لا شكَّ أنَّ العملَ المؤسّسيَّ أفضلُ وأكثرُ عائداً على المُجتمعِ منَ العملِ الفرديّ، إذ إنَّ فيهِ تجميعاً للطّاقاتِ، واستقرارا نسبيّاً للعملِ، لكنَّ استجلاب النّموذجِ الكنسيّ للتّطبيقِ على المرجعيّةِ الشّيعيّةِ هل يمكنُ أن يكونَ حلّاً لِما يراهُ السّائلُ مِن سلبيّاتِ العملِ الفرديّ للمرجعيّةِ الشيعيّةِ؟ وهل توجدُ سلبيّاتٌ للتّنظيمِ الكنسي؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

لمعرفةِ ذلكَ لابدَّ منَ التّعرّفِ على النّموذجِ المطروحِ في سياقِه التّاريخي والحالي وقياس إيجابيّاتِه وسلبيّاتِه، والتّعرّف على ما يمكنُ أن يكونَ أوجهاً للخلافِ بينَه وبينَ النّموذجِ الشيعيّ للمرجعيّة.

منَ المعروفِ أنَّ النّظامَ الكنسيَّ وليدُ المجاميعِ المسكونيّةِ التي كانَت تُعقدُ بدعوةٍ منَ الأباطرةِ، ابتدأت بالمجمعِ المسكونيّ الأوّلِ في نيقية الذي عُقدَ بناءً على تعليماتٍ منَ الإمبراطورِ قسطنطين الأوّلِ لدراسةِ الخلافاتِ في كنيسةِ الإسكندريّةِ بينَ آريوس وأتباعِه مِن جهة وبينَ الكسندروس الأوّلِ وأتباعِه مِن جهةٍ أخرى حولَ طبيعةِ يسوع هل هيَ نفسُ طبيعةِ الرّبِّ أم طبيعةِ البشر؟

أنكرَ آريوس أزليّةَ يسوع فاعتقدَ بأنّهُ كانَ هناكَ وقتٌ لم يكُن يسوعُ موجوداً فيه، واعتبره رفيعاً بينَ مخلوقاتِ اللهِ ومِن صُنعِهِ، كما اعتبر أنَّ الرّوحَ القُدسَ مِن صُنعِ اللهِ أيضاً. بينَما أكّدَ الكسندروس الأوّل (بابا الإسكندريّة) على أنَّ طبيعةَ المسيحِ هيَ مِن نفسِ طبيعةِ اللهِ وتغلّبَ رأيُ الكسندروس الأوّل (بابا الإسكندريّة) بالاقتراع ورفضَ آريوس وإثنانِ منَ القساوسةِ بإصرارٍ التّوقيعَ وحُرقَت كتبُ آريوس وسُمّيَ مذهبُه ببدعةِ آريوس ووُصمَ أتباعُه إلى اليوم بلقبِ أعداءِ المسيحيّة.

وكما هوَ الحالُ في مجمعِ نيقية كانَت تنتهي المجاميعُ دائماً بقراراتٍ تشطبُ مجموعةً منَ الرّؤى بقرارٍ منَ المجمعِ وتُدينُ أصحابَها وتتّهمُهم بالهرطقةِ والزّندقةِ؛ مثلما جرى في مجمعِ افسس الذي إنتهى بتكفيرِ نسطور وكايليستوس.

والذي نريدُ أن نُشيرَ إليهِ أنَّ هذا التّنظيمَ المؤسّسيَّ الحالي، وليدُ شرعيّةِ القوى وليسَ الحقّ، وأدّى إلى وأدِ كثيرٍ مِن أراءِ العُلماءِ التي ربّما كانَت اليومَ في صُلبِ العقيدةِ المسيحيّةِ لولا التّنظيمِ المؤسّسي.

ربّما مِن هُنا تتّضحُ قيمةُ ما أشارَ إليهِ المرجعُ الدّينيُّ السّيّدُ محمّد سعيد الحكيم في سياق جوابِه عنِ المرجعيّةِ المؤسّسيّةِ، حيثُ أشارَ للقيمةِ التي تلعبها المرجعيّةُ الفرديّةُ التي تُعطي حقَّ الاختيار للمؤمنينَ مباشرةً، لاختيار مرجعيّتِهم، حيثُ قالَ في كتابِه المرجعيّةُ الدّينيّةُ وقضايا أخرى ص60-61: 

"وفي الحقيقةِ أنّهُ بعدَ غيابِ القيادةِ المعصومةِ وتعرّضِ القيادةِ للخطأ المُتعمّدِ أو غيرِ المُتعمّدِ ، فالمرجعيُّة الفرديّةُ الحُرّةُ حيثُ تبتني على إيكالِ تشخيصِ مَن هوَ أهلٌ للمرجعيّةِ لعامّةِ النّاسِ مِن دونِ أن يُفرضَ عليهم فرضاً، فهيَ تبتني في الوقتِ نفسِه على أمرينِ مهمّين:

الأوّلُ: رقابةٌ عامّةِ النّاسِ على المرجعِ، فمَن لا يعجبُهم واقعُه وسلوكُه ينكرونَ عليه ـ ولو في أنفسِهم ـ ويُعرضونَ عنهُ ويتّجهونَ إلى غيره.

الثاني: فسحُ مجالِ التّصدّي لأهلِ الإخلاصِ والواقعيّةِ والاستقامة ممَّن يهتمُّ بخدمةِ المبدأ. وحينئذٍ يبقى للحقِّ ولأهلِه صوتٌ ودعوةٌ، وتقومُ بهما على النّاسِ الحُجّة.

كما أنّهُ يمنعُ مِن شدّةِ الانحراف والبُعدِ الكثيرِ عنِ الحقِّ ، لأنَّ وجودَ حقٍّ ظاهرٍ ناطقٍ يفضحُ الباطلَ وينبّهُ الغافلَ عنه، ويمنعُ أهلَ الباطلِ منَ الإغراقِ فيه. أمّا المُنحرفونَ في سلوكِهم فإنّهم لو استطاعوا أن يجمعوا حولَهم النّاسَ ويقنعوهم ـ بطرقِهم الملتويةِ أو بكفاءاتِهم الشخصيّةِ ـ مدّةً منَ الزّمنِ ، إلّا أنَّ الحقَّ بقوّةِ حُجّتِه وبواقعيّةِ حَمَلتِه يُعرّي الإنحرافَ والزّيفَ ، فيتراجعُ إليهِ مَن يستيقظُ ضميرُه وتقومُ الحُجّةُ بهِ على غيره ."

وهذا الأمرُ تؤكّدُه حقيقةُ المُنظّمةِ الكنسيّةِ التي تُعطي العصمةَ للبابا في قضايا العقيدةِ الدّينيّةِ خصوصاً في الكنيسةِ الغربيّةِ، الرّوميّةِ نسبةً لروما إذ يُعتبرُ البابا نائباً عَن بطرس الذي على حسبِ الاعتقاد المسيحيّ أنّهُ وكيلُ المسيحِ في إنشاءِ الكنيسة.

وهذا الأمرُ الذي ربّما سرى على المرجعيّةِ الشيعيّةِ إذا سلكَت نفسَ الطريقِ، حيثُ ستُصبغُ المرجعيّةُ العليا في هذهِ الحالةِ بصبغةِ العصمةِ، الأمرُ الذي يخالفُ اعتقاد الشّيعةِ الذين يعتقدونَ بوجودِ صاحبِ الأمرِ والعصمةِ، ويتطلّعونَ إلى ظهورِه الميمون.

أضِف إلى ذلكَ أنَّ هناكَ نقطةً جوهريّةً يجبُ أن تعالجَ في طريقِنا لاجتراحِ حلولٍ مؤسّسيّةٍ للمرجعيّةِ وهيَ أنَّ المرجعيّةَ قضيّةٌ دينيّةٌ (مِن أجلِ الخروجِ عن عُهدةِ التّكاليفِ الشرعيّةِ، وبراءةِ الذّمّةِ مِنها أمامَ اللهِ تعالى ، وحصولِ العُذرِ بينَ يديهِ يومَ يعرضونَ عليه، ويناقشُهم يومَ الحسابِ ـ فلابدَّ مِن ابتنائها على الأدلّةِ الشرعيّةِ الكافيةِ التي تصلحُ حُجّةً بينَ يدي اللهِ تعالى يومَ العرضِ الأكبر.

والمرجعيّةُ الحُرّةُ ـ حيثُ يفترضُ حريّةُ كلِّ شخصٍ في اختيار المرجعِ الذي يُقلّدُه ويقتنعُ بقيامِ الحُجّةِ الشرعيّةِ عليهِ ـ التي جرى عليها الشّيعةُ هذهِ القرونَ الطويلةَ، مِن عصورِ الأئمّةِ (عليهم السّلام) إلى يومِنا هذا، قد ثبتَت مشروعيّتُها بالأدلَّةِ والبراهينِ الكافيةِ، التي أجهدَ علماؤنا (رضيَ اللهُ عنهم ورفعَ درجاتِهم) أنفسَهم في تشييدِها على خلافٍ منهُم في كثيرٍ منَ الخصوصيّات. المصدرُ 49)

لذلكَ نقلُ هذا النّموذجِ الكنسيّ بتفاصيلِه التي خلقَتها صيرورةُ تراكمِ القوى السياسيّةِ، بعيداً عنِ الموازينِ الشرعيّةِ، يُجابَهُ بعقبةٍ كبيرةٍ في النّظامِ الشيعيّ إذ المطلوبُ إقامةُ أدلّةٍ قطعيّةٍ على النّظامِ الذي يخلقُ المرجعيّةَ المؤسّسيّةَ بتفاصيلِها الكثيرةِ، وإلّا نُقضَ الغرضُ وهوَ الإجماعُ عليها، ففي غيابِ الأدلّةِ القطعيّةِ على هذا النّظامِ، يفتقدُ للشّرعيّةِ التي تُبرئ ذمّةَ المُكلّفينَ مِن جهةٍ ولا يقطعُ النّزاعَ الذي هوَ غرضُ هذهِ الدّعوةِ مِن جهةٍ أخرى.

هذا إن كانَ السّائلُ ناظراً إلى اختيار المرجعيّةِ العُليا على طريقةِ البابا في النّظامِ الكنسيّ، أمّا إن كانَت الدّعوةُ عامّةً لتأسيسِ المؤسّساتِ وتركِ العملِ الفرديّ فإنَّ الأدلّةَ العامّةَ في الشريعةِ تكفي لتُعطي الشرعيّةَ لمثلِ هذهِ الدّعوة.