منبر الجمعة

ممثل السيد السيستاني يدعو إلى مجهود شعبي ووطني للوقاية من فيروس «كورونا»

الشيخ عبد المهدي الكربلائي 29-02-2020 544

أيّها الإخوة والأخوات موضوعُنا في الخطبة الثانية هو أهمّية الوعي الصحيّ وتطبيق الإرشادات الطبّية في حياة الفرد والمجتمع، من الواضح للعَيان ولجميع الإخوة والأخوات وما هو محسوسٌ بالمشاهدة والوجدان، أهمّية الوعي الصحّي والرعاية الصحيّة وتطبيق الإرشادات الطبيّة في صحّة وعافية الإنسان.

الصحّة والعافية اللتان هما ضرورةٌ حياتيّة للفرد والمجتمع، حيويّة الإنسان والمجتمع، فعّاليتهما نشاطهما قدرتهما على تحقيق الوظائف والمهام التي ينبغي للإنسان فرداً ومجتمعاً أن يؤدّيها، قدرة المجتمع على توفير وسائل الحياة المعيشيّة والصحّية اللائقة بالإنسان، وقدرتهما على التطوّر والرقيّ والتقدّم والازدهار يعتمد على هذه الأمور، الوعي الصحّي والرعاية الصحيّة وتطبيق الإرشادات الطبيّة والاعتناء بهذه الأمور من قِبل الجميع.

وقبل أن أبيّن ما يتعلّق بما يُتَداول الآن من قضيّة انتشار وباء فايروس (كورونا) أودّ أن أوضّح هذه الأمور التي جُعل ما ذكرناه مقدّمةً لها، ما هو مفهوم الصحّة؟ وما هي أهمّية الوعي الصحّي وما ذكرناه في حياة الفرد والمجتمع؟ أيّها الإخوة والأخوات، ما نعنيه بالصحّة ربّما البعض لديه مفهومٌ متعارف عن الصحّة أنّها خلوّ الإنسان في جسده ونفسه وعقله من الأمراض، وهذا مفهومٌ قاصر.

المفهومُ الصحيح الذي ينبغي الوصول إليه وتحقيقه إضافةً الى خلوّ الإنسان من هذه الأمور أن تكون لديه القدرة البدنيّة والنفسيّة والعقليّة فرداً ومجتمعاً، على أداء المهامّ والوظائف التي ينبغي للإنسان أداؤها على وجه الأرض، وقدرته على توفير وسائل الحياة المعيشيّة المطلوبة وتوفير أسس التقدّم والازدهار والتطوّر والرقيّ للفرد والمجتمع، هذه هي الصحّة المطلوبة، الخلوّ من الأمراض والقدرة أيضاً، قدرة بدنيّة، قدرة نفسيّة، قدرة عقليّة على أن يؤدّي الإنسان -الفرد والمجتمع- الوظائف الموكولة والمهامّ الموكولة للإنسان والمجتمع في الحياة، وكما ينبغي له -لهذا الانسان-، علينا أن نحدّد إطار مفهوم الصحّة في ما ذكرناه.

الآن نأتي الى ما ذكرناه من الأمور، والتفتوا إخواني الى هذه الأمور التي سنذكرها وهي مطلوبةٌ منّا فرداً ومجتمعاً ومؤسّساتٍ صحيّة، ماذا نعني بالوعي الصحيّ المطلوب هنا؟ إخواني لدينا ركنان في هذه القضيّة، الركن الأوّل: زيادة الوعي الصحّي الذي يعني ثلاثة أسس التفتوا اليها:

1- نشر الثقافة الصحيّة الصحيحة المعتمدة على بيان وتوضيح المفاهيم الصحّية السليمة، المستندة الى الأُسس العلميّة والمعرفيّة المأخوذة من أهل الاختصاص بعيداً عن الأوهام والأساطير والتقاليد البالية، لدينا مفاهيم صحيّة خاطئة تستند الى أمورٍ تعتبر جهلاً في ذلك، ولدينا مفاهيم صحيّة سليمة، هذه هي الثقافة الصحيّة الصحيحة التي لابُدّ من بيانها وتوضيحها من قِبل أهل الاختصاص، والتي تستند الى الأسس العلميّة والمعرفيّة الناشئة والصادرة من أهل الاخصاص، بعيداً عن تأثير الأوهام والأساطير والعادات البالية.

2- اعتبار الوعي الصحيّ من ضرورات الحياة ومهامّها، فردٌ سقيمٌ مريض ومجتمعٌ سقيمٌ مريض لا يستطيع أبداً أن يؤدّي مهامّه ووظائفه في الحياة، كيف نصل الى هذا المستوى؟ لابُدّ أن يكون لدينا شعورٌ بأنّ هذا الأمر ضرورةٌ من ضرورات الحياة وليس أمراً ثانويّاً وهامشيّاً، وأن نعلّم الصغار والكبار ونُشعرهم أنّ ذلك من ضرورات الحياة ومهامّها، ولاحظوا الكثير من الشعوب المتقدّمة إنّما تقدّمت لأنّها أخذت بنظر الاعتبار هذه الأمور، كما أنّ الإنسان –إخواني- الآن يبذل الكثير من الجهد والمال من أجل توفير مستلزمات الحياة الماديّة والمعيشيّة من سكنٍ وغيره، كذلك المطلوب أن نُشعر أنفسنا بأنّ هذا الأمر من ضرورات الحياة ومهامّها، لكي نوفّر فرداً سليماً معافىً ومجتمعاً سليماً معافى يستطيع أن ينهض بمهامّه ووظائفه ويتقدّم ويتطوّر.

3- شعور الجميع بمسؤوليّتهم فكلّ فردٍ مسؤولٌ عن صحّته وصحّة الأفراد من حوله، ولابُدّ أن يكون هناك تثقيفٌ على هذا الأمر في الأسرة وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الدوائر وفي غير ذلك، طبعاً المسؤوليّة الأساسيّة بلا شكّ تقع على المؤسّسات الصحّية المعنيّة، ولكن من دون أن يتوفّر شعورٌ لدى كلّ فردٍ الصغير والكبير أنّه أيضاً مسؤولٌ عن صحّة نفسه وصحّة بدنه وصحّة عقله، فهو أيضاً مسؤولٌ عن صحّة الأفراد من حوله، هذا الشعور يجب أن يتولّد لديه.

وأيضاً من الأمور الأخرى في الأساس الثالث هو لابُدّ أن تتحوّل هذه المفاهيم الى قناعاتٍ وميولٍ ورغباتٍ بحيث أنّ هذه المبادئ تُغرس كمبادئ سلوكيّة في نفسيّة الإنسان، لا تكفي الثقافة لوحدها إذا لم تكن لديّ قناعة وتبنّي وميل ورغبة الى هذه الثقافة الى أن تتحوّل الى سلوك فلا يُمكن أن نحصل على النتائج، هذه مسؤوليّةُ مَنْ؟ لابُدّ أن تقوم مختلف وسائل الإعلام وغير ذلك من الوسائل المتعارفة بأن توفّر هذه القناعات لتتحوّل الثقافة الى قناعة وميل ورغبة وتحويلها الى سلوك في حياة الفرد والمجتمع، هذا الركن الأوّل.

الركن الثاني: التفتوا له إخواني جيّداً، وهذا الذي سنذكره علينا أن نقارنه بما في حياتنا حتّى نحصل على تمام النتائج، لا يكفي نشر الثقافة الصحيّة بل لابُدّ أن يتغيّر نمطُ الحياة اليوميّة والسلوكيّات المجتمعيّة، لدينا نمطُ الحياة الغذائيّة والصحيّة والبيئيّة، وهذا يعتمد على أساسين:

1- تلافي وتجنّب السلوكيّات ونمط الحياة الغذائيّ والصحيّ والبيئيّ الخاطئ، لاحظوا إخواني الكثير منّا نظامُه الغذائيّ خاطئ، والنظام البيئيّ لدينا فيه الكثير من الخلل، كم نرى في شوارعنا وأزقّتنا وفي كثيرٍ من الأماكن عدم توفّر أجواء النظافة، التي هي من الأسباب التي تؤدّي الى الأمراض والأوبئة أو الأجواء الصحّية المطلوبة، تغيير نمط الحياة هذا أمرٌ عمليّ وممارسةٌ عمليّة يوميّة، أن نغيّر نمط الحياة والسلوكيّات المجتمعيّة لدينا في المجال الغذائيّ والصحّي والبيئيّ، حينما نوفّر أجواء النظافة ونوفّر الأسباب لخلوّ المجتمع من الأمراض والأوبئة، هذا الجانب العمليّ الذي ينبغي أن يكون من مسؤوليّة الجميع.

2- الالتفات الى التداعيات والآثار السلبيّة لعدم وجود وعيٍ صحّي أو عدم اتّباع الإرشادات الطبيّة اللازمة، أوّلاً الجانب الجسديّ الذي يتركه عدم الاعتناء بهذه المسائل، كم الآن إخواني هناك عدم وجود الوعي الصحّي وعدم اتّباع الإرشادات الصحيّة وما يتركه من أمراض، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ المريض صاحب كفاءة علميّة وصاحب حذاقة مهنيّة وصاحب كفاءة حرفيّة، كم سيخسر المجتمع من طاقة ونشاط وعطاء هذا الإنسان الذي يمتلك مثل هذه القدرات لتطوير المجتمع، الآثار النفسيّة للفرد المريض وأسرته وعائلته وأرحامه وأصدقائه واعتناء الكثير منهم وبذل الجهد والوقت من أجل رعاية هذا المريض، كلّ ذلك إنّما يأتي بسبب عدم وجود هذه الرعاية، إضافةً الى الآثار الاقتصاديّة والماليّة، كم الآن يستنزف من الأموال من أجل علاج الأمراض، خصوصاً الأمراض التي تصل الى حدّ أن تكون مزمنة ويحتاج الإنسان الى العلاج المستمرّ طوال حياته، وتزداد هذه التداعيات السلبيّة خصوصاً مع ملاحظة أنّ المؤسّسات الطبيّة في بلدنا -وللأسف الشديد- دون المستوى المطلوب، ممّا يزيد المسألة تعقيداً وصعوبةً في معالجة هذه الأمور، هذا الأمر الثاني.

3- هو ما يتعلّق بالوباء المنتشر حاليّاً المعروف باسم (كورونا) وضرورة التقيّد بالوصايا الطبّية والتعامل معه من دون الوصول الى حالة الرعب والهلع والخوف منه، إخواني كما تلاحظون تتناقل وسائل الإعلام المختلفة سرعة انتشار هذا الوباء حتّى في دول متقدّمة لها قدرات صحيّة وطبيّة ولها قدرات جيّدة في هذا المجال، وأيضاً في دولٍ قريبة ومجاورة للعراق، ممّا يلزم المزيد من الحذر ورعاية الإجراءات الوقائيّة الفاعلة، خصوصاً من الدوائر الصحيّة المعنيّة ومن عموم المواطنين، وأيضاً ينبغي زيادة التوعية الصحيّة من قِبل مختلف وسائل الإعلام وخصوصاً وسائل التواصل المؤثّرة وسريعة الانتشار، كما ينبغي للمواطنين أخذ هذه الأمور الوقائيّة على محمل الجدّ والاهتمام الكافي وعدم الاستخفاف والاستهانة بها، وينبغي أيضاً عدم الإصغاء الى ما يُنشر أحياناً من أمورٍ يُزعم أنّ لها تأثيراً في الوقاية أو العلاج وهي ممّا لا أساس له في العلم الصحيح.

ولم تصل الأمور بحمد الله تعالى وفضله في بلدنا الى ما يبلغ مستوى الخطورة العالية، فلا موجب لكم للشعور بالرعب والهلع من هذا الوباء، ولا سيّما أنّ هذا الشعور قد يشلّ قدرة الإنسان على التعامل الصحيح والفاعل مع المرض، وينبغي تعاون الجميع في الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسّسات ودوائر الدولة وكلّ المؤسّسات الأخرى، في تحقيق مجهودٍ وطنيّ واسع للوقاية من هذا الوباء والحدّ من انتشاره، ومن الضروريّ اتّباع التعليمات الصادرة من الجهات المعنيّة في ما يتعلّق بهذا الشأن، وفي الوقت الذي يجب فيه رعاية الجوانب الصحيّة كاملةً والأخذ بأسباب وعوامل الوقاية والعلاج لابُدّ أيضاً من أن لا نغفل عن التوجّه الى الله تعالى، للتضرّع والإنابة بأن يدفع ويرفع عنّا وعن جميع البشريّة هذا البلاء، الذي جعله آيةً بيّنةً على قدرته وسُلطانه، وإنّ الإنسان مهما امتلك من قدرةٍ وإمكانات فإنّ أصغر المخلوقات يُمكن أن يصرعه ويشلّ قدراته كلّها.

اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّد، اللهمّ ارزقنا السلامة في ديننا وأبداننا وأوطاننا، وادفع عنّا كلّ سوءٍ وبلاء إنّك سميعُ الدعاء، والحمدُ لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.


- النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة يوم الجمعة 2822020