منبر الجمعة

وكيل السيد السيستاني يحذر من «ركوب الباطل»

السيد أحمد الصافي 17-11-2018 214

إخوتي وأخواتي من إرشادات ودرر صاحب الذكرى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) قال: (من ركبَ ظهر الباطل نزل به دار الندامة)، أرجو التأمّل في هذه العبارة المختصرة التي يسهل حفظها، وهي من ذلك المعدن الذي تكلّمنا عنه في الخطبة الأولى، ولاحظوا طريقة تعبير الإمام (عليه السلام) وكيف تنفع هذه النصيحة؟، عادةً الإنسان عندما يركب يريد أن يصل، يركب سيّارة أو يركب دابّة فيمشي بها الى أن توصله الى المحلّ الذي يريد، والوضعُ الطبيعيّ هو هذا.

الإمام (عليه السلام) أراد أن يعبّر عن هذا الأمر المحسوس الذي يدركه كلُّ واحدٍ منّا، أراد أن يعبّر بتعبير في مقام المعرفة وفي مقام الحكمة والتصرّف، فكأنّ الباطل عبارة عن مطيّة يمتطيها الإنسان فقال: (من ركب ظهر الباطل...) أين سيصل؟ أين سينزله؟ ما هو محلّ نزوله؟ قال: (...نزل به دار الندامة) وهذا تعبيرٌ في غاية الروعة ومنتهى الدقّة، هذا التعبير في مقام النصيحة.

ما هو الباطل؟ طبعاً السياسي يُصغي والكلام ليس كلاماً سياسيّاً لكنّه كلامٌ نابع عن حكمة، فالإمام (عليه السلام) لا يستثني أحداً، السياسيّ وشيخ العشيرة وأستاذ الجامعة والمدرّس والطبيب والعالم والجاهل، هذه قاعدة في مقام التوجيه، يقول: (من ركب ظهر الباطل....)، الباطل تارةً باطلٌ شرعيّ وتارةً ليس باطلاً شرعيّاً بل باطلاً عرفيّاً.

العقلاءُ يتبانون فيما بينهم على أن يرتّبوا أمورَهم في قضاياهم العامّة التي لا تتقاطع مع القضايا الشرعيّة، مثلاً العقلاء يتبانون فيما بينهم في أن يجعلوا إشارة المرور الحمراء للوقوف والخضراء للمسير، هذا الأمر جيّد والشرعُ لم ينهَ عنه، فأصبح حقّاً علينا نحن العقلاء تبانينا على ذلك واتّفاقنا عليه، هذا أمرٌ جيّد لابُدّ أن نلتزم به.

أمّا إذا ركبنا ظهر الباطل وإذا خالفنا فهو باطلٌ عُرفيّ بحيث إذا تجاوز أحدٌ يحتجّ الآخرون عليه ومن حقّهم أن يحتجّوا، أين سيكون الحال؟ سينزل دار الندامة، ولو أعطينا أمثلةً على ذلك قطعاً لطال بنا المقام.

أُعيد العبارة وهذه العبارة في مقام التوجيه والنصيحة، على الإنسان مهما أوتي من قوّةٍ بدنيّةٍ ومن قوّةٍ معنويّة ومن سلطنةٍ ومن جاه عليه أن لا يركب الباطل، كلامُ الإمام (عليه السلام) كلامٌ عامّ (من رَكِبَ ظَهرَ الباطل)، والذي يركب الباطل لابُدّ أن يصل، ويستحيل أن يوصلك الباطل ويوردك الباطل مورد السلامة، إذا كنت تتوقّع أنّك اليوم فعلت فعلتك ولم يلتفت اليك أحدٌ لموانع كثيرة فلا تتوقّع أنّ هذا الحال سيدوم (دوامُ الحال من المحال)، سيوردك موارد الندامة.

طبعاً الله تبارك وتعالى -أتكلّم من جهةٍ شرعيّة- الله لا يُعجلُه عجلة العباد، وهذا الأمر تكلّمنا عنه مراراً، لماذا؟! لأنّ الله تعالى لا يفوته شيء، الحقّ العُرفيّ كذلك من يتصدّى الى أن يخدم أو الى أن يرعى عشيرته.. عليه أن لا يركب ظهر الباطل، هناك أمثلة كثيرة وتسمعون الآن تقريباً أشبه أن يكون في كلّ يوم هناك مشاكل دمويّة -يعني فيها قتل-، إبحثْ عن السبب؟! وأتكلّم مع بعض الأعزّة من العشائر ومن العقلاء.. علامَ تُسفك الدماء بغير الحقّ؟ أين العقل وأين الحكمة؟ لماذا تركبون ظهر الباطل؟! بمجرّد أن يُقال لهُ كذا يصدّق وتأخذه الحميّة والعصبيّة المذمومة ويأخذه الباطل ويركب ظهر الباطل ويفعل الفعلة ثمّ يندم..، تروّعت أطفال ونساءٌ ورجال وشيوخ وعشيرة بكاملها تروعّت وتنشغل، وللأسف البعض يعتبر هذا من الرجولة والشجاعة، وبئست الرجولة التي تظلم وبئست الشجاعة التي تروّع، لماذا؟! لأنّه ركب ظهر الباطل!

يا أيّها الراكب ظهر الباطل وأنت تعرف نفسك عليك أن تتأمّل..، بعض الناس يُغريه الآخرون ويحاولون أن ينفثوا فيه روح الانتقام والدمويّة وهو يستسلم للأسف، ثمّ تحلّ به الندامة ويريد بعد ذلك أن يتخلّص فلا يستطيع، وعندما نأتي معكم الى بعض أدواء هذا المجتمع وبعض القضايا واقعاً يعزّ علينا أن نرى بعض الحالات الاجتماعيّة وصلت الى ما وصلت اليه، ولا أستطيع أن أفرد حالة دون حالة، لكن هذه الحالات كلّها سُوعِدَ عليها أنّهم ركبوا ظهر الباطل، ويحاول البعض أن ينجوا فلا يستطيعون، فكلام الإمام (عليه السلام) جملة شرطيّة (شرط وجزاء)، قال (عليه السلام): (من رَكِبَ ظَهرَ الباطل) أين ينزل؟ قطعاً لا ينزل في دار السلامة وإنّما ينزل في دار الندامة.

ولذلك إخواني الحكمةَ.. الحكمةَ.. الحكمةَ، على الإنسان أن يتّصف بمستوى من الحكمة التي تعني أنّ الإنسان عليه أن يتصرّف تصرّفاً لا يندم عليهِ (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، الإنسان لابُدّ أن يتصرّف وفق ما يُمليه عليه العقل، والإنسان يجب أن يكون حكيماً ويتأمّل ولا يستعجل، وعليه أن يركب ظهر الحقّ لا أن يركب ظهر الباطل، لا يكفي الإنسان أن يقول أنا حكيم وإنّما يجب أن تكون تصرّفاته فيها حكمة، عندما يجتمع مع مجموعة من الوجهاء تراه يتحدّث ويقول: نعم.. الحكمة أمرٌ مطلوب وعليه أن لا يستعجل والإنسان عليه أن يتثبّت والإنسان عليه أن يكون عاقلاً وعليه أن لا يُستدرج.. هذا كلامٌ جميل ولكن عندما تمرّ به حالة يترك هذه الأمور عرض الحائط ويفعل ما يفعل.

إخواني نصّ الإمام (عليه السلام) نصٌّ واضح ودار الندامة إخواني ليست داراً سهلة، وليست كلّ ندامة تُتدارك فهناك ندامةٌ لا تُتدارك، والعمر ليست فيه بقيّة ولا يُمكن للإنسان أن يعلم متى يكون مصيرُه، وهذا الكلام حتّى للذي لا يؤمن بالله تعالى -والعياذ بالله- لأنّه لا يعلم مصير موته، العمرُ ليس فيه إحرازٌ لما يبقى، وهناك ندامةٌ تؤدّي بصاحبها الى الهلاك، لماذا؟ لأنّ الإنسان يركب ظهر الباطل، علينا أن نركب ظهر الحقّ وعلى الإنسان أن يكون عاقلاً ومتّزناً وحكيماً في تصرّفاته ودقيقاً، ولا تجرّه الشحناء والبغضاء الى أشياء فيها سفك دماء، وأنتم تسمعون بين فترةٍ وأخرى الطبيبُ الفلاني هُجم عليه، والشخصُ الفلاني هُجم عليه.. وعندما تبحث عن الأسباب لا تجد سبباً واقعيّاً.

الإنسان عليه عندما يسمع شيئاً أن يتأمّل وأن يصبر، البعضُ يقول: جاء فلان وقد فُقئت عينُه! قال: اصبرْ لعلّه فقأ عينَيْ الخصم. هذا الاستعجال في المواقف عاقبتُه الندامة، وأنا أتكلّم عن قضيّة عامّة اقتصاديّة أو سياسيّة أو إداريّة أيّ شيء، وهذه نصيحة الإمام (عليه السلام) يضعُها ولعلّها ليست نصيحة دينيّة فقط.. أنا قلت الناس في بعض الحالات تتبانى على شيء حقّ فلماذا لا نعمل به وهو ليس فيه مخالفة شرعيّة، على الأقلّ ننظّم أمورنا كما ورد في الحديث (عليكم بنَظْم أمرِكم)، ننظّم أمورنا ثمّ نبدأ نخالفها لماذا؟! وهذه قضايا تشريعيّة وقضايا تنفيذيّة وقضايا وجاهات وقضايا مصانعات، وتجد الناس للأسف الشديد تحبّ أن تركب ظهر الباطل، فالذي يركب ظهر الباطل لا يلومنّ إلّا نفسَه إذا نزلَ بدار الندامة.