التوحيد

هل هناك دليل علمي على وجود الله؟!

علي الحسيني 29-08-2018 839

تعد هذه المقالة بنقد الادعاء الإلحادي القائل: بما أنّ العلم لا يثبت وجود الإله فهو غير موجود وبعبارة رسل (توفي سنة: 1970م ): ما لا يمكن للعلم اكتشافه لا يمكن للبشرية ان تعرفه.

بتحليل بسيط لهذا الادعاء تراه يرتكز على ثلاثة مسائل قابلة للتفكيك والنقد:

1ـ أدلة وجود الله لا تندرج تحت "الدليل العلمي".

2ـ الدليل العلمي هو التجريبي وحسب.

3ـ ما لا يثبت بالدليل العلمي التجريبي فلا وجود له!.  

هل كل أدلة وجود الله ليست علمية؟

هنا شقان لا ثالث لهما في تصور "الدليل العلمي" فإمّا أن يكون المقصود به خصوص التجارب المادية والمعطيات الحسية المباشرة والقضايا الجزئية الخارجية، فهذه المروحة في بيتي الآن تتحرك، والسقف المستندة عليه ساكن.

لكن مهما كثرتْ فلا تمثل في العلم قانوناً عاماً ونظرية شاملة وقاعدة كلية، فقانون: (الجسم الساكن يبقى ساكناً، والجسم المتحرّك يبقى متحرّكاً في خط ٍمستقيمٍ وسرعةٍ ثابتةٍ ما لم تؤثّر عليه قوّة خارجيّة تغيّره من حالة السكون أو الحركة) مستخلص من وقائع تجريبية وله معطيات حسية وأما نفس القانون فلا وجود مادي محسوس له، وعين الكلام يجري في قانون الجاذبية، فما في الخارج أجسام معينة تسقط من أعلى إلى أسفل، أما نفس قانون الجاذبية بل سائر القوانين العلمية بما له ولها من صفة عموم فليست محسوسة و لا وجود مادي لها، وأيضاً الإنسان والشمبانزي يشتركان في 98% من مكونات DNA، وهذا معطى حسي وبلا شك لكنه ليس هو نظرية التطور، فمن رصد ارتقاء الزواحف لثدييات وطيور مثلاً؟! لكن مع ذلك لا يجادل معظم المجتمع العلمي اليوم في كون علمية " نظرية التطور "، وحيث أنّ لازم هذا التصور فقدان النظريات العلمية وقواعد العلم الكلية لم يكن بد من توسيع مفهوم "الدليل العلمي والقضية العلمية" وعندها فالباب الذي دخلت منه القوانين العلمية المعتمدة على معلومات حسية وحوادث مادية سوغت استخلاص نظرية علمية عامة، تدخل منه مسألة وجود الإله بما ذكر لها في محله من براهين تعتمد على معطيات ومقدمات حسية كالتصميم الذكي القائم على الضبط الدقيق في الكون المستفاد من الثوابت الكونية الفيزيائية، فلعلم الفلك لا لغيره يعزو وجود خطة الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء: “أرنو بينزياس” قائلاً: « يوجه علم الفلك انتباهنا إلى حدث فريد، ألا وهو كون خلق من عدم، كون يتمتع بتوازن دقيق ويوفر الظروف المناسبة واللازمة للحياة، كون تكمن وراءه خطة يمكنني أن أسميها “فائقة للطبيعية”»

أدركُ أنّ غالبية المجتمع العلمي اليوم لا يعتبر "التصميم الذكي" نظريةً علمية من حيث أنّه نسخة معدلة من دليل النظم والغاية المطروق قديماً في الكتب الدينية، لكن هذا الموقف وبلا شك نابع من موقف آيديولوجي لا من موقف علمي مضافاً إلى أنّ القول الفصل في هذه القضية في الحقيقة ليس للعلم التجريبي وعلماؤه بل لفلسفة العلم والفلاسفة في ميدان الابستمولوجيا ونظرية المعرفة، أما تعليل عدم علمية التصميم بأنّه لا يقدم تنبؤات قابلة للاختبار فمردود بما أثبته العلم نفسه من أن فرضية الخلق قابلة للاختبار وبتنبؤها بوجود بداية للكون.

والنتيجة: كل النظريات العلمية مع صفة العموم تعتمد على مقدمات غير تجريبية، ولا أقل من مبدأ العلية، والتوضيح أكثر بتتمة المقال.

هل العلم ينحصر بالتجربة؟!

تفكيك هذه المقولة بالشكل اللازم يستدعي الخروج بدراسة نقدية للمذهب التجريبي لذا سنكتفي بتسجيل ما يلي:

اولاً: إنّ هذه المقولة تنسف ما لا يعد ولا يحصى من العلوم الإنسانية والأدوات المعرفية، فالمنهج الاستقرائي القائم على الملاحظة والرصد والتجربة منهج سليم لكن في بابه وميدانه وحدوده ونطاقه، أعني في العلوم الطبيعية: كالفيزياء والكيمياء لكن العلوم الطبيعية ليست كل شيء، فأين نضع الرياضيات التي تقوم على قواعد عقلية ومفاهيم غير متناهية؟! أيضاً المنطق والفلسفة وغيرها من علوم عقلية ذات المنهج الاستنباطي والاستدلال العقلي الذي يقوم على مقدمات عقلية بديهية تجريدية غير تجريبية؟!

هل يمكن إقامة دليل تجريبي على أي قضية رياضية مثل: 1+1=2؟! ناهيك عن الأخلاق والجمال والوجدانيات وعلوم الاجتماع والنفس والتأريخ، وهنا مفارقة عجيبة في الفكر الإلحادي، ففي الوقت الذي يحصر العلم والمعرفة بالتجربة والحس تراه يؤمن بالتطور الكبروي مع أنها جزء من العلوم التأريخية!

ثانياً: إنّ هذه الرؤية التي تعول أولاً وآخراً على الدليل الحسي المباشر لا تقوض العلوم بأسرها وحسب بل تحط من الإنسان نفسه أيضاً ذلك أنّ الحواس في الحيوان اقوى منها في الانسان!

بكل بساطة ما قاله راسل: (ما لا يمكن للعلم اكتشافه لا يمكن للبشرية ان تعرفه) ليست قضية علمية تجريبية، وبمقتضى منطقه في نفس المقولة فلا يمكن اعتبارها معرفة!

ثالثاً: العلم في ميدانه يعترف بالعجز لغز الطبيعة فيزيائياً فما بالك بقضايا الميتافيزياء؟!

" في التحليل الأخير نكون نحن أنفسنا جزء من الطبيعة، وبالتالي جزء من اللغز الذي نحاول حله" كما يقول عالم الفيزياء الألماني ومؤسس نظرية الكم الحائز على جائزة نوبل: ماكس بلانك (توفي: 1947م).

في الانفجار العظيم مثلاً الذي بدأ من نقطة صغيرة أنتجت كل هذا الكون المادي المنظور يقر العلم أنّ ذلك وقع على خلاف الثوابت الفيزيائية وفي أكثر من بُعد وقضية، فالمفردة التي بدأ منها قد تخطت ثوابت بلانك في صغرها وكثافتها وحرارتها، كما أنّ سرعة تمدد الكون تجاوز سرعة الضوء بملياري ضعف!

 لا علم بلا أوليات عقلية غير تجريبية

أغلب الموجه لهم التحذير الصحي العام المكتوب على علب السكائر: (التدخين سبب رئيس لسرطان وأمراض الرئة وأمراض القلب والشرايين) لم تُجرَ عليهم بالذات تجارب تفيد وقوعهم في تلك الأمراض جراء تدخينهم لكنه صحيح في حقهم، والسر في ذلك هو قانون السببية الذي عمم من المجرّب إلى غير المجرب، لكن ماذا عن قانون السببية هل هو قانون مستفاد من التجربة؟! لو كان كذلك فسيواجه ذات السؤال ولا تنتهي القصة ولذلك: إنّ "مبدأ العلية ليس نظرية علمية تجريبية وإنما هو قانون فلسفي عقلي فوق التجربة، لإنّ جميع النظريات العلمية تتوقف عليه، ويبدو هذا واضحاً كل الوضوح بعد أن عرفنا أنّ كل استنتاج علمي قائم على التجربة يواجه مشكلة العموم والشمول " ([1])

ليس قانون السببية فقط بل ثمة قواعد ومسلّمات عقلية بديهية مثل مبدأ الهوهوية وأنّ الشيء هو هو، وقانون عدم التناقض، واستحالة التسلسل وقانون السببية، وكل هذه القضايا غير تجريبية من أجل هذا سجل الفلاسفة قديما وحديثاً بمحدودية نتائج التجربة وعدم امكان التعميم وقرروا أن الخروج من هذا المأزق يكمن بقانون السببية فهو الذي يضفي على التجارب المحدودة مهما كثرت صفة العموم وهذا يعني أن قانون السببية غير تجريبي وإلا لكان هو الآخر غير قابل للتعميم فإن التجربة مهما كانت فلن تجرى على كل كان وما هو كائن وسيكون.

وعن النزعة العلموية التي تزعم أنّ العلم بمعناه الضيق جداً، وحده لا شريك له ولا شيء سواه يفسر كل شيء، يتحدث الحائز على جائزة نوبل في الطب يقول بيتر براين مدوّر (توفي سنة: 1987م):

"أسرع وسيلة يسيء بها العالم إلى سمعته ومهنته أن يصرح بكل جرأة وخاصة عندما لا يكون هناك ما يتطلب هذا التصريح أن العلم يعرف أو سيعرف قريباً إجابات كل الأسئلة التي تستحق أن تسأل، وأن الأسئلة التي لا تعترف بالإجابة العلمية إما ليست أسئلة أو أسئلة زائفة لا يطرحها سوى السذج ولا يحاول الإجابة عنها سوى البلهاء... محدودية العلم تتضح في عجزه عن اجابة الاسئلة البدائية الطفولية التي تتعلق بالأشياء الاولى والاخيرة مثل: كيف بدأ كل شيء؟  ما الغرض من وجودنا؟  ما مغزى الحياة "([2])

وإذن فمسألة الوجود الإلهي كالعلم في ابتنائه على بديهيات يجر انكارها لا إلى إنكار وجود الله وحسب بل إلى إنكار العلم أيضاً.

في الختام

تتهافت الإشكالية التي طرحها الإلحاد على أدلة وجود الله تعالى: بما أنّ العلم لا يدل على وجود إله وإذن فهو غير موجود، في حال زعزعة واحدة فقط من ركائزها الثلاث، كيف والمقال ناقش ثلاثتها؟!


([1]) محمد باقر الصدر – فلسفتنا ص 356

([2]) فيما يخص هذا الاقتباس وغيره مما جاء في هذا المقال، يراجع كتاب: العلم ووجود الله، جون لينوكس، ص70 و 73 و 101 و 118.