قضايا و آراء

كلهم يريدون «وطن»: الشعب يردد كلمات المرجعية

حسين فرحان 01-03-2020 263

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع "الأئمة الإثني عشر"

إذا كنت تبحث عن خطاب وطني يتناسب وهذه التركيبة العظيمة لهذا المجتمع الكريم، فلك أن تتحرى في كلام العقلاء لعلك تجد كلمة سواء لم تعصف بها الميول والاتجاهات ولاغيرتها الفتن المظلمة، أشترط عليك أن تضعها في كفك الأيمن وتبحث مجددا عن نقيضها لتضعه بكفك الأيسر الذي أجزم أنه سيمتليء بالتناقضات التي تهدم حصن تلك الأولى التي تحريت عنها فوجدتها بعد جهد وعناء.

من من الساسة تكلم بوطنية خالصة اتحدت في شخصيته ولم تكن حالا دون أن يختنق بعبرة طائفيته وحزبيته وقوميته وعشيرته ؟

ومن هي الجهات التي تدعي وصلا بالوطن وقد انتهجت سياسة الخطاب الوطني دون أن تزل قدمها كما زلت اقدام الساسة فانتكست لأم رأسها كما انتكسوا؟ متأثرة بنظريات وفرضيات ومخاوف قد تبدو لغير المطلع أنها واقعية وماهي ألا الذريعة في الاستئثار بالجزء من الكعكة التي كانت ذات يوم تحمل اسما آخر هو (الوطن).

فإذا كان الوطن بالنسبة للساسة المسوفين والسادة المسؤولين يعد كعكة فهو ليس كذلك بالنسبة لشعب منتفض لايطالب بغير حقه في عيش كريم ليثبت لهم انه ليس في خان الصعاليك بل هو العراق والعراق أكبر من أن يكون جزء من تصورات خاطئة في ذهن أحد بعينه.

بكل تأكيد ذهبتم بذاكرتكم لعالم التناقضات الذي عاشه هؤلاء ليحتفظوا بجزء من الكعكة يشبع ذلك النهم المقيت فالواحد منهم (مَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لاَيشبع منها).

اللطيف في الأمرين بعض القنوات الإعلامية – وهذه من حسناتها – أنها تقدم موجزا بالتناقضات في تصريحات هؤلاء، فالذي يدعي المواطنة في سنة من السنوات العجاف يصرح دون خجل بخلافها في سنة غيرها وذلك لأنه استشعر أن سكين الشريك تمتد لجزء من كعكته المقدسة.

انتفضت الجماهير التي انتظرت طويلا فماعاد لصبرها حد وافترشت أرض الاحتجاج ولو سألت كل واحد منه عن غايته لأجابك: (أريد وطن).. الكل يبحث عن وطن.. حتى صاحب الكعكة يبحث عن (وطن) لكنه اكتفى بالجزء فحلت الكارثة.

هل البحث عن الوطن بحاجة الى مقدمات؟ وهل أن الوطن فقد لنبحث عنه أم أن المشكلة هي في الخطاب الوطني الذي يفترض ان يشترك فيه الجميع دون نظر إلى التصنيفات الأخرى.. فالواقع العراقي لم يعد يحتمل المزيد من التجزئة فأما أن يقبل الجميع بهذا الواقع لتسير السفينة بسلام وإما أن يبقى الشعب رهينة بيد مقررات سانت ليغو المحاصصاتية وأطراف المعادلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.

الواقع العراقي هو - دون اسهاب أو أطناب - أرض تضمنت شعبا عمر حضارته سبعة آلاف عام على أقل التقديرات ولك أن تتأمل في هذه التركيبة التي لو فرضت كل واحدة من مكوناتها نفسها كشعب مختار فمالذي سيحدث؟

لم ينظر لهذا الواقع أحد كما نظرت المرجعية الدينية العليا وسيأتي اليوم الذي يراجع الجميع أنفسهم ليكتشفوا تلك القراءة الواقعية التي لم تمل يوما من حق إلى باطل بل اتبعت منهجا خطه أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الأشتر حين ولاه مصر: (فأنهم صنفان أما أخ لك في الدين وأما نظير لك في الخلق) هكذا ينبغي أن يكون الأمر والحكمة تقتضي ذلك فالاختلاف سنة كونية وهي لاتعني بحال من الاحوال أزمة ثقة ولاتعني حب سلطة ولا ميل لهوى أوعصبية تمزق أوصال الشعب فلايرث منها الا التركة الثقيلة البائسة.

فالغاية هي التعايش والمؤاخاة والعدل وأن يشعر كل واحد بانتمائه لوطنه لذلك كان الخطاب الذي يصدح به منبر الجمعة منذ سنوات يؤكد على ترسيخ مفاهيم عدة صمت عنها الآذان عمدا أو سهوا وغفلة حتى وقع مايؤسف له من أذى جسيم، فوقف الشعب منتفضا وهو يردد نفس تلك الكلمات التي وثقها التاريخ أنها كلمات المرجعية العليا حين حذرت وانذرت ولم تغير خطابها ذات يوم كما فعل غيرها.

فصارت ساحات التظاهر والاحتجاج تنادي بما نادت به المرجعية العليا بدعوتها لأن يكون الشعب سيد نفسه وأن يكون للممارسة الديمقراطية عبر انتخابات حرة نزيهة بشرطها وشروطها هي كلمة الفصل في صنع قرار الشعب دون املاءات أحد أو تدخل خارجي وأن يتجنب الجميع تلك اللغة المستهلكة البالية التي تستند الى الميول الحزبية والفئوية وغيرها من موجبات الفرقة والشتات.

لم تترك المرجعية الدينية العليا كلمة أو مصطلحا يشتمل عليه النصح والارشاد في خطبها الا وأتت به متزنا هادئا يستبطن حكمة عميقة، لم تخضع ذات يوم لتأثير جهة معينة ولم تمل الى توجه معين يشعر أحدا في هذا الوطن بانحيازها، فهي تعمل بتكليفها وواجبها الشرعي من مقام أبوي يقف على مسافة واحدة من الجميع، فمن أراد (الوطن المنشود) عمل بنصحها ومن أعجبه البقاء في دائرة الصراع مع الآخر لأنه منتفع أو لأنه متأزم أو لأنه غير مدرك فلا أظن أن في العمر متسع لكثير من الأجيال أن ترى (الوطن) دون أزمات، فيرث الابناء ذلك ويكون ألامر عليهم جميعا غمة تكون كمن يخفي أمره فلا يقدر على ما يريد .

قال أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك : "وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية. وإنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم" .

فمتى يكون الوطن قرة العين باستقامة العدل ..

 اللهم أنا نرغب اليك في دولة كريمة ..