ما الذي يريده السيستاني بالضبط؟!

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع «الأئمة الاثني عشر»

لماذا يسكت عن الكثير من الملفات؟؟

لماذا لا يظهر في التلفاز؟؟

ليست لديه صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي؟؟

لا نية لتأسيس حزب أو جماعة؟؟

ولا سعي لخلق تيار من أنصاره؟؟

لا يطبع حالياً لمؤلفاته الفقهية والأصولية؟؟

لا ترويج لشخصه من خلال مؤسساته؟؟

 ما الذي يفكر فيه هذا الرجل وكيف يتصرف، ولماذا لايزال الشعب العراقي متمسكاً به، إذا كان لا يقود أي حراك سياسي أو اعلامي ولم ينزل للشارع. حتى أن دعاية ظهرت في العام الماضي مفادها "أن السيستاني سيصلي صلاة العيد في الصحن العلوي" وكان صاحب الدعاية يقصد إثارة السؤال في نفوس البسطاء: ماذا لو فعلها؟؟!! .... ولماذا لا يفعلها؟!!

فلا الرجل صلى العيد، ولا صاحب الدعاية أقام عيده بالوصول لغايته بتشكيك الناس، وبقي كل شيء على حاله .

أصبح الآن أمامنا سؤالان:

الأول عن السيستاني، لماذا هذا الانطواء؟؟

والثاني عن الشعب، لماذا هذا التمسك به؟؟

جواب السؤال الأول:

السيستاني نجح في ثلاثة أمور أساسية نجاحاً باهراً وجعلها ترتكز في نفوس العراقيين جميعاً سواءً محبيه أو غيرهم :

1. أنه لم يسمح لأحد بأن يخطف الإعلام بصفة "متحدث باسمه أو ممثل عنه". وبقي واضحاً لدى الكل أن الرجل لا يمثل رأيه أحد سواه، إلا من خلال ما يصدر عن مكتبه في النجف الأشرف أو منبر الجمعة في كربلاء المقدسة .

والكل يتذكر أن التشكيك كان يطال حتى هذين الجناحين، فكان يقال من هنا وهناك "المكتب يتصرف بدون علمه" أو "الخطبة تكتب بدون رعايته"!!

 

  ولكن مع ذلك، وبمرور الوقت والسيستاني بارع في تطبيق تلك السُنة الإلهية: الاعتماد على عنصر الزمن في افهام الناس وتثبيت المفاهيم لديها، أصبح واضحاً لدى المجتمع أن هاتين النافذتين لا غير، يمكن من خلالهما الاطلالة على رأيه.

2. نجح السيستاني أيضاً في توفير أجواء تحيط به، ومنظومة عمل، تمنع أي شخص حوله من استغلال نفوذ المرجعية الدينية ومقامها في خلق تيارات وأحزاب وفئات كأنها تخص المرجعية دون بقية الناس، وبقي هذا المرجع حالة عامة منتشرة في الطائفة وتسبح عبر امتداد المذهب بدون أن تحسب على مجموعة دون أخرى كله بدون حواجز ولا مشخصات.

 في العراق، إذا قيل -مثلاً- أن موكب المساعدات هذا تابع لمكتب المرجع السيستاني، لا يفكر رجل الشرطة أن هناك حزباً يهدده فيما لو مارس الاجراء القانوني بتفتيشه وتأخيره.

ولا يفكر التاجر والسائق والمتبرع ان هناك وظيفة او ترقية او مكافئة تنتظره او تعاون.

ولا يفكر من يستلم التبرعات أن هناك من يعطيه ليستفيد من صوته بانتظار الانتخابات القادمة.

إن هذا الرجل الذي أذاب ذاته، ومحى شخصيته، وأفنى كل خصوصياته، ليتحول الى رئة يتنفس منها شعب كامل، ودم يجري في عروق طائفة كاملة لا يتميز أحدها عن الاخر، بالضبط كما كان علي عليه السلام يريد ان يكون.

ولهذا لم يبق حول هذا الرجل من المقربين سوى أصحاب مشاريع خدمة المجتمع، وأما من يحلمون بالمناصب والمكتسبات فقد انفضوا من حوله، حتى قبل ان يفكروا في الاقتراب منه، وكأن حق علي عليه السلام الذي لم يترك له من صديق، تجسد في ولده.

لقد سئم هذا المجتمع، ومل وجزع، من رؤية التنافس والتهاتر بين الاحزاب، والتيارات، والمجموعات بكل اشكالها الدينية والعلمانية والقومية وووو...

المجتمع تعب نفسياً من هذا التنافس، فتخيلوا لو كانت المرجعية حالها حال الاخرين تحوز النار لقرصها، فأين سيذهب الناس، وبمن تلوذ هذه الطائفة؟!!

  اختبروا شارعكم، وأبنائكم، وقلوبكم، وسألوا كل من حولكم، (هل تعتقدون أن السيستاني الذي قارب من العمر التسعين، يطمع في شيء من حطام الدنيا)؟!!

حتى لو كنتم ممن يهتك حرمة هذا العالم، وينتقده، ويتذمر من سكوته الطويل، ولكن الإجابة لديكم ستبقى بكل وضوح ( كلا، لا يبدو أنه يطمع بشيء شخصي) .

وبالنسبة للسيستاني، هذا الجواب كافٍ جداً، ويشعره بالرضا انه نجح في انقاذ سمعة التشيع والمرجعية الشيعية من الاتهام بالأنانية وحب الدنيا، ولا يضره بعد ذلك ان يتطاول عليه بعض الافراد لغضبهم من تفجير هنا، او وضع مأساوي هناك.

 

نعم كونوا على ثقة ان الرجل راضٍ عن كل لحظة صبر، تحملها هو وعائلته وتحمل فيها لسع الاقلام والإعلام، مادام نجح في انقاذ سفينة المرجعية من الاتهام بالطمع والجشع، امام هذا البحر المتلاطم من الصراعات والتكالب والكذب والظلم الذي لا يسلم منه أحد .

  ولكن يبقى سؤال: هل كان هذا النجاح للسيستاني على حساب تغييب دور المرجعية وانطوائها؟؟

لنعرف نجاحه في الأمر الثالث

3. وأما النقطة الثالثة التي نجح فيها السيستاني، أنه رغم كل هذه القوة ( الطاردة) فقد كان في الوقت ذاته في قمة (الجاذبية) والفاعلية الحركية.

كيف ذاك؟؟؟  اليك الجواب:

السيستاني كان ولايزال بين محنتين:

الأولى: محنة بعض المحبين او المتحمسين، الذين يريدونه رقماً كبقية الارقام، يجمع من حوله فضائية (لمخاطبة الجماهير) وحزباً (لممارسة السياسة) ومؤسسة (للترويج للمرجعية) وينسون ان المرجعية قبل السقوط أو بعد السقوط، في زمن الملوك أوفي زمن الاحزاب، في وضع تلقي الصدمات من الطاغية، أو في وضع اصدار التوجيهات للرؤساء، هي مرجعية واحده لا تتغير تمثل امتداد الأئمة الاطهار وتبني كل تصرفاتها على هذا الأساس.

ولهذا يجب ان تكون للجميع، ولا تظهر كأنها جهة تحاول الترويج لنفسها في وقت الفسحة والمجال، وتختفي عن الساحة في وقت الخوف والطغاة، بل لابد من مسلك ثابت في كل الظروف، لان ظروف اليوم تتغير، ولكن التاريخ، ورسوخ قيمة الفقهاء في وجدان الشيعة لا يتغير، والسيستاني يحمل إرثاً للماضين ليس من حقه التفريط به، وعليه ان يوصله بكل امانة لمن يأتي بعده.

فمحنته الاولى هي مطالبات هؤلاء بالتحرك و (انتهاز الفرصة) حتى لو كلفه ذلك أن يتحول الى (طرف سياسي او اجتماعي) له عنوانه الذي يدافع عنه كبقية الاطراف.

الثانية: ومحنته الثانية هي ان الركود ليس صحيحاً ايضاً، فلابد من تحريك المجتمع بطريقة ما وتوجيهه بالاتجاه الصحيح.

  يا لها من محنة تشبه محنة جده الامام علي، فقد اجبر على السكوت لعشرين عاماً في زمن لم يعد هناك مجال لصوت علي امام هذا التنافس والتكالب، وأجبر كذلك على تربية شيعته وتوعيتهم وتنظيمهم لكي لا يذهبوا ضعفاء في مهب الريح.

ومن هنا، وبين هاتين المحنتين، سلك الرجل طريقاً وسطاً، تجسد في الامور التالية:

 

  1. الحشد الشعبي، الذي لم يقل السيستاني يوماً أنه أسسه، ولن يقول ذلك، ليس لأنه لا يستطيع فتح صفحة فيسبوك تطبل للموضوع او فضائية تعيد وتكرر بالقصة حتى يصدقها الناس. وانما لأنه يريد للتاريخ ان يأخذ دوره، وللمنصفين، ويخجل من محضر الله تعالى ان يسمح للـ (أنا) بأن تدفعه لموقف ما.
  2. تأسيس مراكز ومؤسسات ثقافية متعددة، كلها تعمل على مدار الوقت من دون ان تروج له، مثلاً:

- مؤسسة أل البيت لإحياء التراث، تعمل على ضخ الحركة المعرفية والفكرية في المذهب بكل قوتها، ولكن ليس بشرط طباعة بحوث راعي هذه المؤسسة، فهو لا يعتبر نفسه مالكاً لها لتعكف على طباعة كتبه.

- مركز الابحاث العقائدية، تأسس برعايته، من دون ان يضع (فيتو) على الآراء التي تنشر فيه، وحتى لو كان الكثير منها يخالف رأيه، بل في الوقت الذي كان بعض المعممين ( يشتم سماحته) كانت اقراص محاضرات هذا المعمم تنشر في المركز تباعاً وبدون توقف، كرامة للزهراء عليها السلام التي كان الشخص المقصود يدافع ظلامتها في ذلك الوقت.

- مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي، تأسس برعايته، ولا تجد أي ترويج في المركز لـ (نائب الامام المهدي) ولا تعرف حتى ان المركز يعود لسماحته لولا صورة صغيره للرجل في ادارة المركز او على غلاف مفكرته السنوية.

- مؤسسة العين، ويكفي فيها اطعام الايتام وكسوتهم، وليس مهماً لديهم ان هذا الاطعام من جهود ومرجعية السيستاني، بل الاهم هو تشجيع الناس على كفالة اليتيم فالمؤسسة منهم ولهم و لأيتامهم.

 رسالة السيستاني اصبحت واضحه، الرجل يريد لكم العمل بإخلاص، والعمل بصمت، والانجاز اكثر من الحديث والانتقاد يريد لكم بصمته ان تستمروا في عملكم ولا تتركوا النقد والطعن والتشويه يوقفكم عن هدفكم. يريد للمذهب ان تحفظ كرامته ولا يقال (علماء الشيعة يتراشقون التهم).

كان متكلماً بصوت عال، رغم هذا السكوت القاتل الذي لا يتحمله الا الممتحنون في صبرهم.

والأهم من ذلك كله، يريد لنا ان نعتمد على انفسنا، ونترك الاعتماد عليه في كل صغيرة وكبيره، وبالذات في شأن السياسة.

هذا ما نتعلمه من السيستاني في الأبعاد الثلاثة التي نجح فيها، وهو ما يريده:

1- عدم السماح بانحراف المرجعية اعلامياً.

2- عدم السماح بانحراف المرجعية شعبياً.

3- عدم السماح بخمول وركود المرجعية.

أما جواب السؤال الثاني ( لماذا يتمسك به الشعب) ... أصبح واضحاً جداً. ومن لم يتضح لديه، ليرجع لقراءة المقال مرة أخرى.[1]

 


[1]  ( كُتبت هذه المقالة بتاريخ : ٢٠١٦/٨/١ )