حديث عن (علمانيّة السيد السيستاني)!

تتمركز اشكالية الفكر السياسي الشيعي الحديث والمعاصر حول محاولة تحديد اجابة السؤال التالي: لمن الولاية في غياب الإمام الثاني عشر (عليه السلام)؟ هل هي للفقيه الجامع للشرائط؟ أم للأمة؟ أم لهما معا؟ (الزميع- في النظرية السياسية،ص335).

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

 ومن هنا فالاتجاهات الشيعية العامّة في السياسة، والمسارات الرئيسة للحكم في الفقه الشيعي ثلاثة، وعلى نحو أكثر اختزالاً وتبسيطا اثنان، فإنّ شأن الحكم والولاية في عصر الغيبة ثبتت أولاً إمّا للفقيه أو للأمة، فهنا مساران عامّان:

  1. مسار ولاية الفقيه، إمّا ولاية مطلقة كما هو الحال عند السيد الخميني مثلاً، أو ولاية الفقيه على مبدأ الشورى عند السيد محمد باقر الصدر.
  2. ويقابله مسار آخر، هو ولاية الأمة، ومن أبرز الفقهاء الداعين إليه هو الشيخ النائيني، والشيخ محمد مهدي شمس الدين. على ما بين هذه الأمثلة وغيرها من فروق في التفاصيل  والاجتهادات والتي لا تعنينا في هذه المقالة، بقدر ما يهمنا:

أولاً- استجلاء موقف السيد السيستاني وضمن أيّ المسارين يصطف؟ وثانياً- اختبار مقولة:(علمانيّة السيد السيستاني !) موضوعيّاً، وتلك مقولة قد روّج لها غير واحد من الكتّاب والمدونين، وبعض السياسيين أيضاً!

بالرغم من عدم إيمان مرجعيّة السيد السيستاني بولاية الفقيه، فقد عرض أدلتها وناقشها بشكل مفصل في كتابه: الاجتهاد والتقليد والاحتياط، وتحديداً في ثالث مباحث المقصد الأوّل، والذي جاء بعنوان: في ثبوت الولاية للمجتهد، وبواقع (44) صفحة، وقد ختمه بالقول: فتحصّل مما ذكرنا: أنّ الأدلة غير وافية، والإجماع مخدوش، والدليل العقلي يُناقش فيه بما ذُكر وغير ما ذكر، ولابد للمثبت من دفع جميع الشبهات، وأنّى له ذلك؟!، ولعلّ لأجل دقة الموقف قال المحقق النائيني، والمحقق الأصفهاني: فيه تزلزل عظيم. (الاجتهاد والتقليد والاحتياط- تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى: السيد علي الحسيني السيستاني، ص129 بقلم: السيد محمد علي الرباني).

 وقد أبدت المرجعية انسجاماً كاملاً مع هذه الرؤية الفقهيّة، ووفاءً لهذا الاطار النظري العام لتتضح شيئاً فشيئاً معالمه وتطبيقاته في مجمل المواقف التي كانت تبديها طوال فترة ما بعد 2003م، وبمرور عابر على بعض تصريحاتها، وبياناتها، وأجوبتها، وكلماتها عبر منبر الجمعة يعرف هذا الاتساق والانسجام بين الرؤية والمواقف، فنراه ينص صريحاً إلى أنّ " تشكيل حكومة دينية على أساس فكرة ولاية الفقيه المطلقة ليس وارداً مطلقاً". و أكثر من ذلك، إذ ترى المرجعية وبوصفها الممثل للحوزة العلميّة أنّها: "ليست معنية بالتصدي لممارسة العمل السياسي، وترتأي لعلماء الدين أن ينأوا بأنفسهم عن تسلّم المناصب الحكومية". (النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية،ص250).

لتحدّد دورها، وترسم الدائرة التي تتحرك بموجبها في الفضاء السياسي أن "ليس لها الاّ النصح والارشاد الى ما ترى انه في مصلحة الشعب، ويبقى للشعب أن يختار ما يرتئي انه الأصلح لحاضره ومستقبله بلا وصاية لأحد عليه) .خطبة الجمعة، بتاريخ  2ربيع الآخر/1441هـ)، وإذا لم يكن هذا صريحاً في تبني مسار ولاية الأمة مقابل ولاية الفقيه، فلا أصرح من القول: إنّ الحكومة إنّما تستمد شرعيتها من الشعب، وليس هناك من يمنحها الشرعيّة غيره..(خطبة الجمعة، 17 ربيع الأوّل/1441هـ).

لكن السؤال الذي يثار تلقائياً، هل هذا يعني أنّ المرجعيّة تتبنى العلمانيّة مثلما فهم وسوّق بعضٌ؟!

والجواب بالنفي طبعاً، وسيتبين السبب بُعيد قليل، ولكن النقطة الجديرة هنا أنّ معظم الآراء والكتابات التي تناولت موضوع رؤية المرجعية ومواقفها كانت أحادية في طرحها، فتناولت وسوّقت جانب الرفض لولاية الفقيه بينما أهملت بقصد أو بغير قصد الجانب الآخر؛ لتستنتج –خطأً- أنّ السيد السيستاني يدعو للعلمانيّة، بينما الواقع والمنطق والمطعيات كلها تلتقي في نقطة واحدة وهي: إنْ كانت الرؤية الفقهية القائمة على أساس أنّ أدلة ولاية الفقيه غير وافية، ليقودها ذلك إلى عدم الدعوة لتشكيل حكومة دينية، ومن منطلق فقهي، وعلمي بحت؛ فإنّ الرؤية الدينية عامّة والعقائدية ستقودها بالضرورة إلى  رفض العلمانيّة بمعناها الأساس، ومسعاها الأخير.!

والمعنى المقصود بالعلمانيّة هنا ليس مجرّد فصل الدين عن السياسة، وإنّما العلمانيّة بوصفها نسق فكري كامل، ورؤية شاملة للكون والحياة والإنسان، تنطوي على فصل الدين عن العلم، وفصله عن المجتمع، وعن السياسة أيضاً، ليبقى الدين شأناً فردياً شخصياً فقط!، هذا إن كانت محايدة، وإلا سعتْ إلى محو جميع المظاهر الدينية حتى لو كانت فردية، وعملتْ على فرض هويتها و تغييب ما تعتبره (الهويات الفرعية للمجتمع) الدينية أو  غيرها.! وهذا بحاجة إلى بسط أكثر مما نحن فيه. لكن بشكل عام يمكن القول:

إنّ موقف السيد السيستاني في رفض علمنة المجتمع، هو موقف مبدأي/واستراتيجي، ففي معرض الجواب على السؤال العاشر من أسئلة (صحيفة الواشنطن بوست): ما هو أكبر خطر وتهديد لمستقبل العراق؟، فأجاب صريحاً: خطر طمس هويته الثقافيّة التي من أهمّ ركائزها هو الدين الإسلامي الحنيف. (النصوص، ص31)، على أنّ موقع المرجعية، وهويتها وماهيتها يتدافع ويتعارض مع العلمانيّة بالمعنى آنفاً، مثلما هو واضح؛ على الأقل مع بعض أبواب الفقه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك مع مكانة ودور الفقيه في المظاهر الاجتماعيّة العامّة، "فالدور الأساس للمرجع هو تزويد المؤمنين بالفتاوى الشرعية في مختلف شؤون الحياة الفردية والاجتماعية، ولكن هناك مهام أخرى يقوم بها المرجع بحكم مكانته الاجتماعية والدينية ومنها إعانة الفقراء ورعاية المؤسسات والمراكز الدينية. (المصدر نفسه،ص30). وبناءً على ما تقدّم، وبناءً أيضاً على التصريح التالي، الصريح و الحاسم في هذا الصدد: يفترض بالحكم الجديد أن يحترم الدين الإسلامي الذي هو دين أغلبيّة الشعب العراقي، ولا يقرّ ما يخالف تعالم الإسلام.(المصدر السابق،ص248).

أقول: بناءً على جميع ما سلف: يغدو الحديث عن أنّ "المرجعيّة تتجه نحو العلمانيّة"، أو الحديث عن "السيستاني العلماني".. حديث خرافة يا أمّ عمرو، وفي أحسن الأحوال حديث متاجرة سياسية!