لماذا يقضي رجل الدين وقتاً طويلاً في الدراسة الحوزوية؟

ليسَ  هناكَ مدّةٌ مُحدّدةٌ ينالُ فيها طالب العالم (رجل الدين) درجةَ الإجتهادِ، وإنّما يتفاوتُ الأمرُ مِن طالبٍ إلى آخر بحسبِ مقدراتِه وبحسبِ الظّرفِ الذي يرافقُ رحلتَهُ الدّراسيّة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

 أمّا مِن جهةِ الحوزةِ فهيَ مسؤولةٌ فقط عن توفيرِ البرامجِ الدراسيّةِ التي تؤهّلُ الطّالبَ لدرجةِ الإجتهادِ، وبما أنَّ الهدفَ مِن دراسةِ الحوزةِ هوَ تمكّنُ الطّالبِ مِن إستنباطِ الأحكامِ الشّرعيّةِ مِن أدلّتِها الأوّليّةِ، فلابدَّ أن تخضعَ الدّراسةُ إلى مجموعةٍ منَ الضّوابطِ العلميّةِ والتدريسيّةِ؛ وذلكَ لخطورةِ المُهمّةِ على المُستوى العلميّ وعلى مُستوى المسؤوليّةِ الدينيّةِ والشّرعيّةِ، ولذا تقومُ الحوزةُ بتدريسِ مجموعةٍ منَ العلومِ والمعارفِ التي تناسبُ الهدفَ النّهائيّ لطالبِ العلومِ الدّينيّةِ، وتنقسمُ تلكَ العلومُ إلى علومٍ أساسيّةٍ لها علاقةٌ مباشرةٌ بالمسائلِ الدّينيّةِ، كعلمِ القرآنِ وتفسيرِه، ودرايةِ الحديثِ والفقهِ والأخلاقِ والكلامِ، أمّا القسمُ الثّاني هوَ العلومُ الفرعيّةُ التي تُعدُّ بمثابةِ مقدّماتٍ لفهمِ العلومِ الأساسيّةِ، مثل علومِ اللّغةِ بجميعِ أقسامِها، وعلمِ أصولِ الفقهِ، وعلمِ الرّجالِ والتّاريخِ، وعلمِ المنطقِ والفلسفةِ، ومن الطّبيعيّ أنَّ دراسةَ كلِّ هذهِ العلومِ يحتاجُ إلى فترةٍ زمنيّةٍ مُقدّرةٍ حتّى يتمكّنَ الطّالبُ مِن إستيعابِها، ولذا تعتمدُ الحوزةُ نظامَ المراحلِ التّعليميّةِ التي تبدأ بمرحلةِ المُقدّمات، وهيَ المرحلةُ التي يدرسُ فيها الطّالبُ أساسياتِ تلكَ العلومِ، ومِن ثمَّ تأتي المرحلةُ الثّانيةُ التي يُصطلحُ عليها بمرحلةِ السّطوحِ، وهي المرحلةُ التي يدرسُ فيها الطّالبُ بشكلٍ مُعمّقٍ ومُفصّلٍ العلومَ الأساسيّةَ والفرعيّةَ، وتُعتمدُ لهذهِ المرحلةِ كتبٌ معيّنةٌ لها درجةٌ عاليةٌ منَ التّخصّصِ والخبرةِ في مجالِها العلميّ، وعندَما يجتازُ الطّالبُ هذهِ المرحلةَ يصبحُ لهُ قدرةٌ علميّةٌ مُقدّرةٌ بحيثُ يكونُ قادراً للتّصدّي للأمورِ الدّينيّةِ إجتماعيّاً، والكثيرُ مِن طلبةِ العلومِ الدّينيّةِ يكتفونَ بهذهِ المرحلةِ الدّراسيّةِ ومِن ثمَّ يهتمّونَ بالعملِ الدّعويّ مثلَ الكتابةِ والخطابةِ وغيرِ ذلكَ، أمّا مَن أرادَ أن يواصلَ الدّراسةَ حتّى يبلغَ درجةَ الإجتهادِ فتبقى أمامَهُ مرحلةٌ أخيرةٌ وهيَ مرحلةُ البحثِ الخارجِ، وفي هذهِ المرحلةِ يدرسُ الطّالبُ على يدِ مُجتهدٍ حتّى يتعلّمَ على يديهِ طريقةَ الإستنباطِ بشكلٍ عمليّ، وسُمّيَت هذهِ المرحلةُ ببحثِ الخارجِ لأنَّ فيها لا يعتمدُ الأستاذُ على كتابٍ مُحدّدٍ وإنّما تكونُ خارجَ الكُتبِ؛ وذلكَ لأنّها مرحلةٌ يتأهّلُ فيها الطّالبُ للإجتهادِ فلا تكونُ آراءُ العلماءِ أو ما في الكتبِ سقفاً لا يمكنُ تجاوزُه، وإنّما مِن حقِّه المُناقشةُ وإبداءُ الرّأي تحتَ إشرافِ المُجتهد، وحتّى يكتسبَ الطّالبُ هذهِ الخبرةَ لا يمكنُ حصرُه في فترةٍ زمنيّةٍ مُحدّدةٍ، وإنّما على الطّالبِ متابعةُ بحوثِ العُلماءِ والمُجتهدينَ وكلّما كانَ مُجدّاً في ذلكَ كلّما أسرعَ بخُطاهُ نحوَ الإجتهادِ، وعندَما يرى الأستاذُ فيهِ هذهِ الإمكانيّةَ يشهدُ لهُ بالإجتهاد. 

وقد إتّضحَ مِن كلِّ ذلكَ أنَّ الدّراسةَ الحوزويّةَ ليسَت مُحدّدةً بفترةٍ زمنيّةٍ وإنّما يتوقّفُ طيُّ مراحلِها الدّراسيّةِ على جدّيّةِ الطّالبِ وإجتهادِه في الدّراسةِ، مُضافاً لاستقرار الوضعِ السّياسيّ والأمنيّ في المدنِ التي توجدُ فيها الحوزات.