شاء المبطلون أم أبوا فإن قصة الارهاب الديني المتطرف، الذي أدخل بلداننا الاسلامية نفقا للرعب والموت منذ عقود، تبدأ في افغانستان، حين عكف الجهد الامريكي الهائل على صنع تنظيم القاعدة فيها ومن ثم دعمه بالغالي والنفيس ليكون شوكة تدمي خاصرة الاتحاد السوفيتي أيام الحرب الباردة.  

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وبعد انتهاء الحرب بسقوط الامبراطورية السوفيتية، وانتفاء المسوغ لدى امريكا للاستمرارية في دعم القاعدة، واجهت امريكا مشكلة عويصة تمثلت بتحول ابناء ذلك التنظيم، الذين صنعت منهم الحرب رجالا يعتاشون على القتال ودَفعَهم التثقيف الديني المتوحش ومشهد العنف والدم طيلة أمد الحرب الى مستوى عال من البربرية والعنف. وقد راحوا يعبرون عن وجودهم بمشاغبات جهادية أزعجت السلطات الغربية وحتمت عليها إيجاد حل لها. فكان الجزء الثاني من القصة، أن حوّلت الدول العربية المحيطة باسرائيل الى مجمع للارهاب لصرف نظر القائمين عليه عن أية بقعة أخرى يمارسون فيها انشطتهم، وإشغال الدول العربية عن أي نشاط مضاد لاسرائيل.

وبهذا يكون الاسلام الذي آمنت به الملايين وكان سببا فعالا في انغراس الكثير من قيم السلام والخير في مجتمعاتهم لازمان طويلة، مقطوع الصلة تماما بالايدلوجية الاسلامية التي صنعت خصيصا لفصول تلك القصة.  

وقد ووجه ذلك المد المنحرف، طوال تواجده، في بلداننا الاسلامية وتشكله كظاهرة في غاية الخطورة، باتجاه مضاد عمل على محاربته وتأكيد القطيعة التامة بينه وبين الاسلام، من خلال قنوات شتى، يهمنا منها ـ في هذا المقال ـ القناة الاعلامية التي سجلت من خلال وسائلها المختلفة دلائل مشرفة من العمل الدؤوب والمؤثر.

رغم هذا، فإن ثمة مايمكن أن يقال في مجمل العمل الاعلامي وفي الدراما التلفزيونية على وجه الخصوص. 

إن المتابع لكمّ المسلسلات والافلام التي تناولت موضوع الارهاب والتطرف الدينيين يجدها قد دأبت على تجسيد مشهد العنف والرعب في تنظيم داعش نفسه أوفي تعامله مع ضحاياه.. بالاضافة الى تناول الجانب الفكري والمعني ببيان الانحراف والسوداوية الكامنة في العقيدة الداعشية السلفية ومن ثم بيان القطيعة ما بينها وبين الاسلام أوالانسانية عموما. غير أن هذا الجانب قد حمل في طياته نقاطا مضيئة تنويرية بالفعل ونقاطا أخرى، يمكن وصفها بالطرح الخاطيء ـ أو ربما المغرض ـ لمفهوم  التنوير.. 

فلما كانت الجهات القائمة على صنع تلك الاعمال الدرامية ذات انتماء علماني، كان تجليات الخطأ والانحراف متمثلة بـ 

1ـ رسم النموذج الاسلامي المقابل للنموذج الداعشي، وفق معايير الفهم العلماني للدين.. فلم يظهر الاسلام في نفسه متسامحا وانسانيا. بل هي العلمانية التي على المسلمين أن يعملوا وفق منهجها كي يكونوا متسامحين وانسانيين.

2ـ رجل الدين قد تحول ظلاميا وسيئا وسلبيا بالذات، فهو في جل الاعمال الشخص الشهواني المزيف وقبالته العلماني الذي يحرص على الخير والانسانية. بمعنى انه كان من المفروض إظهار رجل دين سيء وقبالته رجل دين ايجابي خيّر لتظهر القطيعة بين الدين وداعش لا بين الدين والانسانية. ولاشك أن هذه النقطة لها تأثير واضح على تكريه المشاهدين بعامة رجال الدين ووجودهم الاجتماعي.

3ـ تكريس فكرة الدين الطبيعي المقتصر على الاتصال الروحي بالله، ونقاء السريرة . بعيدا عن اية احكام شرعية او شعائر بل إنه بعيد حتى عن الالتزام الايماني والاخلاقي. حتى لنجد من تلك الاعمال من يجعل الفضيلة والخير والايمان النقي لبنات هوى جاعلين منهن رموزا للتنوير

إن هذا المنحى المعمول به في الدراما المرئية بشكل لايمكن انكاره، يحتم التصدي له وتسليط الضوء على مكامن الانحراف فيه لدى المشاهد العربي المسلم.    

وفي هذا الصدد سأكتفي ـ في هذا المقال ـ باعتماد لغة الدراما التلفازية نفسها، وذلك عن طريق التذكير بعدد من المسلسلات الدرامية سيما السورية والمعبّر عنها بالشامية كليالي الصالحية والخوالي وأهل الراية .. تتجلى فيها واقع تلك المجتمعات التي يشكل الدين عنصرا فعالا في خلق ماهم عليه من تلاحم وتوادد والتزام بقيم الخير والفضيلة.. ويظهر فيهم رجل الدين المعلم والمرشد والقدوة الخيرة والحياة والارتباط بالله.