن علي، من سلالته، هذا خلط بين تفسير علي بن إبراهيم وتفسير أبي الجارود، وتفسير نقله ابن فضال عن علي بن أبي حمزة البطائني، وأبو الفضل نفسه أضاف روايات في التفسير من عنده، جمع الجميع تحت كتاب تفسير علي بن إبراهيم، فتفسير علي بن إبراهيم لم يصل إلينا كما هو، بل وصل إلينا مختلطًا بتفاسير أخرى وبروايات أخرى لا نعلم عنها ولا نحرز مصدرها، لأجل ذلك إذا وجدنا رواية في هذا التفسير الموجود الآن لا نستطيع أن ننسبها إلى علي بن إبراهيم، علي بن إبراهيم من علمائنا الكبار، لا نستطيع أن نقول: هذه الرواية من تفسير علي بن إبراهيم، أين تفسير علي بن إبراهيم؟! تفسير علي بن إبراهيم مختلط، والجامع الذي جمع هذه الكتب الأربعة لم يفرزها، لم يقل هذا قسم علي بن إبراهيم، وهذا قسم أبي الجارود... أبدًا، إذن مع ورود هذا الكتاب مختلطًا لا يمكن أن ننسب الرواية إلى علي بن إبراهيم بشكل جازم، هذا أولاً.

ثانيًا: لنفترض أن هذه الرواية وردت في تفسير علي بن إبراهيم، وهي رواية لا يمكن تصديقها، العلماء بحثوا وداروا الأرض كاملةً فلم يجدوا جبلاً محيطًا بالأرض، بطلانها واضح، هل هذا يعني أنها من الإسرائيليات؟! لا، ذكرنا في ليلة من ليالي عاشوراء: ليست كل رواية يكون مفادها غير صحيح معناه أنها مكذوبة وموضوعة أو من الإسرائيليات، لأن قسمًا من الروايات التي لا يمكن تصديقها صدرت عن أهل البيت  في حال التقية.

وذكرنا روايات السهو، روايات نسبت السهو إلى النبي، وهي روايات صحيحة، عن الصادق  أن رسول الله سهى ونام عن صلاة الصبح، الإمام الحكيم رحمه الله - السيد محسن الحكيم - يقول: أنا أستحي من امرأتي أن أنام عن صلاة الصبح ورسول الله ينام عن صلاة الصبح؟! أنا أستحي من زوجتي أن تراني نائمًا عن صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ورسول الله ينام عن صلاة الفجر فلم يستيقظ حتى آذانه حر الشمس؟! إذن رواية عن الصادق صحيحة السند أن الرسول نام، ماذا نفعل؟! يقولون صدرت على سبيل التقية، يعني لما كان مذهب أهل السنة في زمان الإمام الصادق يرى سهو النبي ويؤكد عليه، الإمام اضطر في بعض الظروف أن ينقل هذه الرواية ولكنها عن كلمات أهل السنة لا عن نفسه، فصدرت عنه على سبيل التقية، فليست كل رواية لا تصدّق يعني أنها مكذوبة أو مدسوسة أو من الإسرائيليات، ليس الأمر كذلك.

 

الشاهد الثالث: ما ورد في خلق حواء.

هل أن حواء خلقت من ضلع آدم أم لا؟

عندنا هذه الرواية: أن حواء خلقت من الضلع الأيسر من أضلاع آدم، وهذه الرواية موجودة في التوراة، في التوراة، سفر التكوين، الباب الثاني، موجود فيه: إن الله قد أخذ من ضلع آدم، وخلق له زوجة، فلما دنت من آدم، قال آدم: هذا العظام عظامي واللحم من لحمي، يعني أنها خلقت من ضلعه.

هذه الرواية معارضة، يعني كما توجد هذه الرواية في بعض كتبنا يوجد معارض لها في بعض كتبنا، لاحظ مثلاً هذه الرواية التي رواها الشيخ الصدوق في علل الشرائع، الجزء الأول، قال: عن زرارة: سئل أبو عبد الله - يعني الصادق -  عن خلق حواء، لاحظ الأئمة كيف يتصدون لروايات أهل السنة، يتتبعونها ويعلقون عليها، أو يتصدون للإسرائيليات ويعلقون عليها، الإمام يعلق على رواية في التوراة، ووردت في بعض كتبنا الشيعية، لكن لا نأخذ بها لوجود التعليق عليها في رواية أخرى، سئل أبو عبد الله -  - عن خلق حواء، وقيل له: إن أناسًا عندنا يقولون: إن الله خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، قال: سبحان الله! وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، أيقول من يقول هذا إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته من غير ضلعه؟! يعني عاجز لا يستطيع أن يخلق حواء إلا من ضلع آدم ويكسّر أضلاعه؟! يخلقها من مكان آخر! لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته من غير ضلعه؟! وجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام، يقول: إن آدم ينكح بعض بعضًا، إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء؟! حكم الله بيننا وبينهم.. فإذن الإمام يعلق على الرواية، يكذّب الرواية.

فإذن نحن كما قال السيد صاحب الميزان في الجزء الرابع ص174، قال: مضمون الرواية أن حواء خلقت من آدم هذا المضمون العقل لا يرفضه، ليس أمرًا محالاً، لكن بعض أن وجدت الروايات المعارضة والتي لا تؤيد صدور هذه الرواية علمنا أن الأئمة يتابعون الروايات المنقولة وهم بمرصد تجاهها ليعلقوا عليها بالقبول أو الرفض.

الشاهد الأخير:

الشاهد الأخير على الروايات التي هل محل خلاف في مجال التقويم: في وصف القوم الجبارين في قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا)، ما معنى جبارين؟ هنا صاحب هذا الكتاب الباحث - جزاه الله خيرًا - عبد الله الحاج في كتابه الإسرائيليات، بعض الموارد اشتبه فيها، وفي بعض الموارد كان دقيقًا في النقل، هذا المورد الذي نقله محل تأمل.

قال: عندنا رواية عن وهب بن منبه، وهب بن منبه من أعمدة من روى الإسرائيليات، ماذا قال؟ كان هناك شخص اسمه عوج بن عنق، طوله ثلاثة آلاف ذراعًا، وكان يمسك الحوت ويشويه في الشمس، يضعه أمام الشمس ويشويه، لا يأكل إلا مشويًا! وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبته، الطوفان الذي بلغ الجبل لم يصل إلى ركبة عوج، وإن موسى كان طوله عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، فوثب في الهواء عشرة أذرع، صار المجموع ثلاثين، فأصاب كعب عوج، فقط الكعب أصابه، لم يصل إلا للكعب، ضربه في الكعب، فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة! جعلوه جسرًا على النيل سنةً كاملةً يمرون عليه بالحمير والقوافل!

يقول: هذه الرواية رواها الشيخ المجلسي في البحار، الجزء الحادي عشر، ص423، ورواها الشيخ الطوسي في التبيان، الجزء الثالث، ص484، ورواها الشيخ الطبرسي في مجمع البيان، الجزء الثالث، ص31، والعلامة الطباطبائي صاحب الميزان قال بعد أن ذكر هذه الروايات قال: وقد ورد في عدة من الأخبار في صفة هؤلاء الجبارين من العمالقة وعظم أجسامهم وطول قاماتهم أمور عجيبة لا يستطيع ذو عقل سليم أن يصدقها، ولا يوجد في الآثار الأرضية والأبحاث الطبيعية ما يؤيدها، فليست إلا موضوعة مدسوسة «راجع الميزان، الجزء السادس، ص290».

إذا قرأنا هذا الكلام نظن أن المدسوسات تسربت إلى كتب الإمامية، لأن البحار رواها، التبيان للطوسي رواها، مجمع البيان للطبرسي رواها، والسيد صاحب الميزان يقول: هذه روايات مدسوسة موضوعة، إذن تسرب المدسوس والموضوع، بشكل واضح، رواية واضح أن العقل لا يقبلها موجودة.

لكن عندما نراجع نجد أن هذه الكتب الثلاثة روتها عن أهل السنة لا عن الأئمة، الشيخ الطوسي، صاحب البحار.. نقلوها عن مجاهد وقتادة، ولم ينقلوها عن كتبنا كتب الإمامية، قالوا: هذه الرواية التي تراها رواها مجاهد وقتادة، وأنت قرأت في المدرسة، كم مرة مر عليك في مقررات المدرسة في كتب التفسير عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي؟! هؤلاء علماء التفسير عند بعض المذاهب الإسلامية، عندنا لا وزن لهؤلاء، التفسير للأئمة، لأئمتنا أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فعلماؤنا لم ينقلوا الرواية عن كتبنا وتراثنا كي تكون الرواية مدسوسة في تراثنا، وإنما نقلوها عن علماء التفسير عند أهل السنة عند المذاهب الأخرى، وبالتالي لابد من تتبع مصدر الرواية حتى يتأكد أنها كانت في تراثنا أو أنها من التراث الآخر، وإنما نقلها بعض علمائنا لبيان أن في تراثهم مثل هذه الروايات ومثل هذه القصص.

إذن وصلنا إلى هذه النتيجة: أننا لم نجد رواية واضحة أنها من الإسرائيليات ووردت في تراثنا، هناك روايات هي محل خلاف بين الأعلام، تبقى بحثًا تخصصيًا لا أكثر، وإلا ترون أن محمد بن أحمد بن يحيى صاحب كتاب نوادر الحكمة، روى في كتابه النوادر بعضًا من الروايات عن وهب بن منبه، وهو ممن روى الإسرائيليات، وهذا الإنسان كان قبل الشيخ الصدوق، بمجرد أن روى ذلك جاء محمد بن الحسن بن الوليد استثنى هذه الروايات، قال: ما رواه صاحب نوادر الحكمة عن وهب بن منبه لا يؤخذ به ولا يروى، تحفظًا على التراث الإمامي أن تعبر عليه بعض هذه الروايات أو بعض هذه الإسرائيليات، وإلا فعلماؤنا في مقام التحقيق دائمًا والتنقيح دائمًا للتراث الوارد.

روايات كربلاء لم يروها الشيعة فقط، رواها حتى أهل السنة، بعض الكتب من أهل السنة أدخلت في روايات كربلاء بعض الروايات، وبالتالي الإنسان لابد أن يكون دقيقًا في مقام نقل أي حدث من أحداث كربلاء، من أين مصدره؟ إذا كان مصدره من تراث الإمامية عن الرواة الإمامية فهذا شيء، أما إذا كان مصدره شيئًا آخر فلابد من التأكد.

مثلاً: الطبري في تاريخه - وهو من أقدم المؤرخين - نقل أغلب قصة كربلاء، نقل منها هذه الرواية: أن الحسين  لما وصل إلى منطقة زرود سمع بخبر مقتل مسلم بن عقيل، فتراجع، أراد أن يترك الثورة، فأصر عليه إخوة عقيل، وقالوا: لا نرجع حتى نأخذ بثار أخينا مسلم بن عقيل، فنزل على رأيهم، يعني هو ما كان يريد أن يذهب، لكن ماذا يفعل؟! هؤلاء أجبروه، قالوا له: مسلم قتل، لابد من أن نأخذ بثأره! يعني قضية الحسين كلها قضية ثار، كان ذاهبًا ليأخذ بثار مسلم!

واضح أن هذه الرواية تشويه لحركة الحسين ، الذي خرج لأجل ثأر مسلم لما عرضت عليه البيعة وقالوا: أنت في حل، لماذا قال: والله لا أعطيكم بيدي؟! قال لك الجماعة أنت في حل، ارجع، وانتهت القضية! لماذا تقول: والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر إقرار العبيد وهيهات منا الذلة وإني زاحف بهذه الأسرة وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا... كل ذلك لا يلتقي مع هذه الرواية، واضح من خطابات الحسين ومن روايات مسيرة الحسين أنه كان مصرًا على خوض هذه المعركة، مصرًا على خوض هذه المعركة، مهما بلغت النتائج، ولم يكن خروجه لأجل الأخذ بثأر مسلم بن عقيل .

إذن الرواية لابد أن يدرس أين مصدرها، وبأي داع وردت هذه الرواية، لأجل ذلك نعتمد على ما ورد عن أهل البيت في قضية كربلاء، أكبر الرواة لقصة كربلاء هم زين العابدين وسكينة بنت الحسين، لأنهما بقيا بعد الحسين فترة طويلة، لذلك رويا كثيرًا من القصص والأحداث التي حصلت في كربلاء، وما ورد عن زين العابدين وعن سكينة بنت الحسين من أعظم الفواجع، من أعظم الفواجع الروايات التي وردت عن هذين في سرد قصة كربلاء ونقل ما حدث في كربلاء، وترى من الروايات أنه لما أقبلت قبائل بعض أهل الكوفة، نحن لا نقول أهل الكوفة كلهم غدروا وأهل نفاق... لا، كان فيهم أنصار الحسين، كان فيهم أصحاب الأئمة ، وكان فيهم من يركض وراء الدرهم والدينار، جاءت بعض قبائل أهل الكوفة ليحتزوا الرؤوس، كل قبيلة ترفع رأسًا وتجعله أمامها لتتقرب به إلى عبيد الله بن زياد، فاحتزوا الرؤوس إلى أن أقبلت قبيلة تبحث عن رأس فلم تجد، هناك شخص خبيث واقف، قال: أنا رأيت الحسين دفن طفلاً خلف الخيام...