فكر وثقافة

العلمانية: أفكار محايدة أم مذهب فلسفي؟!!

الشيخ صلاح الخاقاني 01-04-2018 371

العلمانية كيان فكري يتجسد وجوده في تماسه مع الدين كما يتجسد وجود الذات في تماسها مع الاخر، فهي رغم اتجاهاتها وتنظيراتها المتفاوتة، يتقوّم هيكلها الاساس بفكرة ثابتة تدعو الى إقصاء الدين عن اي دور او سلطة في المجتمع وإبداله بسلطة العقل والقانون التي تسعى لتحقيق مفردات مثل الديمقراطية والحرية والمجتمع المدني، والتي ترى في تطبيقها خلقا للمجتمع المتكامل السليم الذي ستسوده بفعل سلطتها البديلة حالة من التسامح والتعايش السلمي. وتؤكد على نجاح تنظيراتها من خلال ما قدمته لجميع مكونات المجتمع وأطيافه من إمكانية للحياة بما يشاءون من تصورات وقناعات ضمن إطار من المواطنة يقوم على الموازنة بين الحقوق والواجبات.

لكن السؤال المطروح: هل استطاعت العلمانية حقا أن تترك للمتدين الفرصة الكافية لممارسة تدينه؟ أو ان المتدين إذا ما تقاطع مع الخط العلماني ضمن دائرة المجتمع هل يكون قد أخل بالتسامح والتعايش السلمي؟

الجواب: كلا

وذلك لان العلمانية وضعت لنفسها اعتبارات معينة وتصورت الدين تصورا خاصا ثم راحت تفرض ذلك على المتدين، وعلى المتدين ان يحدد نفسه باعتباراتها الفكرية وتصورها الخاص أو يكون قد أخل بقانون التعايش السلمي. 

 ويتبين ذلك بما يلي:

اولا: لقد حددت العلمانية مفهوما ضيقا للدين في أنه مجرد تصديق بفكرة غيبية معينة.. يعبّر عنها بطقوس هي الشعائر، فيما يرى المتدين أن الدين واقع حياتي لا يفرضه على الاخر بالضرورة ولكنه ملزم من خلاله بالكثير من التحفظات التي تمس علاقته بالآخر.

ثانيا: العلمانية تتبنى مفاهيم اساسية في الحياة الاجتماعية مثل الحرية والاخلاق وغيرها ثم تفرض على المتدين نفس وجهة النظر التي تتبناها، فهي مثلا تطرح الحرية على أنها "الانسان يختار ما يريد ويفعل ما يشاء شريطة ان لا يتعارض مع الاخر"، وتؤمن بنسبية القيم الاخلاقية وانها تبع لظروف الزمان والمكان فيما يؤمن المتدين ـ بغض النظر عن العقيدة الدينية ـ برؤية اخرى للحرية وبثبات القيم، وعليه فإن للمتدين اتجاه فكريا وموقفا فلسفيا مفارقا للعلمانية،  فإذا ما عارضها فليس بالضرورة أنه  يفعل ذلك انطلاقا من عقيدته التي تنص "أن فكرة الله تمثل الحقيقة المطلقة ولأحكامه المكانة العليا وعلى الجميع أن يخضعوا لها شاءوا أم أبوا" بل لأنه يمتلك ـ في الحياة والمجتمع ـ مواقف فلسفية مغايره لما يعتقده العلمانيون.

ثالثا: المتدين يؤمن ان لأحكام الدين ملاكات ومصالح ستؤمّن له الخير في تفاصيل حياته.. وربما دفعته هذه الاحكام في علاقته بالآخر الى حالة لا ترتضيها العلمانية.

وعلى ذلك فالعلمانية ليست ارضا محايدة في عالم الافكار بل مذهب فلسفي مقابل لمذهب فلسفي آخر ينتمي اليه المتدين، وإصرارها على انخراطه ضمن تخطيطها الاجتماعي هو بمثابة اضطهاد للآخر ـ المتدين ـ وإلغاء له، وهي تصر على تطبيق مفاهيم كالحرية والاخلاق وغيرها ضمن ما يحدده مذهبها الفلسفي مانعة المتدين من تطبيق مذهبه.. كما وأن العلماني وهو يعيب على المتدين انطلاقه من قواعد يزعم انها من خارج الوعي الانساني والتاريخ "المتدين يدعي امتلاكه الادلة على ذلك" قد راح يفرض مفاهيم،  متفق سلفا على انها داخل الوعي الانساني والتاريخ،  على أنها من خارجهما،   فالديمقراطية التي يتبناها العلماني وكأنها مفهوم محصّن،  لا يختلف اثنان في ان هذا المفهوم نشأ من حركة معينة في التاريخ وقد سدد له سهام النقد عدد كبير من الفلاسفة خلال مسيرة الفكر الفلسفي.  

وهنا لابد من الاشارة الى انني لا اتطرق الى الموضوع الواسع الذي يشغل الساحة الفكرية في قدرة العلمانية أو الدين على رفد الحياة بالنظريات الكفيلة بتقدم المجتمع وحلول مشاكله على صعيد العلم والاقتصاد والسياسة.. بل أشير الى حالة ضيقة على الصعيد المحلي وهو ما يوجهه العلمانيون من تخطئة لأنصار الدين في موقفهم المتقاطع مع الخط العلماني.