عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الأَوَّلِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُه عَنِ الْمَيِّتِ يَزُورُ أَهْلَه؟ قَالَ: نَعَمْ فَقُلْتُ: فِي كَمْ يَزُورُ؟ قَالَ: فِي الْجُمْعَةِ وفِي الشَّهْرِ وفِي السَّنَةِ عَلَى قَدْرِ مَنْزِلَتِه فَقُلْتُ: فِي أَيِّ صُورَةٍ يَأْتِيهِمْ؟ قَالَ: فِي صُورَةِ طَائِرٍ لَطِيفٍ يَسْقُطُ عَلَى جُدُرِهِمْ ويُشْرِفُ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ رَآهُمْ بِخَيْرٍ فَرِحَ وإِنْ رَآهُمْ بِشَرٍّ وحَاجَةٍ حَزِنَ واغْتَمَّ"([1]).

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

هل الفقرة الأخيرة صحيحة؟ هل يأتي الميِّت أهلَه في صورة طائر؟

الرواية معتبرة من حيثُ السند، وليس معنى يزور أهلَه في صورةِ طائرٍ أنَّه يكون قابلًا للرؤية البصريَّة، فالصورةُ المقصودة من الرواية -ظاهرًا- صورةٌ برزخيَّة غير قابلةٍ للرؤية بالعين الباصرة لأهل هذا العالم، وهذا هو مفاد قوله (ع): "فِي صُورَةِ طَائِرٍ لَطِيفٍ" فإنَّ وصف اللطيف يُطلقُ -فيما يُطلق- على ما رقَّ من الأشياء وما استدقَّ، وذلك في مقابل الثخين والغليظ، ولذلك يُقال للمعاني الدقيقة أنَّها لطائف، ويُعرِّفُ علماءُ الكلام الملائكة بأنَّهم أجسامٌ لطيفة يقصدون مِن ذلك أنَّها مخلوقة من طبيعة وجوهرٍ غيرِ قابلٍ للرؤية البصريَّة.

فالظاهر أنَّ مراد الرواية من وصف الطائر باللطيف هو الإشارة إلى خفائه وعدم قابليته للرؤية البصريَّة.

معنى يزورُ أهلَه فِي صُورَةِ طَائِرٍ:

وأمَّا قوله: يأتيهم "فِي صُورَةِ طَائِرٍ" فالظاهر أنَّ المراد من ذلك هو أنَّه يُمنحُ بفضل الله تعالى القدرةَ على التحليق والطيران فذلك هو منشأ تشبيهه بالطائر لا أنَّه يكون في صورة طيرٍ كالطيور المعهودة عندنا فإنَّ ذلك منافٍ -ظاهرًا- للروايات المستفيضة التي نصَّت على أنَّ الله تعالى إذا قبض روح المؤمن صيَّرها في قالبٍ كقالبه في الدنيا بمعنى أنَّه تعالى يُصيِّرها في صورةٍ مثاليَّة برزخيَّة تُشبه صورة الجسد الذي كان عليه في الدنيا، فالصورة التي يكون عليها في عالم البرزخ تُشبه الصورة التي كان عليها في عالم الدنيا ولكنَّها في عالم البرزخ تكون مناسبة لتلك النشأة وذلك العالم.

فمن الروايات التي نصَّت على ذلك:

ما رواه الكليني بسنده عن يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فَقَالَ: مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقُلْتُ: يَقُولُونَ تَكُونُ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): سُبْحَانَ اللَّه الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَه فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ، يَا يُونُسُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَتَاه مُحَمَّدٌ (ص) وعَلِيٌّ وفَاطِمَةُ والْحَسَنُ والْحُسَيْنُ (ع) والْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (ع) فَإِذَا قَبَضَه اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ صَيَّرَ تِلْكَ الرُّوحَ فِي قَالَبٍ كَقَالَبِه فِي الدُّنْيَا.. فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْقَادِمُ عَرَفُوه بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا"([2]).

فقوله: "صَيَّرَ تِلْكَ الرُّوحَ فِي قَالَبٍ كَقَالَبِه فِي الدُّنْيَا" يعني صيَّرها في قالبٍ يُشبه صورة الجسد الذي كان عليه حين كان في عالم الدنيا، لذلك إذا قدم هذا الميِّتُ على مَن سبقه إلى عالم البرزخ عرفوه بتلك الصورة التي كانوا يرونه عليها حين كانوا في عالم الدنيا.

وقد نفت الرواية ما هو متداول عند أبناء العامَّة مِن دعوى أنَّ أرواح المؤمنين تكون في حواصل طيورٍ خضر، وأفاد الإمام (ع) أنَّ: "الْمُؤْمِن أَكْرَمُ عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَه فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ".

ومنها: صحيحة أبي بصير قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن أرواح المؤمنين؟فقال: في الجنَّة على صور أبدانهم لو رأيته لقلتَ فلان"([3]).

فأرواحهم في تلك النشأة تكون في صورٍ مثاليَّة تُشبهُ صور أبدانهم حتى أنَّه لو رآهم مَن كان يعرفهم لأمكنه تشخيص هويتهم تمامًا كما لو رأى النائم في منامه أحد الأموات من معارفه.

ومنها: صحيحة أَبِي وَلَّادٍ الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ قُلْتُ لَه: جُعِلْتُ فِدَاكَ يَرْوُونَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ حَوْلَ الْعَرْشِ؟ فَقَالَ: لَا، الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّه مِنْ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَه فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ ولَكِنْ فِي أَبْدَانٍ كَأَبْدَانِهِمْ"([4]).

أقول: يعني أنَّهم يكونون في أبدانٍ مثاليَّة تُشبه صور الأبدان التي كانت لهم في عالم الدنيا.

ومنها: موثقة أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي عَبْدِ اللَّه (ع): إِنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا فِي حَوَاصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرْعَى فِي الْجَنَّةِ وتَأْوِي إلى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَقَالَ: لَا إِذًا، مَا هِيَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ، قُلْتُ فَأَيْنَ هِيَ؟ قَالَ (ع): فِي رَوْضَةٍ كَهَيْئَةِ الأَجْسَادِ فِي الْجَنَّةِ"([5]).

مقتضى الجمع بين الروايات:

فالهيئات التي تُجعل لهم في عالم البرزخ تُشبهُ الهيئات التي كانت لأجسادِهم في الدنيا، والروايات في ذلك مستفيضة، والعديدُ منها معتبرة من حيث السند، ولذلك يتعيَّن حملُ ما ورد من أنَّهم يزورون أهلهم في صورة طائرٍ لطيف على إرادة التشبيه بالطائر من جهة قدرتهم على التحليق والإشراف وسرعة التنقُّل لا أنَّهم يكونون في صورة الطائر المعهود وعلى ذلك يُحمل ما ورد في رواية أخرى لإسحاق بن عمَّار عن أبي عبد الله (ع) أنَّ الميِّت يزور أهله "فِي صُورَةِ الْعُصْفُورِ أَوْ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ"([6]).

فإنَّ التشبيه بالعصفور إنما هو من جهة الخفَّة وسرعة التنقل والقدرة على الإشراف لا أنَّه يكون على صورة العصفور حقيقة كما أفاد ذلك الميرزا أبو الحسن الشعراني (رحمه الله) كما في هامش كتاب الوافي للفيض الكاشاني قال الشعراني (رحمه الله): "قوله (في بعض صور الطير) تشبيه في سرعة الحضور والحركة والاشراف لا أنَّ الأرواح في صورة طيرٍ حقيقةً لأن الإمام (عليه السلام) كذَّب ذلك وقال: إنَّ الأرواح في أبدان كأبدانِهم الدنيويَّة"([7]).

الهوامش:

[1]- الكافي -الكليني- ج3 / ص230.

[2]- الكافي -الكليني- ج3 / ص245.

[3]- تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص466.

[4]- الكافي -الكليني- ج3 / ص244.

[5]- الكافي -الكليني- ج3 / ص245.

[6]- الكافي -الكليني- ج3 / ص231.