الالتزام الديني.. حقيقته ومرتكزاته وغاياته

إنّ حقيقة الالتزام الديني هي أن يكون الإنسان معنيّاً بتشخيص الدين الحقّ، ثم بتطابق أفعاله مع الدين اعتقاداً وسلوكاً.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وهو بذلك يشتمل على جزأين:

الأول: العقيدة الراشدة والصائبة في شأن وجود الله سبحانه ورسالته إلى الإنسان -التي تتمثل في تعاليم الرسل وتفصيل الاوصياء-، ومصير الإنسان بعد هذه الحياة.

فهذه أمور ثلاثة مهمّة يجب على المرء اكتساب الرشد فيها والوقوف على الحق في شأنها، ولا يستغني أيّ إنسان عن متابعة هذه المواضيع الثلاثة متابعة جادّة يتحمل مسؤوليّة الخطأ والصواب فيها، ثم الاعتقاد بالعقيدة الراشدة في شأنها.

الثاني: الالتزام العملي بالتعاليم الدينية المتعلقة بالمجالات الثلاثة وهي مترابطة فيما بينها:

١- تنظيم سلوك الإنسان تجاه نفسه، والمراد به استحقاقات النفس الإنسانية التي ينبغي للمرء أن يفي من السير بها في مسير الرشد والحكمة والسعادة وتجنّب الغيّ والعبث والشقاء بمنظور جامع.

٢- تنظيم سلوك الإنسان تجاه الله سبحانه، حيث إن الإنسان قد فطر على الشعور بالله سبحانه، وهو سبحانه -خالقه والمنعم عليه- معني به، فينبغي أن يقوم تجاهه مقام الذكر والشكر بالآداب والعبادات اللائقة به.

٣- تنظيم سلوك الإنسان تجاه الآخرين ممن يشترك معه في وشيجة عامة أو خاصة، كالإنسانية والأبوّة والأمومة والرحم والجوار والعشرة والإحسان والاشتراك في الدين وغيرها، وان لكل وشيجة استحقاقاً يجب على المرء الوفاء بها.

وأما مرتكزات الالتزام الديني فالواقع أن توفيق الإنسان في الالتزام بذلك يتوقف على عدة خصال فطر عليها، ولكن لا بد له من صقلها وتمنيتها:

١- عنصر التعقل: بمعنى الإدراكات المناسبة واللائقة للأمور، وتمييز الحق من الباطل والصحيح من الزائف والبيّن عن المشتبه، وكلما كان الأمر أكثر خطورة كان التعامل معه بعقلانية أكثر أهمية.

٢- عنصر الحكمة والايقاظ والاعتبار حتى يندفع الإنسان تجاه ما يدركه ويتعقله، فينتفع بعلمه، ولا يكون هناك بون بين ما يقربه وبين عمله، والاتصاف بالحكمة يكون أكثر أهمية في الأمور الخطيرة والمصيرية.

٣- عنصر الفطرة الأخلاقية: التي تنطوي على محاسن الخصال من العدل والصدق والشكر والوفاء والعفاف وأخواتها، فإن هذه الخصال تعين الإنسان على معرفة الوظائف وأدائها فلا بد من سعي الإنسان إلى تعميقها وترسيخها حتى ينتبه إلى مقتضياتها في مواضعها ويستجيب لها.

٤- الكمالات النفسية التي تساعد المرء على بلوغ غاياته، منها الشجاعة في الإقدام ويقابلها الجبن والتهور، ومثل العزيمة الأكيدة على الإنجاز ويقابلها التكاسل والفتور والضعف على إنجاز المهمة، ومنها الحلم ويقابله الانفعال السريع والاستعجال الضار في التصرف أو القرار، ومنها الغيرة على المبادئ في مقابل الاستخفاف بها واللامبالاة تجاهها، ومنها الحياء عن الأمور الذميمة وغير اللائقة في مقابل التطبع عليها والاسترسال فيها.

فتلك خصال معينة على الالتزام الديني ولذا ورد في القران الكريم والاحاديث النبوية وكلمات اهل البيت (عليهم السلام) قرن الايمان والصلاح بالعقل والحكمة والفطرة والاخلاق النبيلة والكمالات النفسية.

وأما غايات الالتزام الديني: فهو رقي الإنسان وكماله وسعادته وفق سنن خلقه بمنظور جامع يأخذ بنظر الاعتبار آفاق وجود الإنسان إن حاضراً او مستقبلاً في هذه الحياة وما بعدها.

وذلك لأن الإنسان كائن ينمو لا محالة في اتجاه ما، كما هو حال الطفل الذي يكبر ويترعرع، وهو باق بعد هذه الحياة وفق معرفته وخصاله وسيرته وسلوكياته في هذه الحياة، فكما أن المفروض بأولياء أمر الطفل الاهتمام بنمو الطفل في الاتجاه الضامن لرقيّه وتكامله وسعادته، فكذلك المفروض بالإنسان الراشد أيضا الاهتمام بذلك في شأن نفسه، لأنه أيضاً مستمر في النمو، إلا أنه بالنظر الى بلوغه مرحلة الرشد فإنه يكون هو المسؤول عن نفسه بتحري سبيل الرشد والسير عليه ليضمن لنفسه الرقي والتكامل والسعادة بالمنظور الجامع الشامل للدنيا والآخرة.

وإن الإنسان المؤمن ليجد في الدين المنهج الراشد والجامع وفي الالتزام بتعاليمه ما يصل بها إلى صلاحه وسعادته وارتقائه في مدارج الكمال .

وصدق الله العلي العظيم حيث يقول: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).