قضايا و آراء

الامام العسكري (ع) وحماية الدين والشيعة

عبد الناصر السهلاني 26-10-2020 118

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

​لم تكن حياة مولانا الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) بالطويلة فقد عاش 28 عاماً فقط وقضى اغلبها تحت الاقامة الجبرية في سامراء، في امامة ابيه الهادي وامامته (عليهما السلام) في ظروف ظالمة من التضيق والاضطهاد اللذين مارستهما السلطة العباسية الجائرة، ومع هذا كان الامام يمارس دوره في تبليغ الدين بالقدر المكلف به وكذلك حمايته من الشبهات، والرد عليها، وتبركا بذكر الامام (عليه السلام) نذكر حوادثا لحماية الدين والشيعة قام بها الإمام (عليه السلام):

اما حماية الدين ورد الشبهات عنه:

فكان للامام عدة مواقف من الصوفية، والواقفة، والثنوية، والمفوضة، وغيرها...

ومنها موقفه من الفيلسوف الكندي، والذي تصور ان في القرآن تناقضات وقرر ان يجمعها في كتاب، الان ان الامام العسكري تدخل في منع ذلك باشارة علمية لطيفة جعلت من الكندي يلغي مشروعه، وقصة هذا التصدي المبارك من الامام يرويها لنا ابن شهر آشوب (رحمه الله)، بما يلي:

"ان إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه أخذ في تأليف تناقض القرآن وشغل نفسه بذلك وتفرد به في منزله وان بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري فقال له أبو محمد (ع): أما فيكم رجل رشيد يردع استأذكم الكندي عما اخذ فيه من تشاغله القرآن ؟

فقال التلميذ: نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أوفى غيره ؟

فقال له أبو محمد(ع): أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟

قال: نعم، قال(ع): فصر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله فإذا وقعت الانسة في ذلك فقال قد حضرتني مسأله أسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك فقل له ان اتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها انك ذهبت إليها؟

فإنه سيقول لك انه من الجائز؛ لأنه رجل يفهم إذا سمع، فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فيكون واضعا لغير معانيه.

فصار الرجل إلى الكندي وتلطف إلى أن القى عليه هذه المسألة.

فقال له: أعد عليّ، فأعاد عليه فتفكر في نفسه ورأي ذلك محتملا في اللغة وسائغا في النظر.

فقال: أقسمت عليك إلا أخبرتني من أين لك؟

فقال: انه شئ عرض بقلبي فأوردته عليك.

فقال كلا ما مثلك من اهتدى إلى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة فعرفني من أين لك هذا؟

فقال: امرني به أبو محمد(ع)

فقال: الآن جئت به، وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت.

ثم إنه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه." (مناقب آل أبي طالب: ج3، ص525-526)

واما حماية الشيعة:

فان من اهم الامور التي قام بها أئمة اهل البيت (عليهم السلام) في اطار تبليغهم للدين وحمايته هو المحافظة على ارواح الشيعة من فتك الظالمين، فهم حملة الحق والناشرين له بعد الائمة (عليهم السلام) بتسديد من الله تعالى الذي تكفل بحفظ دينه الحق وابقاء الحجة البالغة له على الخلق "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ"

فقد نقل لنا التاريخ بعض المواقف التي تبين لنا مدى اهتمام الامام العسكري (عليه السلام) بعدم تعرض المؤمنين للخطر وضرورة ان يحافظوا على انفسهم، وان يتجنبوا الانفعالات العاطفية غير المدروسة، وغير الحكيمة.

*فمن هذه المواقف التي ينقلها ابن شهر آشوب (رحمه الله) ما اوصى به الامام (عليه السلام) داود بن الاسود عندما بعثه بمهمة وصادف في الطريق شخصا شتمه وشتم الامام، فعندما عاد اوصاه الامام عليه السلام قائلا:

"...وإذا سمعت لنا شاتما فامض لسبيلك التي أمرت بها، وإياك أن تجاوب من يشمنا، أو تعرِّفه من أنت، فإننا ببلد سوء ومصر سوء وامض في طريقك، فان أخبارك وأحوالك ترد الينا فاعلم ذلك". (مناقب آل أبي طالب: ج3، ص529)

*ومنها ما ينقله المسعودي: "عن عن اسحاق عن محمد بن عبد العزيز البلخي قال:

أصبحت يوما و جلست في شارع سوق الغنم فاذا أنا بأبي محمّد (عليه السّلام) قد أقبل يريد باب العامة بسر من رأى فقلت في نفسي: تراني ان صحت يا أيها الناس هذا حجّة اللّه عليكم فاعرفوه يقتلوني.

فلما دنا مني و نظرت إليه أومأ إليّ بإصبعه السبابة و وضعها على فيه ان اسكت، فأسرعت إليه حتى قبّلت رجله، فقال لي: اما انّك لو أذعت لهلكت.

و رأيته تلك الليلة يقول: انما هو الكتمان أو القتل فابقوا على أنفسكم." (اثبات الوصية: ص251)

*ومنها ما ينقله القطب الراوندي (رحمه الله): "عن علي بن جعفر الحلبي [قال]: اجتمعنا بالعسكر، وترصدنا لأبي محمد (عليه السلام) يوم ركوبه، فخرج توقيعه: " ألا لا يسلمن علي أحد، ولا يشير إلي بيده، ولا يومئ أحدكم، فإنكم لا تأمنون على أنفسكم ". (الخرائج و الجرائح، لقطب الدين الراوندي: ج1، ص439)

وقد ورث علماء مدرسة اهل البيت، ومراجعها هذه المهام من أئمتهم (عليهم السلام)، فكان همهم ترويج الدين والدفاع عن بيضته، ودفع الشبهات عنه، وكذلك الحرص على تجنيب الشيعة لاي خطر يتهدد ارواحهم مهما وسعهم ذلك، وسلكوا في كثير من الاحيان مسلك المداراة والتقية مع حكام الظلم وسلاطين الجور، حفاظا على ارواح المؤمنين كونهم حملة فكر اهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم الحق الى العالم حتى اسست في العصور الاخيرة الكثير من المساجد والمراكز الدينية في العالم التي تبث هذا الفكر الشريف بجهودهم ورعاية علمائهم الكرام.

وبهذا يُعلم طيش بعض المتمرجعين عديمي الشعور بالمسؤولية الشرعية اتجاه ارواح المؤمنين، عندما يتحدثون على الملأ بالباطل الذي يعرض المؤمنين للخطر في عالم يعيشون فيه كأقلية قياسا لباقي المذاهب والاديان والمعتقدات.

فضلا عن سلوكه المعاكس لما يفترض ان يكون عليه في ترويج الدين والدفاع عنه، وتحبيب الناس فيه وشدهم اليه، اصبح يبث الشبهات ويشكك الناس في معتقاداتها الحقة المتواترة عن أئمة الهدى (صلوات الله وسلامه عليهم) فصار يطبق ايات التقوى في القران على اهل الباطل والالحاد في ظاهرة عجيبة لم يُعهَد لها نظير حتى في الجهلة والفاسقين والمنحرفين.

والسلام على ابي محمد الحسن العسكري يوم ولد، ويوم رحل مظلوما، ويوم يبعث حيا

واعظم لكم الاجر

والحمد لله اولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله أبدا