تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

كتب يحيى غالي ياسين:

كثيرة هي الدروس المستفادة من عاشوراء، وعظيمة هي الحِكَم التي جادت بها كربلاء على الإسلام وعلى الإنسانية جمعاء.. ومن بين تلك العبر التي نأخذها من مظلومية ابي عبد الله عليه السلام هو مجابهة الطغاة والجبارين والظلمة بدمٍ مقدّس وطاهر.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

فالطغاة تكبر عروشهم بالدماء وتقوى شكيمتهم بزهق الأرواح، ولكن عندما يتورطون بدمِ عظيم ونفس مقدّسة فإن سلطانهم سرعان ما يهتز ويتقوّض ويؤول الى الزوال بشكل غريب وبشع، فالدماء الزكية تزلزل عروش الظالمين.

يقول القرطبي في تفسير قوله تعالى ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً* إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً ) آية 5-7 : لما ذبُح يحيى بن زكريا عليهما السلام نَدَرَتْ قَطْرَة من دمه على وجه الْأَرض ، فلم تزل تغلي حتَّى بعث الله عليهم ( بني إسرائيل ) بُخْتَنَصَّرَ فأَلقى في نفسه أَنْ يقتل على ذلك الدَّم منهم حتَّى يسكن ذلك الدَّم . فَقَتَلَ منهُم سبعينَ أَلْفًا...

ولعل ما حصل مع الحجاج (لعنه الله) بعد قتله للتابعي سعيد ابن جبير رضوان الله عليه من أوضح مصاديق هذه السُنّة، يقول ابن كثير: فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج: مالي ولسعيد بن جبير، مالي ولسعيد بن جبير؟ .. وذكر عن الإمام أحمد أنه قال : قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه . ويقال ان الحجاج لم يسلط بعده على أحد .. ( البداية والنهاية ج٩ ص ١١٥ ) .

أول ما يعيشه الطغاة بعد إهراق دم الصالحين هو تأنيب الضمير ومحاسبة النفس، ثم أنهم يعيشون بحَرَج أمام شعوبهم ومن يحكمونهم، لأن الدم الطاهر عندما يُراق فإنه يعطي القرار النهائي للقاتل بأنه في خانة الباطل وفي صفحة العتاة والمردة.. ومهما حاول في تبرير فعلته أو الاعتذار عنه فإنه لا ينفعه.

وحادثة عاشوراء ضمن سياق هذه الحكمة بل تتربع على كرسيّها، فقتْل الإمام الحسين عليه السلام كان القرار الرسمي لتصنيف بني أمية في قائمة شرار الخلق وعتاة القتلة عند من كان عنده شك أو ريب في ذلك يقول ابن الأثير : (وقيل : لمّا وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده ، ووصله وسرّه ما فعل ، ثمّ لم يلبث إلاّ يسيراً حتّى بلغه بغض الناس له ولعنهم وسبّهم ، فندم على قتل الحسين ، فكان يقول : وما علَيَّ لو احتملت الأذى ..) - الكامل في التاريخ 3 / 439 - ، وقال السيوطي : ( ولمّا قُتل الحسين وبنو أبيه ، بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد ، فسُرَّ بقتلهم أوّلا ، ثمّ ندم لمّا مقته المسلمون على ذلك ، وأبغضه الناس ، وحقَّ لهم أن يبغضوه ) - تاريخ الخلفاء : 248 - .

وأما هلاك يزيد فكان في أبشع قتلة، وقُتل ثأراً لأبي عبدالله من قبل أحد المؤمنين ، ذكر السيد ابن طاووس : قال أبو مخنف : وأمّا ما كان من أمر يزيد بن معاوية فإنّه ركب في بعض الأيام في خاصته في عشرة آلاف فارس يريد الصيد والقنص فسار حتى بعد من دمشق مسير يومين فلاحت له ظبية فقال لأصحابه: لا يتبعني منكم أحد ، ثم إنه أنطلق جواده في طلبها وجعل يطاردها من وادٍ إلى واد ، حتى انتهت إلى واد مهول مخوف فأسرع في طلبها فلما توسط الوادي لم ير لها خبراً ولم يعرف لها أثراً وكضه العطش فلم يجد هناك شيئاً من الماء وإذا برجل معه صحن ماء فقال يا هذا اسقني قليلاً من الماء ، فلمّا سقاه قال لو عرفت من أنا لازددت من كرامتي ، فقال له : ومن تكون ..؟ قال أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ، فقال الرجل : أنت والله قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يا عدو الله ثم نهض ليلزمه فنفر من تحته فرمى به عن مستتر فعلقت رجله بالركاب فجعل الفرس كلما رآه خلفه نفر فلم يزل كذلك إلى أن مزّقه وعجّل الله بروحه إلى النار .. ( اللهوف في قتلى الطفوف -ص 152- ).

وذكر القرطبي في موضع آخر من تفسير آية ( فاذا جاء وعد اولاهما ..) : وعن ابن عبَّاس قال : ( أَوْحَى اللَّه إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي قَتَلْت بِيَحْيَى بْن زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا ، وَإِنِّي قَاتِل بِابْنِ اِبْنَتك سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا ).

نحن لا نقول هنا أن المظلومية واراقة الدم الطاهر كانت هدف عاشوراء وخطة الإمام الحسين عليه السلام ضد بني أمية، ولكن نقول إن إحدى الدروس المنتزعة من هذه الحادثة العظيمة وأنها من التجارب الحيّة والسنن الثابتة، وهذا عين ما استفاد منه غاندي حين قال (تعلمت من الحسين أن اكون مظلوماً فأنتصر).

فقتل الأنبياء والأولياء والصلحاء والعلماء.. يعود على القَتلة باللعنة، ولكن على الأمم بالحياة الخالدة تحت ظل الرسالة والمبادىء والقيم والأهداف التي سالت دمائهم الزاكية من أجلها.