إن علاقة الجوارح بالأرواح علاقة استراتيجية عميقة.. فحسب الظاهر أن هنالك تفاعلات في عالم المادة، مثلاً: صورة تقع في شبكية العين، أو أصوات تطرق طبلة الأذن، أو طعام يدخل في الجوف، أو لسان يتلفظ بالقول.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ولكن كل هذه الجوارح التي تمر عبر سلسلة من التفاعلات المعقدة، التي لم يتوصل إليها العلم إلى الآن، وهو أنه كيف أن الوجود الإنساني يدرك هذه المعاني، التي جاءت من خلال هذه السلسلة العصبية- تعكس هذه المعاني التي تجتمع في قلب الإنسان، فيتفاعل معها الإنسان أيما تفاعل!. هنالك صورة في الخارج، ولكن هذه الصورة عندما تنتقش في القلب، تبدأ معها التفاعلات الباطنية.. ومن هنا علماؤنا فتحوا باباً في علم الأخلاق والعرفان، باسم (تحاشي فضول النظر).

فالنظر عندما يكون على مصراعيه، وينظر الإنسان إلى كل ما هب ودب، فإنه من الطبيعي أن تزدحم النفس بهذه الصور.. وعليه، فإن الإنسان عندما يريد أن يجلب التركيز في صلاة أو في قراءة أو في مطالعة، فإنه يفتقد ذلك؛ لأن هذه الصور المتزاحمة تتوارد على خاطرة الإنسان.. وبالتالي، فإنه يفتقد ذلك التركيز الذي يراد في حركة حياته.

ولقد منَّ علينا رب العالمين بهذه المنة، أن جعل النظر اختيارياً، والقول اختيارياً.. فكما أن الإنسان إذا أطبق شفتيه، بإمكانه أن يمنع نفسه من القول، وينشغل بالذكر الباطني الخفي دون أن يعلم به أحد.. فالعين كذلك؛ إذ رب العالمين جعل عليها جفنين اختياريين، والإنسان بإمكانه أن يطبقهما عند النظر.. أضف إلى أن من الخواص التي جعلها الله عزوجل للعين، أن الإنسان بإمكانه أن ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه؛ أي لا يحدق فيه، ولا ترتكز تلك الصورة في باطنه، عندما يصرف نظره عنه.

الارتباط بين غض النظر والنور الإلهي

إن النظرات التي لا حساب لها، وهذا التفكير والتخيل الذي لا سيطرة عليه؛ من موجبات هذا التشوش الذي يحجب القلب عن النظر وتلقي المعارف الإلهية، وهذا ما أشار إليه الرسول (ص) في قوله: (لولا تمريج في قلوبكم، وتكثير في كلامكم؛ لرأيتم ما أرى، ولسمعتم ما أسمع).

وفي سورة النور -وهي سورة العفة والعفاف للنساء والرجال- ذكر للآداب المتعلقة بالنظر.. وللمتأمل أن يقف للنظر إلى ما هي المناسبة بين آيات غض البصر وبين آيات النور: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؟.. إن قبلنا هنا الترتيب في هذه السورة، فمعنى ذلك أن هناك حالة من حالات الارتباط بين كف النظر وبين العفة الباطنية، وبين النظر إلى ملكوت السموات والأرض، والارتباط بذلك النور الذي انتشر في هذا الوجود.. وما نعمة الوجود إلا أثر وفيض من آثار هذا النور الإلهي.. فالذي لا يتحكم في بصره وفي جوارحه: قولاً وسمعاً ونظراً، فهذا الإنسان محجوب عن النظر إلى ملكوت السموات والأرض، ذلك الملكوت الذي منَّ الله عز وجل على نبيه الخليل، بأن أراه ذلك الملكوت: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).

النظر في الآيات والروايات

وأما الآيات والروايات المتعلقة بالنظر، فهي كثيرة.. ومن المناسب دائماً أن ننظر إلى موقع المفاهيم الإسلامية من الكتاب الإلهي.. إن القرآن الكريم أمر الرجال والنساء في سياق واحد بغض النظر عما لا يحل، فقال تعالى في أمر للرجال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)، وفي آية تليها أمر النساء: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ).. ما هو معنى الغض في هذه الآية؟.. البعض يقول: أن المراد بغض البصر هو أن يغمض الإنسان عينه.. ولكن البعض يقول -من دون أن نحّمل الآية تفسيراً قطعياً-: إن غض البصر هو أن يصرف الإنسان نظره عن المنظور، وهذا الصرف يكون تارة بغمض البصر؛ أي بأن يسدل على عينيه الجفنين.. وتارة بغض البصر، فالإنسان في معاملاته اليومية قد لا يمكنه غمض البصر.. مثل إنسان يمشي في الأسواق، وله تعامل قهري مع النساء، وهذه الأيام -كما نعلم- هنالك حالة من حالات التمازج والاختلاط في الجامعات وفي المعاهد وفي مختلف حقول الحياة؛ فالإنسان من الممكن أن لا يتوفق لغمض بصره، ولكن غض البصر ممكن، بمعنى أن ينظر الإنسان نظرة بلهاء إلى ما ينظر إليه.. ينظر إلى المرأة -إن كان ولابد من التعامل مع المرأة-، ولكن لا ينظر إليها تلك النظرة التي تسوقه إلى الشهوة أو الريبة، كما ذكر في كتبنا الفقهية.