التخلّي عن الدين.. لماذا ينتشر الإلحاد في مجتمعاتنا؟ (فيديو)

الإلحاد والغزو الفكري: الدوافع، الآثار والحلول

السيد منير الخباز

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)

الحديث حول ظاهرة الإلحاد من حيث الدوافع والمحاور

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وهنا نقطتان:

النقطة الأولى: ماهي أسباب وعوامل هذه الظاهرة؟

وهنا نلخص عوامل ظاهرة الإلحاد وأسبابه في ثلاثة أسباب:

السبب الأول: الرغبة في التحرر.

السبب الثاني: المنتج الديني، الفكر المنتج الديني عبر المنابر والمساجد والفضائيات ووسائل التواصل وهذا الفكر ينقصه عدة أمور:

أ - ينقصه المواكبة.

ب - ينقصه الجاذبية.

ج - تنقصه البلورة.

فهذا الفكر تنقصه هذه العناصر الثلاثة فهو ليس مواكب لثقافة العصر ومتغيراته، وليس فيه إجابات مقنعة عن الإشكالات والشبهات على مبدأ الألوهية ومبدأ الدين، ولأجل ذلك يعد سبباً رئيساً في انتشار ظاهرة الإلحاد.

السبب الثالث: الإعلام المضاد والإلحاد الآن يمتلك مال ويمتلك إلاعلام ويمتلك تخطيط كل فكر إيدلوجي لا يمتلك هذه العناصر الثلاثة لا ينجح.

مع عدم امتلاكنا إلى هذه العناصر فمن الطبيعي لا يكون لدى الفكر الديني ظهور وسيطرة على الساحة الفكرية فيبقى للفكر الإلحادي مجال السيطرة والبروز لأنه يمتلك هذه العناصر.

النقطة الثانية: ما هي محاور الإلحاد التي يركز عليها الاعلام؟

يمتلك الإلحاد عدة محاور ينطلق منها:

المحور الأول: المحور الكلاسيكي، وهذا الإلحاد المعروف قبل أكثر من مئتي سنة يركز على أسئلة ثلاثة:

أ - من خلق الله؟

والجواب عنه: العقل لا يقول بأن لكل شيء سبباً بل يقول لكل حادث سبب وفرق بين الإثنين والله تبارك وتعالى ليس بحادث حتى يحتاج إلى سبب ينقله من العدم إلى الوجود.  

ب - هل يستطيع أن يخلق إلهاً مثله؟

الجواب عنه:

هذا السؤال في حد ذاته خطأ فقد جاء رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له " قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أيقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة ولا تصغر الأرض ولا تكبر البيضة؟ فقال له: ويلك إن الله لا يوصف بالعجز ومن أقدر ممن يلطف الأرض ويعظم البيضة؟." (2).

 

ج -  كيف يستطيع العقل أن يتصور وجود لا حدود له؟

الجواب:

هناك فرق بين عالم الخيال وعالم البرهان.

عالم الخيال محدود لا يستطيع تصور إلا الأشياء المحدودة التي لها أبعاد وحدود؛ فالخيال لا يمكن ان يتصور الله.

وأما علم البرهان فيمكن الاعتماد عليه، فان الله خلق الزمن فلا يمكن للزمن ان يحده والله خلق المكان فكيف للمكان ان يحده، وهو خلق كل شيء فكيف يكون له مبدأ ومنتهى، إذ لو كان له مبدأ لكان له خالق وهذا يتنافى مع كونه خالق كل شيء، ولو كان له منتهى لكان هناك حد قسري يحده وهذا يتنافى مع كونه هو المصدر لكل شي، فكيف يتصور أن هناك حد يقصره ويحد من وجوده.

إذن البرهان العقلي نفسه يقودنا إلى إننا إذا أمنا بوجود مصدر للخلق فلابد أن يكون ذلك المصدر لا زمن له لأنه خلق الزمن ومكان له لأنه خلق المكان ولا أول له لأنه ليس هناك قبله خالق، ولا منتهى له لأنه ليس بعده خالق.

المحور الثاني: محور الحرية

نلاحظ الكثير من الشباب يقول أنا أدخل النار وأنا حر أفضل من أدخلها وأنا عبد، لأنه إذا أمنت بالله أصبحت عبداً لله وأنا لا أريد العبودية.

الجواب عنه:

أولاً: التحرر من جميع أنواع العبودية الإيمان بالله لان من لم يؤمن بالله فهو عبد لشهواته وعبد لرغباته.

ثانياً: نحن نطلب الحرية لا لكونها غاية بل لكونها وسيلة، فلماذا نطلبها؟، نطلبها لأنها تقودنا إلى الخير، والخير على قسمين:

القسم الأول: الخير مرحلي، والذي يطلب الحرية ولا يؤمن بالله فأنه يطلب الخير المرحلي، كالمنصب والمال والدنيا، هذه كلها خير مرحلي.

القسم الثاني: الخير الدائم، والحرية وسيلة للخير المطلق الدائم وهذه الحرية هي الايمان بالله تعالى التي لا تنحصر في عالم الدنيا بل تأخذك إلى العالم الطويل (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (3).

المحور الثالث: السعادة، ويدعي من لم يؤمن بالله أن الإيمان بالله تعالى يمنع السعادة، هل هو فعلاً سعيد أم لا؟.

الجواب:

هناك فرق بين السعادة الزائفة السعادة الحقيقية

أ - السعادة الزائفة: هي التي تنطلق من الشهوة الغريزة، فعندما يركز الشخص على الشهوة يرى السعادة أن يشبع غريزته، وأن يلبي شهوته.

ب - السعادة الحقيقية، وهي أن تصل إلى الكمال بحسب متطلبات المحيط التي تعيش فيه، فمثلاً لا تستطيع أن تصل إلى الكمال من دون أن تراعي أنظمة البلدية الصحية والتعليمية والمرورية.

كذلك كل إنسان منذ ان جاء إلى الوجود هو محاط بثلاثة أسئلة لا يمكن أن يتهرب منها.

من أين أتيت؟ والى أين ستمضي؟ وما هو الطريق الذي ستسلكه؟  فلا يجيبك عن هذه الأسئلة مالم يؤمن بالله تعالى، فلا يوجد طريق للإجابة إلا هذا لطريق.

المحور الرابع: محور الربوبية، هناك فئة التي تسمى بالربوبين، والربويون يعتقدون بوجود الله ولكنهم لا يؤمنون بالدين.

 

الجواب عنه:

هل أن الله ناقص أم كامل؟

فإذا قلتم إن الله ناقص، إذاً كيف خلق الكمال وهو ناقص، وكل ما في الوجود هو كمال فلابد أن يكون مصدر الكمال كاملاً أيضاً لآن فاقد الشيء لا يعطيه.

إذا كان الله كامل فلابد أن يكون حكيماً لأن الحكمة من مقومات الكمال فإذا كان حكيما فلابد من أن يكون خلقنا لهدف؟ فلماذا خلقنا إذاً؟ فلا بد أن يكون له هدف من خلقنا إذ لو لم يكن له هدف من خلقنا لم يكن حكيماً وإذا لم يكن حكيماً لم يكن كاملاً، وإذا لم يكن كاملاً فكيف خلق الكمال وهو ناقص؟

إذن خلقنا لغاية خلقنا لهدف معين فما هو ذلك الهدف؟

وهنا سؤال أخر: هل الله خلقنا الله لهدف يعود إليه؟ أم خلقنا لهدف يعود إلينا؟

الجواب: لا يمكن أني كون خلقنا لهدف يعود إليه فيقول الفلاسفة الفاعل الكامل لا يحتاج إلى غاية، الفاعل الناقص يحتاج إلى غاية، كالفقير الذي يريد الوصول إلى الكرم فيفعل أفعال الكرماء حتى يصل الكرم، فالفاعل الناقص يستكمل بعمله إلى أن يصبح كاملاً.

أما الفاعل الكامل غايته إفاضة كرمه، فالفاعل الكامل غايته الكرم ولو سألته عن سبب الكرم لقال لك ليس لي هدف بل أنا كريم بطبعي.

فالله تعالى فاعل كامل فعندما يُسأل لما خلقت البشر؟

لكان الجواب أنا لا أحتاج إلى البشر والى احتاج إلى عبادتهم، خلقتهم لكي يصلوا إلى الكمال اللائق بهم، فغاية خلهم إفاضة الكمال، (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (4).

فكيف نصل إلى الكمال؟ هل بعقولنا أم ببدين ينزله علينا؟

العقل لا يصلح أن يصل إلى الكمال المطلق وذلك لعاملين:

العامل الأول: العقل محدود وذلك بقول الفلاسفة العقل ابن بيئته فعقل الانسان ابن الثقافة الغربية وعقل الانسان الشرقي ابن الثقافة الشرقية، فهو عقل ابن بيئته.

العامل الثاني: العقل متغير: فالعقل الان غير العقل بعد عشر سنين، فالعقل يسير مع التجربة ويتكامل معها وكل ما نضجت التجربة نضج معها.

وبما أن العقل محدود ومتغير فلا يستطيع أن يدلنا ويوصلنا إلى الكمال المطلق؛ فمن أين نأخذ الكمال المطلق؟

نأخذ من الكامل المطلق من مصدر الكمال وهو الله سبحانه وتعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (5).

فهو الذي يخلق وهو الذي يختار تبارك وتعالى.

إذن نحتاج إلى أن يرشدنا إلى النظام الذي يوصلنا إلى الكمال وقد أرشدنا عبر الأنبياء والمرسلين (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ) (6)، (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا 45 وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (7).

المحور الخامس: محور الحس

فإذا كان الله واضحاً لماذا لم ينصب لنا دليلاً واضحاً إليه؟

الجواب:

أولاً: الحس ليس برهاناً قوياً فقد يخطئ فأنت تتصور السراب ماء وهو ليس بماء، فالحس ليس دليلاً قطعياً.

ثانياً: إنك تؤمن بكثير من الأشياء لم تصل إليها بالحس، كأيمانك بالثقوب السوداء مع إنك لم تصل إليها بالحس، وتؤمن بالقوى الأربع، القوة الكهرومغناطيسية، قوة الجاذبية، القوة النووية الشديدة، القوة النووية الضعيفة، فهذه القوى الأربعة التي تحكم الكون أنت تؤمن بها من غير أن تصل إليها عبر الحس بل وصلت إليها عبر معادلات رياضية؛ فليس الدليل على الإيمان منحصر بالحس.

ثالثاً: حتى الأدلة الحسية لا تنتج مالم يكن معها دليل عقلي، كما في القانون الذي جميعنا نؤمن به (أن كل ماء تبلغ درجة حرارته مئة فإنه يغلي في الظروف العادية) وهذه النتيجة لم نصل إليها ما لم نستخدم البرهان العقلي لما وصلنا إلى القانون، لو لم نؤمن بمبدأ السببية ومبدأ الحتمية لم نصل إلى هذا القانون.

ونفس هذان الدليلين العقليين هما دليل على وجود الله سبحانه وتعالى.

ومن كلام له عليه السلام وقد سأله ذعلب اليماني، فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟

فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال:

لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. قريب من الأشياء غير ملامس (8)، وقال الإمام الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة: "متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك، ولا تزال عليها رقيبا" (9).


حرره لموقع الأئمة الاثني عشر: علاء تكليف العوادي

الهوامش

(1) سورة فصلت - الآية 53.

(2) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٤، ص١٤٣.

(3) سورة العنكبوت - الآية 64.4

(4) سورة الملك - الآية 2.

(5) سورة القصص – الآية 68.

(6) سورة النساء - الآية 165.

(7) سورة الأحزاب - الآية 45.

(8) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (ع)، ج٢، ص٩٩.

(9) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج6٤، ص١٤2.