ألقى سماحة المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة، سماحة السيد أحمد الصافي، كلمةً خلال حفل افتتاح فعّالياتِ النسخة الخامسة من مؤتمر فتوى الدّفاع الكفائيّ المقدّسة، الذي عُقِد هذا اليوم الخميس السادس من ذي القعدة (1442هـ)، الموافق لـ(17 حزيران 2021م) تحت شعار: (التوثيقُ الإعلاميّ.. الشاهدُ الحيّ).

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وفيما يلي نصّ الكلمة:

نستحضر هذه الأيّام تلك الفتوى العظيمة التي أعادتْ للعراق هيبته، وأبعدت ذلك الخطر والخوف الذي كان يخيّم على البلاد ودفعته إلى غير رجعة، وبهذه المناسبة أيضاً نبتهل إلى الله تعالى أن يمنّ علينا برفع هذا الوباء الذي عصف بالعالم، سائليه أن تعود الحياة على ما كانت عليه، بعد أن التفتت البشريّة إلى هذا الدرس الذي ضرَبَه الله تبارك وتعالى بمخلوقٍ لا يُرى بالعين المجرّدة، وشلّ الكرة الأرضيّة التي تربو على سبعة مليارات نسمة، فتبيّنتْ قدرة الباري سبحانه وتعالى أنّه إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه..

نحن كمؤمنين نرى أنّ الابتلاءات تتعدّد، وأسبابها وغاياتها مرهونة بتلك الإرادة الإلهيّة، ولعلّ هذا الابتلاء بهذا الداء بلاء ولله سبحانه وتعالى في خلقه شؤون، فعلينا أن نزداد بصيرةً وإيماناً بقدرة الباري سبحانه وتعالى، كما أنشأه هو يبعده..

سأتحدّث بمنتهى الصراحة في بعض المفاصل المهمّة، وسأبدأ بالسؤال الآتي وهو: لو لم تكن الفتوى موجودة ماذا سيحصل؟ أو بمعنى آخر لو لم تكن الفتوى حاضرةً وموجودةً ما الذي كان يُمكن أن يحصل؟!!

القراءةُ للأحداث هي مهمّةُ العقلاء والمفكّرين وأهل الرأي والقرار، وقد يقول القائل: لا داعي لهذا السؤال باعتبار أنّ الأمر مرّ وانتهى، والفتوى حضرتْ وأسّستْ وغيّرتْ، فلماذا نسأل هذا السؤال؟! بل سيكون هذا السؤال من فرض المحال باعتبار أنّه زمن مضى ولا يُمكن العودة به، هذا صحيح لكن جاء السؤال من باب التحليل والتفتيش عن مجريات الأمور في وقتها، والتداعيات التي كان يُمكن أن تحصل، لأنّنا عندما نتحدّث عن مسألةٍ لابُدّ أن نفهم عظمها وأهمّيتها، حتّى تكون ردود الفعل بمقدار هذا الفعل.

الفتوى فعلٌ عظيم وكبير، فلابُدّ أن تكون ردود الفعل متناسبةً مع هذه العظمة، وهذا السؤال لعلّ الوقت ليس وقت مناقشتِهِ على هذه المنصّة، لكن من باب الإثارة لكي نفهم الأمور وكيف نقرأ التاريخ، وسنتحدّث بثلاث نقاط:

الأولى: أنّ هذه الفتوى المباركة هي ظاهرةٌ مهمّة ولابُدّ أن تُدرس، ونحن في العتبة العبّاسية المقدّسة بعد أن اتّفقت الإدارة على أنّ هناك مشكلة في توثيق منجزاتنا، لا أتحدّث الآن إنّما كعراقيّين عندنا هذه المشكلة، منجزاتنا لا نؤرّخها أو نوثّقها بل كثير من الأمور تمرّ مرور الكرام، وإذا أردنا أن نستذكر فإنّ الذاكرة ستخوننا في كثيرٍ من الجزئيّات أو سنقرأُها في كتبِ مَنْ لم يصنع الحدث، وبالنتيجة سيضع مبتنياته على ما يسطّر، فإذا كان الجيلُ شاهداً على خلاف ما يسطّر فالجيل الآتي ستنطلي عليه هذه الشبهات، ويتعامل مع الواقع مثل ما كُتِب، لذلك حرصنا أن يكون هذا التوثيق بيد أبنائِهِ، وطلبنا من الإخوة أن يكتبوا كلّ ما كان له دورٌ في المعركة أن وثّقوه واكتبوه، وهناك لجانٌ متعدّدة ستتبنّى الحفاظ على الفكرة، وإعادة الصياغة وفق ما تتطلّبه طريقة الموسوعات.

البعض استجاب والآخر بين بين والبعض تكاسل، وما زال الباب مفتوحاً لكلّ من عنده شيء قد فات أن يذكره أو يكتبه أو لم يكتبه أصلاً، فما زال الباب مفتوحاً وعلى الإخوة الأعزّاء أن يكتبوا كلّ ما كان في هذه الفترة من نشاطٍ أو انتصار أو معاناة، وسنعمل على تضمينه في القادم من هذه الموسوعة التي تتألّف من (62) جزءاً، فإنّنا نأمل أن تُضاف إليها عشرات الأجزاء، وقد بدأ الإخوة بجمع ما ستتمّ إضافته من توثيقات، وبعض الأمور التي لم تكن حاضرة، فلا بُدّ أن نكيّف أمورنا وفق رؤيةٍ مقبولةٍ، وهذه الموسوعة وغيرها ستكون تحت نظر أهل القرار مادّةً علميّة لكلّ مَنْ يريد أن يحلّل أو يفتّش، أو من يريد أن يقرأ هذا التاريخ في هذه الحقبة، طبعاً لا ندّعي التكامل في ذلك لكن هذا ما وصلت إليه أيدينا، فالنقطة الأولى لابُدّ أن تُدرس هذه الظاهرة وهي ظاهرة الفتوى، وتُستَذكر في كلّ وقتٍ لأنّها فعلاً أحدثتْ ما أحدثَتْ.

النقطة الثانية: الفتوى الجريئة التي حافظت على البلاد والعباد والمقدّسات والأعراض من جهة، ومن جهةٍ أخرى منعت وصولَ هذا الفكر الداعشيّ المنحرف إلى العراق، وأنتم تعلمون أنّ التاريخ قد يُكتَب بأفكارٍ منحرفة، فكما يُكتب بأفكارٍ جيّدة يُمكن أن يُكتب بأفكارٍ منحرفة، فعندما تكون هذه الفتوى بهذه العظمة والقوّة وحفظتْ شيئاً ومنعتْ أشياء، منعتْ هذا التدنيس الذي -إن شاء الله- لن يكون والذي كان ينادي به هؤلاء، أيضاً منعت التأثير على مساحاتٍ كثيرة ودولٍ أُخَر، ومن ورائهم ما يُمكن أن يكون شيئاً كبيراً، وهذا ليس عملي لكن على الإخوة الباحثين أن يدقّقوا كيف حدث هذا؟ ومَنْ كان وراءه؟ وماذا كان يُراد له؟! بحيث جاءت هذه الفتوى وغيّرت الموازين وقلبت المعادلة.

النقطة الثالثة: لماذا وقع العراق في الفخ؟ من أين كانت المشكلة؟ بحيث تمكّن هؤلاء الشرذمة من أن يحتلّوا مدينةً كبيرة ويحاولوا احتلال مدنٍ أُخَر، فأين المشكلة؟ وما هي الضمانة على أنّها لا تتكرّر؟ هذا السؤال يحتاج إلى مزيدٍ من الجرأة في الجواب، ومزيدٍ من الواقعيّة لأنّ المشكلة التي حدثت كبيرةٌ جدّاً، والفتوى كانت في حالةٍ أعظم من المشكلة الفعليّة، والمشكلة التي من المُمكن أن تكون تداعيات للمشكلة فأوقِفَتْ، لكن لماذا حدثتْ هذه الأمور التي هي خارجة عن الفتوى، فهل المشكلة في النظام السياسي؟ أم المشكلة في الجيش؟ أم في الفساد المستشري في البلاد؟ أم المشكلة في تسنّم أشخاصٍ غير كفوئين ومهنيّين لمقدّرات البلد؟ أين المشكلة؟!! ما حدث أمرٌ خطير لم يحدث في بلدان العالم.

التفتوا لما أقول.. الاستجابة للفتوى حدثت من جماهير الناس من الشعب، أنا الآن قارئٌ للمشهد، الآن المعركة بحمد الله تعالى انتهت والنصر المؤزّر كان حليف البلاد والعباد وكان حليف العراق، واليوم نحن نعيش حالة استذكار الفتوى والنصر الذي تحقّق في نفس الوقت، لكن الجماهير هي التي ساعدت واستجابت وسارعت، بمجرّد أن صدرت الفتوى الجماهير زحفت إلى مواقع التهيئة للقتال، مَنْ هؤلاء الذين قاتلوا؟ أعمارهم متباينة ومختلفة وقد ذكرناها في أكثر من مناسبة، أقول هؤلاء الآن الاستحقاقات التي لهم مَن المتكفّلُ بها؟!!

هؤلاء عشقوا البلد ونزفت دماؤهم على أرضه، ولم يفرّقوا بين مدينتهم ومدينةٍ أخرى تبعد أكثر من 400 كليومتر عنهم، فالعراق كلّه بلدهم ونزفت دماؤهم هناك، كيف نتعامل مع هؤلاء؟! كشهداء من جهةٍ وكجرحى أحياء من جهةٍ أخرى، وكطليعةٍ مؤمنةٍ من أبناء البلد ما زالت تحمل البندقيّة على كتفها، كيف نتعامل مع هؤلاء؟!!

الشهداء كيف نجزيهم بما قالوا وفعلوا؟! في إحدى الخطب التي ذكرها سماحةُ السيّد المرجع الأعلى اكتفى بالآية الشريفة (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا)، قال: هذه الآية تعطي الجزاء، فنحن ما نقول فيهم ونتعامل به معهم قطعاً سيكون أقلّ من هذا الجزاء، لكن هناك جهاتٌ رسميّة عليها أن لا تكتفي بالآية، بل عليها أن تتعامل مع هؤلاء كما يليق بهم، فهم صنعوا تاريخاً بدمائهم وهم مفخرة، عندما نريد أن نفتخر بالعراق نذكر الشهداء، نقول: هؤلاء أوقفوا هذا الزحف الداعشيّ، فالجهات الرسميّة ماذا تفعل لهم؟..

الجرحى هم شبابٌ بعمر الورد منهم مَنْ فقَدَ بعضَ أعضائه، الدولة والجهات الرسميّة ماذا تفعل لهؤلاء؟ أنا لا أقول شعارات أنا صريح في هذه الأمور، فالشعارُ لا يُغني، لكن عمليّاً ماذا فعلنا؟!!المقاتلون الأعزّة الذين ما زالوا في جبهات القتال، وعيونهم ساهرةٌ وهم يحملون بنادقهم على أكتافهم ما هو المفروض أن يُهيّأ لهم؟ مع مناقشة أسباب المشكلة التي حدثت، كيف عالجنا المشكلة في وقتها حتّى لا يتكرّر المشهد أو بعضه، ما هي الخطوات العمليّة؟ الآن على المسؤولين أن يستفيدوا كثيراً من التجربة التي حصلت، وأكرّر سؤالي الأوّل (لولا الفتوى ما كان سيحدث؟)، فإذن عندما نتعاون لابُدّ أن نهيّئ الأرضيّة الطيّبة لسرعة الانتصار، فالانتصار يحتاج إلى أدوات، لابُدّ أن نهيّئ الأرضيّة الطيّبة الصلبة القويّة لسرعة الانتصار، ولا نسمح بتكرار بعض المشهد فهذا لا يُمكن، يجب أن نكون كالبنيان المرصوص الذي لا يُمكن أن يُخترق، وهذه ليست مسؤوليّة الناس فقط إنّما مسؤوليّة الجهات الرسميّة، التي عليها استحقاق، ما دام هو في مرتبةٍ متقدّمة فعليه استحقاقات، أن يحفظ البلاد ويحافظ عليها، أن يقرأ المشكلة كيف حدثت، ثمّ تبدأ المعالجات الحقيقيّة والجادّة في ذلك، فالفساد أمرٌ خطير وهو معركة، كما في خطبة النصر التي عبّر عنها سماحة المرجع الدينيّ الأعلى أنّنا سنبدأ معركةً جديدة، وهذه المعركة قد تكون أخطر من المعركة السابقة، التي كانت تحتاج إلى قوّة وتحتاج إلى همّة رجال، والعدوّ مشخّص والحمد لله، وبعد ثلاث سنواتٍ من القتال الضاري استطاع العراقيّون أن يعيدوا خارطة العراق إلى ما كانت عليه، والعلم العراقيّ بقي ناصعاً ولم يلوّثه ملوّث، لكن المعركة الأخطر هي معركة الفساد الذي هو كحشرة الإرضة عندما يأتي على بنيانٍ سرعان ما يهدّه، وإذا ضرب الفسادُ كلّ مفاصل الدولة فستنهار، فلابُدّ من إجراءاتٍ حقيقيّة وواقعيّة، فنحن نسلتذّ بما حصل من الاستجابة الكبيرة لكن هذا يحتاج إلى أن تستمرّ، ونقول إنّ العراق قد تعافى واستفاد من التجربة استفادةً جمّة، وأُعِيد بناءُ جميع المؤسّسات التي كانت تعاني من بناءٍ معوجّ.

يفترض أن نُكرم الشهيد بهذا العمل، نقول له: إنّ هذه الدماء قد أنبتت وأينعت، واستفدنا منها، وقد روت أرضنا التي ستكون منيعةً على كلّ معتدٍ أثيم..

نسأل الله أن نستذكر دائماً هذه الفتوى المباركة من سيّد النجف، واستذكار تلك الثلّة الطيّبة من أبنائه الذين هبّوا لاستجابة هذا النداء المبارك، وندعو الله تعالى أن يرفع البلاء والوباء عن هذا البلد، وأن نراه بلداً قويّاً منيعاً، ويسعد أبناءه بحياةٍ سعيدة، ونشكر كلّ مَنْ ساهم في إقامة هذا المؤتمر..

المصدر: شبكة الكفيل