يوجدُ في هذهِ المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

الأوّلُ: أنَّ اللهُ سبحانهُ يُحيي إسرافيلَ (عليهِ السّلامُ) لينفخَ نفخةَ البعثِ في الصّورِ، كمَا ذهبَ إليهِ ابْنُ كثيرٍ في تفسيرهِ، قالَ: (فقولهُ تعالى: "ونُفخَ فِي الصّورِ فصَعقَ مَن فِي السّماواتِ ومَن فِي الأرضِ إلّا مَن شاءَ اللهُ"، هذهِ النّفخةُ هيَ الثّانيةُ وهيَ نفخةُ الصّعقِ وهيَ التي يموتُ بهَا الأحياءُ مِن أهلِ السّماواتِ والأرضِ إلّا مَن شاءَ اللهُ كمَا جاءَ مصرّحاً بهِ مفسّراً فِي حديثِ الصّوْرِ المشهورِ ثمَّ يقبضُ أرواحَ الباقينَ حتَّى يكونَ آخرُ مَن يموتُ ملكُ الموتِ وينفردُ الحيُّ القيومُ الذي كانَ أوّلاً وهوَ الباقِي آخراً بالدّيمومةِ والبقاءِ ويقولُ "لمَنِ المُلكُ اليومَ" ثلاثَ مرّاتٍ ثمَّ يجيبُ نفسهُ بنفسهِ فيقولُ "للهِ الواحدِ القهّارِ" أنَا الذِي كنتُ وحدِي وقَد قهرتُ كلَّ شيءٍ وحكمتُ بالفناءِ على كلِّ شيءٍ ثمَّ يُحيي أوّلَ مَن يحيِي إسرافيلَ ويأمرهُ أن ينفخَ في الصّورِ أخرى وهيَ النّفخةُ الثّالثةُ نفخةُ البعثِ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: "ثمَّ نفخَ فيهِ أخرى فإذا هُم قيامٌ ينظرونَ"). [تفسيرُ ابْنِ كثيرٍ 4: 69].

الثّانِي: أنَّ اللهَ سبحانهُ يستثنِي إسرافيلَ (عليهِ السّلامُ) مِنَ الموتِ لينفخَ نفخةَ البعثِ، كمَا يذهبُ إليهِ البعضُ في تفسيرِ قولهِ تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) الزّمرُ: 68. انظُر: تفسيرُ الطّبري ج21 ص 330.

 الثّالثُ: مَا وردَ عَن أئمّةِ أهلِ البيتِ (عليهِمُ السّلامُ) أنَّ الذي يتولّى نفخةَ البعثِ هوَ اللهُ عزَّ وجلَّ، جاءَ فِي تفسيرِ "البُرهانِ": قولهُ تعالى: (ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ). - عليُّ بنُ إبراهيمَ، قالَ: حدّثنِي أبي، عنِ الحسنِ بنِ محبوبٍ، عَن محمّدٍ بنِ النّعمانِ الأحولِ، عَن سلامِ بنِ المستنيرِ، عَن ثويرِ بنِ أبي فاختةَ، عَن عليّ بنِ الحُسينِ (عليهمَا السّلامُ)، قالَ: سُئلَ عَنِ النّفختينِ، كَم بينهمَا؟ قالَ: «مَا شاءَ اللهُ».

فقيلَ لهُ: فأخبرنِي يا ابْنَ رسولِ اللهِ، كيفَ يُنفخُ فيهِ؟ فقالَ: «أمَّا النّفخةُ الأولى، فإنَّ اللهَ يأمرُ إسرافيلَ فيهبطُ إلى الأرضِ ومعهُ الصّورُ، وللصّورِ رأسٌ واحدٌ وطرفانِ، وبينَ طرفِ كلِّ رأسٍ منهمَا ما بينَ السّماءِ والأرضِ، فإذا رأتِ الملائكةُ إسرافيلَ وقَد هبطَ إلى الدّنيا ومعهُ الصّورُ، قالوا: قَد أذنَ اللهُ فِي موتِ أهلِ الأرضِ، وفي موتِ أهلِ السّماءِ، قالَ: فيهبطُ إسرافيلُ بحظيرةِ بيتِ المقدسِ ويستقبلُ الكعبةَ، فإذا رأوهُ -أهلُ الأرضِ- قالوا: قَد أذنَ اللهُ فِي موتِ أهلِ الأرضِ، قالَ: فينفخُ فيهِ نفخةً فيخرجُ الصّوتُ مِنَ الطّرفِ الذي يلي الأرضَ، فلا يبقى فِي الأرضِ ذو روحٍ إلّا صَعقَ وماتَ، ويخرجُ الصّوتُ منَ الطّرفِ الذي يلي السّماءَ، فلا يبقَى ذو روحٍ في السّماواتِ إلّا صعقَ وماتَ إلّا إسرافيلَ».

قالَ: «فيقولُ اللهُ لإسرافيلَ: يا إسرافيلُ مُت فيموتُ إسرافيلُ، فيمكثونَ فِي ذلكَ مَا شاءَ اللهُ، ثمَّ يأمرُ اللهُ السّماواتِ فتمورُ، ويأمرُ الجبالَ فتسيرُ، وهوَ قولهُ تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً وتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً) يعنِي تنبسطُ وتُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ، يعنِي بأرضٍ لم تُكتسَب عليهَا الذّنوبُ، بارزةً ليسَ عليهَا جبالٌ ولا نباتٌ، كمَا دحاهَا أوّلَ مرّةٍ، ويعيدُ عرشهُ على الماءِ كمَا كانَ أوّلَ مرّةٍ، مُستقلّاً بعظمتهِ وقدرتهِ - قالَ -: فعندَ ذلكَ يُنادِي الجبّارُ جلَّ جلالهُ بصوتٍ مِن قبلهِ جهوريّ يسمعُ أقطارَ السّماواتِ والأرضينَ: لِمَنِ الملكُ اليومَ؟ فلا يجيبهُ أحدٌ، فعندَ ذلكَ يجيبُ الجبّارُ عزَّ وجلَّ مجيباً لنفسهِ: للهِ الواحدِ القهّارِ وأنا قهرتُ الخلائقَ كلّهُم وأمَتّهُم، إنِّي أنا اللهُ لا إلهَ إلّا أنا وحدي، لا شريكَ لِي ولا وزيرَ، وأنَا خلقتُ خلقِي بيدِي وأنا أمتّهُم بمشيّتِي، وأنَا أحييهِم بقدرتِي، قالَ:

فينفخُ الجبارُ نفخةً فِي الصّورِ، فيخرجُ الصّوتُ مِن أحدِ الطّرفينِ الذي يلي السّماواتِ، فلا يبقَى أحدٌ في السّماواتِ إلّا حييَ وقامَ كمَا كانَ، ويعودُ حملةُ العرشِ، وتعرضُ الجنّةُ والنّارُ، وتحشرُ الخلائقُ للحسابِ». قالَ: فرأيتُ عليّاً ابنَ الحسينِ (عليهمَا السّلامُ) يبكِي عندَ ذلكَ بكاءً شديداً. إنتهى [البرهانُ في تفسيرِ القرآنِ، للسّيّدِ هاشمٍ البحرانيّ  4: 728].