شعوباً وقبائل: البشرية مجتمع واحد والتعارف يصنع الحضارة

الحضارة -3-

حين نجد الإسلام يعتمد الإنسانية كأساس ومعيار ليكون بعد ذلك صنع الحضارة مشاعاً للجميع ما داموا يمتلكون الصفة الإنسانية، فيقول القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)[1]...

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

فهذه الآية الكريمة بيّنت الأساس المعتمد في أن البشرية مجتمع واحد ينتسب إليه كل ابن ذكر وأنثى من الناس، والاختلاف في الشعب والقومية والجنس هو من خارج النوع الإنساني فهو جعلٌ من الله، ويكون التعارف أساسا لصنع الحضارة، فتكون بذلك الحضارة منجزاً مصنوعاً من قبل عموم الجنس البشري لتدفع بعمومه إلى التطور والخير والرفاه، ولاشك أن التعارف هنا خليق بصنع حضارة ذات مؤشر أعلى بكثير مما نجده في الحضارات الأممية، فالملايين التي أبادتها الأمم المتحضرة استبداداً وطغياناً، لاشك أن فيها من الطاقات والكفاءات ما يمكن أن يرتفع بها المؤشر الحضاري العالم، أو المناخ الاجتماعي الخانق الذي لا تسمح الدول الاستعمارية بغيره للدول الضعيفة لابد إنه قد ضيع على أصحاب مواهب وطاقات فرصة الوصول لما يتمكنوا به من تطور مواهبهم وإنضاجها، وكمثال ما نشهده اليوم من أعداد كبيرة من ذوي اللون الأسود وهم يبدعون على مختلف الأصعدة فيؤدي هذا بنا إلى سؤال مهم وهو أن البشرية كم أهدرت من طاقات وكفاءات طوال عشرات القرون وهي تعكف على معاملة العبيد كالحيوانات؟!

ننتهي من كل هذا إلى أن ما ينتج عن العلاقة بين البنى التحتية والفوقية هو التموضع أو النسبية أو ما يسمى بداخل التاريخ، وقبالته الوحي المطلق، حيث أنه منزه عن كل خلفية مسبقة، ومنزه عن كل الآليات والعلاقات الجدلية، أو كما بينت في تعريفي للدين، هو ما لله من إشراف مطلق على الواقع الكلي.

وبذلك تصير لدينا نتيجة واضحة وهي أننا إذا أردنا أن نغير الإنسان أو المجتمع علينا أن نغير بناه الفوقية من خلال تغيير بناه التحتية لينتج لنا مجتمعا متموضعاً بشكل مغاير عن الحالة الأولى... أو أنه يهطع لقيادة الوحي كيما نحصل على إنسان ومجتمع مثاليين.    

بمعنى أن المشكل الإنساني على صعيد المعرفة متأتٍّ إما من محدودية العقل الإنساني فينسحب هذا على قدرته على التشخيص، أو الوقوع تحت تأثير الظرف التاريخي الذي ينتج عادة من الطغيان البشري فينتج فكراً لا يمثل غير ردة فعل حيال التجربة التاريخية وليس واقعاً فعليا وفي الحالين ربما تورط بالخروج عن دائرة القليل الممكن من العلم والمعرفة[2]، وخير شاهد على ذلك ما نقف عنده اليوم من حلقات غير منتهية للمسلسل الفكري البشري.

 

الهوامش:


[1] الحجرات 13

[2] أشير بهذا الى قوله تعالى