هنالك فردان يخافان من الموت؛ أحدهما من يفسّره بمعنى العدم والفناء المطلق، و الآخر من كانت صحيفة أعماله سوداء و مظلمة، أمّا من لم يكن من هؤلاء ولا اولئك فما مبرر خشيته من الموت، أفهناك شي‏ء يفقده من جراء الموت؟ مشهورة هي حكاية «ماء الحياة» و التي تتناقل بسرعة فائقة حيث أقدم الإنسان منذ قديم الأيام بالبحث عن شي‏ء يسمى «إكسير الشباب» و قد نمقوه بالأساطير و الخرافات و عقدوا عليه الآمال.

و لعل القضية تفيد حقيقة تكمن في خشية الإنسان من الموت وحبّه لمواصلة الحياة و الهروب من نهايتها، على غرار إسطورة «الكيمياء» تلك المادة الكيميائية الخفية التي لو أُضيفت على النحاس الذي لا قيمة له جعلته ذهباً ذا قيمة باهضة، و التي تفيد خوف الإنسان من الفقر الاقتصادي و مدى سعيه للحصول على الثروة. و إسطورة إكسير الشباب هي الأخرى تعكس هلع الكهولة و الضعف والتآكل و بالتالي الموت و نهاية الحياة.

إنّ أغلب الناس يخشون الموت و يهربون من مظاهره و يشمأزون من إسم المقبرة و يسعون جاهدين لاطماس الماهية الأصلية للقبور من خلال تزيينها و إضفاء بعض الجمالية عليها، حتى أنّهم يلجأون إلى‏ تحذير الأفراد من بعض الأشياء الخطرة- غير الخطرة التي لايريدون للآخرين أن يقتربوا منها أو يخربوها من خلال الكتابة عليها «خطر الموت» و يرسمون عليها صورة لعظمين من عظام ميت في حالة علامة في خلف جمجمة جوفاء خالية من الروح تطالع الإنسان. و قد حفلت النتاجات الأدبية لمختلف أصقاع الدنيا بما يفيد خوف الإنسان من الموت، فبعض العبارات من قبيل «هيولا الموت»، «شبح الموت»، «صفعة الموت» و «مخالب الموت» و ما إلى‏ ذلك من التعبيرات التي تدل على‏ مدى‏ القلق والهلع و الاضطراب. كما يؤيد ذلك القصة المعروفة بشأن رؤيا هارون الرشيد- الذي رأى‏ في المنام سقوط جميع أسنانه- فعبّر له شخصان تلك الرؤيا قال الأول: يموت جميع أفراد أهلك قبلك. و قال الثاني: إنّ عمر الخليفة سيكون أطول من جميع قرابته، فما كان ردّ فعل هارون الرشيد إلّاأن وهب الثاني مئة دينار، بينما جلد الأول مئة جلدة، فهذا دليل آخر على‏ خشية الإنسان من الموت.

و ذلك لأنّ الفردين عبّرا عن حقيقة واحدة، إلّاأنّ أحدهما ذكر الموت بالنسبة لقرابة الخليفة فكان جزاؤه مئة جلدة، وعبّر الآخر عن ذلك الموت بطول عمر الخليفة فتناول مئة دينار!. ناهيك عن كل ما سبق فقد إعتاد الناس بعض الأمثال و العبارات التي تكشف عن مدى‏ خشيتهم من الموت، فإذا أرادوا مثلًا تشبيه فرد بآخر ميت في قضية إيجابية خاطبه قائلًا «إسم اللَّه عليك» أو «أبعد اللَّه عنك» ذلك، أو فليخرس لساني سيصبح الأمر بعدك كذا و كذا، أو ترتيب الأثر على كل شي‏ء يبعد احتمال الموت أو يكون مؤثراً في طول العمر، و إن بدا خرافة تماماً ولا أساس له و كذلك أدعيتهم التي تتضمن كلمة الدوام و الخلود من قبيل: دام عمره، دام مجده، دامت بركاته، خلد اللَّه ملكه، أطال اللَّه عمره و كل عام و أنتم بخير و ...! و التي تشكل كل واحدة منها دلالة على‏ هذه الحقيقة. طبعاً لا يمكننا إنكار وجود بعض الأفراد النادرين الذي ليس لهم أدنى خشية من الموت، حتى أنّهم يسارعون لاستقباله، إلّاأنّهم قلائل، كما أنّ العدد الحقيقي أقل بكثير من اولئك الذين يزعمون ذلك.

ما مصدر هذا الخوف و القلق من الموت؟

عادة ما يخشى الإنسان «الزوال» و «العدم». يخشى «الفقر»، فهو زوال الثروة. يخشى «المرض» لأنّه زوال السلامة و العافية. يخشى «الظلمة» حيث ليس فيها نور. يخشى «الصحراء» و قد يخشى «الدار الخالية» لأنّه لا أحد فيها. بل يخشى الميت حيث لاروح فيه، و الحال لايخشى ذلك الشخص حين كان على قيد الحياة و الروح فيه! و بناءاً على ما تقدم فإن خشي الإنسان الموت فذلك لأنّه يراه «فناءاً مطلقاً» و عدماً لكل شي‏ء. و إن خشي الزلزلة و الصاعقة و الحيوان المتوحش، فذلك لأنّها تهدد وجوده بالفناء و العدم.

طبعاً لايبدو هذا الأمر غريباً من وجهة النظر الفلسفية، لأنّ الإنسان «وجود» و الوجود ينسجم مع الوجود الآخر، بينما ليست له أية سنخية وتناسب مع العدم، فما عليه إلّاالفرار و الهرب منه، لم لايهرب؟ إلّا أنّ هناك قضية مهمّة هنا لاينبغي الغفلة عنها و هي: كل هذه الأمور صحيحة إذا فسّر الموت بمعنى الفناء و العدم و نهاية كل شي‏ء، و الحق لو فسّر كذلك فليس هناك شي‏ء أعظم رهبة منه، و كل ما قيل بخصوص هيولا الموت هو عين الصواب. أمّا إن إعتبرنا الموت- كولادة الجنين من بطن أمّه- ولادة أخرى و آمنا بإنّ اجتيازنا لهذا الممر الصعب يعني وضع أقدامنا في عالم أوسع و أشمل وأكمل من هذا العالم و هو مليى‏ء بأنواع النعم التي يصعب علينا تصورها في ظل الظروف الراهنة و الحياة الفعلية. و خلاصة القول فإن اعتبرنا الموت أكمل و أسمى من هذه الحياة، و التي لا تعد سوى سجناً إن قارناها بالحياة في ذلك العالم، فمن الطبيعي سوف لن تعد للموت مثل هذه المعاني التي تشير الخوف و الهلع و النقرة لدى‏ النفس، وستكون له معاني جمالية رائعة قريبة من القلب محببة إلى‏ النفس.

لأنّه إن سلب من الإنسان جسمه زوده بالأجنحة ليحلق بها في سماء الأرواح الشفافة اللطيفة التي تفوق التصور و الخيال و الخالية من كافة أشكال الإقتتال و التراع و العداء و الهموم و الغموم. و هنا نتذكر ذلك الشاعر الذي له مثل هذه الأفكار و هو يأمر حكيماً عالماً بلغة الشعر: فلتمت أيّها الحكيم من مثل هذه الحياة، فالموت من هذه الحياة لايعني سوى البقاء، و لتحلق بأجنحتك كالطيور فتطوي تلك المسيرة الكاملة، ولا تخشى من الحياة التي تنتظرك فالخشية لابدّ أن تكون من هذه الحياة الضيقة المحدودة. فمن البديهي أنّ من ينظر هكذا إلى‏ مسألة الموت لن يقول أبداً أنّ الموت حالة عبثية لا طائل من وراءه أو هو إنتحار و قتل للنفس، بل يراه حقيقة سامية يحث الخطى من أجل معانقتها، و ما أجمله إن كان وسيلة لبلوغ الأهداف المقدسة و السامية، و خلاص الإنسان من الذلة و الخنوع والبؤس و الشقاء.

العنصر الآخر لخشية الموت‏

هناك طائفة أخرى‏ تخشى الموت لا لأنّه يعني الفناء و العدم المطلق، بل لأنّ صحيفة أعمالهم بلغت درجة من الاسوداد و الظلمة بحيث يشاهدون بأم أعينهم ما سيترتب عليها من جزاء أليم و عذاب شديد سيطالهم بعد الموت، أو على الأقل أنّهم يحتملون ذلك. فهؤلاء أيضا محقون في خشيتهم الموت، لأنّهم بمثابة المجرم الذي اقتيد من قضبان السجن و حمل إلى‏ المقصلة، طبعاً الحرية و الخلاص مطلوب، لكن لا التحرر من السجن نحو المشقة! فحرية هؤلاء من سجن البدن أو سجن الدنيا يتزامن و حركتهم نحو المقصلة، «المقصلة» لا بمعنى الإعدام بل بمعنى العذاب الأسوأ منه. ولكن ما بال اولئك الذين يخشون الموت و لايرونه فناءاً وعدماً، كما ليس لهم من صحيفة أعمال سوداء؟ لِمَ يرهبون الموت في سبيل تحقيق الأهداف المقدسة؟ لماذا؟ ...

يتبع...