قراءة في كتاب

قراءة في كتاب: تجربتي مع «الامام المهدي» عليه السلام

الشيخ ليث الكربلائي 06-04-2020 462

من الصعوبة بمكان ان يتنكر الإنسان لعقيدة غُرست في عقله وقلبه منذ نعومة اظفاره وتمرس فيها ودافع عنها بعد شبابه، ففي الوضع الاعتيادي -من دون توفر اغراءات ومكاسب دنيوية- لا يُتوقع منه التخلي عن تلك العقيدة الا بعد توفر أدلة دامغة تُفحِم نموذجه (نمطه) العقلي السابق، وتخمِدُ أوار عاطفته، وتكسر شوكة العقل الجمعي الذي توفره بيئته، هذا في حال هجرانه لعقيدة فاسدة أما في حال العكس فيُفترض ان هناك مجموعة شبهات أوجبت ضبابية فعلت فعل تلك الأدلة.

ولا أكون مغالياً اذا ما قلت ان توفر مثل تلك الادلة من دون ان يشوبها النقض والإبرام أمر في غاية الندرة سواء في مجال العلوم الدينية أو في غيرها، كل ذلك يجعل تجربة اولئك المتحولين من عقيدة الى ضدها مادة خصبة تستحق التوقف عندها ودراستها بدقة لا سيما اذا كان هذا التحول عن دراية وتعمق في كلا العقيدتين كما هي الحال مع الشيخ الدكتور عصام العماد ففضلا عن حيازته شهادة الدكتوراه في علوم القرآن والحديث من جامعة الامام محمد بن سعود في الرياض واظب على دراسة العلوم الدينية عند بعض كبار شيوخ السلفية في اليمن وفي معهد صنعاء العلمي بالإضافة الى حضوره عند الشيخ عبد العزيز بن باز في السعودية ومشايخ آخرين، أما من ناحية البيئة الاجتماعية فيكفيك معرفة انه ابن عائلة جلها من كبار مشايخ السلفية في صنعاء، وبعد كل ذلك قرر العدول عن مذهب السلفية الى الزيدية ومن ثم عدل الى مذهب أهل البيت عليهم السلام، وهو يصرح في هذا الكتاب ان عقيدة غيبة الامام المهدي عليه السلام مثلت عقبة كبيرة في طريقه الى المذهب الاثني عشري وكانت آخر مسألة حسم أمره فيها بعد دراسةٍ استمرت اكثر من عشر سنوات كان حاصلها كتاب (تجربتي مع الامام محمد بن الحسن العسكري عليه السلام) والذي اهداه المصنف للشيخ المفيد (ت413هـ) لان هدايته للعقيدة المهدوية وقناعته بها كانت بسبب مؤلفات المفيد رحمه الله ،وكيف كان يمكن قراءة هذا الكتاب على مستويين:

الاول: انه يمثل توثيقا اجماليا لرحلة بحثية عمرها 10 سنوات كانت نتيجتها تبني عقيدة (الغيبة) عن فهم ودراية.

الثاني: يمثل هذا الكتاب خطابا موجها لطرفين اولهما السلفية اذ يبين قصور منهجهم البحثي في هذه المسألة ومكامن الخلل فيه وآلية اصلاحها، وثانيهما الامامية اذ يُقدِّم لهم آلية عرض العقيدة المهدوية على الطرف الأخر بالشكل الذي يكون أكثر تأثيرا وأنصع بيانا بناءً على تجربة خاضها العماد في رحلته بين ثلاثة مذاهب.

فبعد ان قدم مقدمة في بيان نتف عن دراسته وشيوخه ومراحل انتقاله الى المذهب الامامي وما واجهه خلالها من ضغوطات وتحديات بالإضافة الى سبب تأليف هذا الكتاب والغرض منه شرع بعد ذلك في مناقشة النموذج الوهابي في بحث العقيدة المهدوية والذي يرى انه يتصف بـ:

أولا: الدراسة التجزيئية اذ تتم دراسة كل حديث من أحاديث المهدوية على حدة من دون ارجاعه الى رؤية كلية تمثل الاسس التي يبتني عليها الباب، وهذا النوع من الدراسات يحجب الباحث عن الالتفات الى التهافت والتناقضات التي يقع فيها مهما كثرت، لذا جاءت الصورة عن المهدوية في النموذج الوهابي مشوهة جدا، ويرى المؤلف ان كبار اعلام السلفية من امثال ابن باز وغيره قد سقطوا في ظلمة هذه البئر الحالكة.

ثانيا: العقدة المؤامراتية حيث يتعاملون مع اغلب عقائد الشيعة ولا سيما العقيدة المهدوية على انها مؤامرة ضد الاسلام لذا يكون هدف أحدهم نقضها وتوهينها مهما كلف الامر وبأي سبيل كان فالباحث منهم يحمل نتيجة بحوثه معه سلفا وهي فساد هذه العقيدة ومن ثم يفرضها على البحث ولو بليّ عنق النصوص، وتوقف المؤلف في ص51 وما بعدها على مديات استفحال هذه العقدة الى درجة اتهام كل كتاب يذكر اخبار غيبة الامام بالتآمر على الاسلام وان كان من تراث ابناء السنة نفسهم، بل اتخذوا منها ذريعة للتشكيك في اغلب تراث القرن الرابع!!

ثم عرج على أدلة غيبة الامام عليه السلام وهي خمسة أدلة تعقبها في بحث قيم تحت عناوين: 1- حقيقة مهدوية وغيبة الامام محمد بن الحسن العسكري في التوراة والانجيل 2- حقيقة ...في القرآن والسنة 3- حقيقة ...في كلمات الوهابية 4- حقيقة .... في كلمات علماء الاثني عشرية.

وقد اجاد المؤلف ايما اجادة في اختيار النصوص وتحليلها في كل واحدة من هذه الادلة مسلطا الضوء على تلك التي صرحت بغيبة الامام عليه السلام قبل وقوعها.

اما خاتمة البحث فكانت في بيان موقعية امامة الامام المهدي عليه السلام وغيبته بالنسبة لسائر المنظومة العقدية عند الامامية الاثنا عشرية موضحا في ذلك ضرورة دراسة كل تلك المنظومة لأجل اتخاذ موقف من الغيبة لأنها منظومة متسقة متكاملة بعضها يؤدي الى البعض الآخر

الصورة الرئيسية


الكتاب: تجربتي مع الامام المهدي محمد بن الحسن العسكري عليه السلام

المؤلف: الشيخ الدكتور عصام العماد

الناشر: الرافد، الطبعة الأولى