قضايا و آراء

لا مفر لنا ولا مهرب من العزاء الحسيني

إيليا إمامي 06-08-2020 259

تنويه: يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة عن رأي أو سياسة «موقع الأئمة الاثني عشر»

 

المرة الأولى التي عرفت فيها، وتصفحت كتاب (قصة الحضارة) للمؤرخ والفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت، لم تكن في شارع المتنبي، ولا في مكتبة شخص يعتمر قبعة ويدخن الغليون، ولا في بيت شخص يلتقط صورة لكتاب بجانبه فنجان قهوة، وكأن ذلك يكفي لصنع الثقافة!!

بل كان ذلك في بيت المرجع الراحل السيد محمد الشاهرودي نجل المرجع الراحل السيد محمود الشاهرودي (مرجعية معاصرة للسيدين الحكيم والخوئي).

الشاهرودي في كلمة مختصرة (خادم الشعائر الحسينية) فالرجل كان متفانياً في تعظيم الشعائر الى أبلغ حد.

لماذا أبدأ بهذه المقدمة؟ لأن هناك من يسأل هل نقيم الشعائر أم لا؟! وكأنهم لا يعرفون أن الشعائر مصير خارج إرادتنا وحتى لو تعمدنا تركها لن نستطيع!

دعني أفصل لك الأمر كالتالي: الرأي العام للأسف أصبح عبداً تابعاً للمظاهر، فالثقافة في نظر الكثيرين هي الشكل الظاهري الذي وصفته قبل قليل، (قبعة وكتاب وفنجان قهوة) وعندما يشاهدون شخصاً يحمل زنجيله ويضرب ظهره، أو يلطم صدره في عزاء الحسين، أو يصر على إحياء العزاء في زمن كورونا، لا يفترضون أن هذا الشخص يحمل ثقافة كافية!!

إن الفارغ ثقافياً هو من يذوب في بقية المجتمعات بمجرد أن ينفتح عليها، أما المثقف الحقيقي فهو من يدرك أن لديه هوية حتمية لامفر منها، وبدل أن يتحول الى كائن هجين من عدة ثقافات، عليه أن يعزز هويته ويعتز بها ويعمقها.

فلو تجولت في شوارع أوربا، ولو زرت مبانيها حتى الماسونية منها، واستعرضت فنونها حتى المبتذلة منها، ودرست فلسفتها حتى الإلحادية منها، وقرأت أدبها حتى الناقد للدين منه، لعرفت أن هناك هوية مسيحية حتمية تغلغلت في كل مفاصل الوعي واللاوعي، وثقافة كنيسية لا مفر من تأثيراتها حتى على من يصنفون أنفسهم كأعداء للمسيحية أو للكنيسة.

وهنا أعود الى الشاهرودي لأقول: هذا السيد وأمثاله من المدافعين عن شعائر أهل البيت، لا يفعلون ذلك عن توارث أو طلب للثواب فحسب، ولكنهم يقرؤون ثقافة الشعوب، و يدركون تماماً المزية الفريدة لدى شعبنا، و أن الثقافة الحسينية هوية حتمية لنا، يجب تنميتها والحفاظ عليها.

لامفر ولا مهرب من ثقافة عاشوراء، وهي المصير المحتوم الذي زرع في عمق وجدان المجتمع، حتى طيفه غير الملتزم دينياً.

وقد اتفقت كلمة مراجع الطائفة كافة على ضرورة إقامة العزاء بالشكل الذي يحفظ التعليمات الصحية الوقائية، لكن المرجع الأعلى للطائفة ذهب الى أبعد من ذلك، حيث افترض أن ظروف الوباء الجديد، وضرورة الالتزام الصارم بالتعليمات، إذا كانت ستؤثر بلا شك على مستوى الحضور من الناحية العددية، فيجب تعويض ذلك بكل الأساليب الإعلامية الممكنة، وتكفل هو في جوابه ببيان بعض هذه الجهود المطلوبة، رغم أن العلماء ليس من عادتهم التصدي للكيفية، ولكن عاشوراء استثناء في كل شيء.

 

  وليس من المستغرب أن نرى ردود الفعل الساخطة على تصريح محافظ كربلاء، فالحسين رأس مالنا ومآلنا، ويجب أن تتخذ كافة الإجراءات الممكنة قبل أن يلعب البعض بتصريحاتهم على الخط الساخن وفي المنطقة المحرمة (منع الزيارة).

(منع الزيارة) بين قوسين، يحمل كل دلالات التحدي لدى العراقيين، ففي يوم ما كانت حلب السورية شيعية، وقاهرة مصر شيعية، ووليلي المغرب شيعية، ولكن التشيع تمت إبادته عن آخره لعدم وجود منطقة محرمة تموت الناس دونها، أما في العراق وما حوله من بلاد فارس والحجاز فكانت زيارة الحسين مسألة خارج حسابات الموت والحياة، ومادام هناك ما أنت مستعد للموت من أجله، فسوف يعيش.

لا أجد في شرق الأرض وغربها وعياً يستحق الاحترام أكثر من وعي هذه المجاميع التطوعية التي تسمى مواكب والتي لديها من الطاقة المعنوية ما يكفي للدخول في كل معترك وفي كل وقت بل وتعمل تحت الضغط النفسي وتحمل كلام السفهاء، ومع ذلك فهي مستمرة، فأي طاقة وأي ثبات تحلم به شعوب الأرض، منحه الحسين لنا!

أما فاقدو الهوية والانتماء، الذين يهون عليهم التخلي ببساطة عن ثوابتهم لأبسط سبب، فليست ذريعة كورونا أول ذرائعهم لمهاجمة الشعائر، ولن تكون الأخيرة.