قضايا و آراء

الفوضى العلمية لاستهداف الحوزة: كيف نميّز فقهاء «يوتيوب» عن غيرهم؟!

إيليا إمامي 01-03-2020 463

يحكى أنه قبل مئات السنين وفد أحد علماء الحوزة على مدينة بعيدة، وخلال وجوده فيها، كان يلقي درسه على مجموعة من الطلبة، وكان بينهم طالب حاد الذكاء سريع الفكرة.

كان الطالب لا يترك درساً يمر بدون مناقشة الأستاذ في آرائه، وترتفع الأصوات ويحتدم النقاش بينهما.

وكان في براني (مكتب) ذلك العالم، شخص يعمل في خدمة الطلاب وتقديم الشاي، وكان من محبي العالم، وكل يوم يرى هذا الطالب كيف يناقش الأستاذ ولا يسكت في درسه.

يوماً ما، تأخر الطالب عن حضور درس الأستاذ، فألقى الأستاذ درسه حتى النهاية بدون مقاطعة، والخادم يراقب.

في اليوم التالي لم يحضر أيضاً، فانتاب الاستاذ القلق، وفي اليوم الثالث لم يستطع العالم أن يلقي درسه، ووقف على باب الدار يحدق في الطريق عسى أن يرى تلميذه قادما.

جاء خادم البراني ووقف بجوار العالم وقال: ما الذي تنتظره يامولانا؟ فقال العالم: أنتظر الطالب الغائب منذ ثلاثة أيام.

قال الخادم: تعني ذاك الذي يجادلك في الدرس؟ فقال العالم: نعم.

فقال الخادم: إطمئن ياسيدي، لن يتعدى هذا الوقح حدوده بعد اليوم، ولن يزعجك في درسك.

فسأل: ماذا تعني ؟

رد الخادم: أعني أني كمنت له ياسيدي وضربته على رأسه فقتلته ودفنته، و أرحتك منه.

فلطم العالم على رأسه ووجهه، وصرخ بذلك الأحمق، أن هذا الطالب كان من أفضل طلابه، وكان يعده ليرسله للنجف الأشرف عاصمة العلماء النوابغ!

 شاهدي من هذه الحكاية -أيها القارئ الكريم - أن الناس حتى الآن لاتعرف حدود الاختلاف وثقافة الحوار في الحوزة العلمية، والأكثر أسفاً أن هناك أصوات محسوبة كرجال دين، وهي لاتعرف هذه الثقافة.

 بعبارة واضحة: من دخل الحوزة ليجرب حظه، ووضع قطعة قماش على رأسه، ثم خرج للعلن يتكلم عن التعددية العلمية في الحوزة، فهو أحد قسمين:

1.  قسم يقول لك أن الحوزة دكتاتورية لاتسمح بتعدد الآراء ولهذا فأنا مضطر لمناقشة المسائل العلمية عبر النت، أمام الجمهور، فاعلم أنه ببساطة فاشل علمياً ولا يستطيع طرح آرائه في المحافل البحثية، لأن مطبخ الخبراء في النجف لن يسمح لوجبة علمية واحدة أن تمر بدون فحص ومناقشة، فيبرر لنفسه خداع عوام الناس ممن لايدققون بل يعجبهم أسلوبه فقط، وشعارات عدم التصنيم وعدم التقديس الزائد!

وقد أسميت هذا الصنف في أحد المقالات السابقة (فقهاء اليوتيوب)

2.  قسم على العكس، يقول أن آراء العلماء مقدسة ولا يقبل بمناقشتها، ويتهم أي بحث يفند آراء العلماء السابقين، وهذا الأخر فاشل كصاحبه الأول.

أما الاعتدال، والوجه المشرق للساحة العلمية في النجف، فهي رائعة في مرونتها، حية في تداولها، تنافس كل جامعات الأرض - ولا مبالغة - في مدى استيعابها للآراء المختلفة، تفتخر أنها غير محكومة بأي أزمة نفسية، في تعاطيها من الأدلة.

فتجد اليوم، أبناء السيد السيستاني يناقشون في بحوثهم آراء والدهم وربما يفندونها، كما ناقش والدهم آراء أستاذه الخوئي واختلف معه كثيراً، كما ناقش الخوئي آراء أستاذه النائيني وأختلف معه، كما ناقش النائيني آراء أستاذه الخراساني واختلف معه، وناقش الخراساني آراء أستاذه الأنصاري واختلف معه، رغم كل القداسة التي كان يحملها الأنصاري حتى سمي (الشيخ الأعظم) وهكذا لو بقيت أعدد لك، سنصل الى زمن الغيبة، بل سندخل في زمن حضور المعصومين وكيف كان أصحابهم يختلفون علمياً.

 خلاصة المقال: العراق خلال 16 سنة تعرض للكثير من الشبهات الفكرية، والقادم أعظم.

 ظهرت وستظهر الكثير من منصات اليوتيوب والفيسبوك البائسة، التي يعتبر أصحابها أنفسهم علماء، وما داموا بعيدين عن مختبر الحوزة سيمشي سوقهم بين أتباع الكاريزمات والمظاهر.

 فالعلامة كل العلامة للتمييز بين الممتلئ والفارغ، أن يطرح رأيه بين حلقات الدروس، بين الشيبة أصحاب اللحى البيضاء والخبرة المتراكمة من المراجع والأساتذة، فإن صمد الرأى فهو العالم، وإلا فليستمر بالتعلم.

وهذا الميزان ليس من جيب الكاتب، تقول الرواية كما في الوسائل (عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه – يعني أبا الحسن الثالث (عليه السلام) – أسأله عمن آخذ معالم ديني؟ وكتب أخوه أيضا بذلك، فكتب إليهما، فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا، وكل كثير القدم في أمرنا، فإنهما كافوكما إن شاء الله تعالى ).