مع صديقي الملحد

سألته عن الاسباب التي جعلته في منأى عن الدين والالتزام بمفردات احكامه وتشريعاته..

قال لي: لماذا تجعل من الالتزام امرا مفروضا، وأن على الانسان بالضرورة أن يلتزم الدين وتشريعاته.. ؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

  

قلت: إن الدين يعنى بالحياتين الدنيا والاخرى.. فالله قد انعم على الانسان نعما لاتحصى والدين يبيّن لك السبيل لشكره على تلك النعم.. كما يبيّن السبيل لما يتكفل بنجاتك من عقاب يوم القيامة في الاخرة.. وشكر المنعم وتوقي العقاب أمران يحتمهما العقل والوجدان

قال: هذا إذا اعتبرنا ان وجود الله أمرا مفروغا منه.. وبالنسبة لي لا أجد قناعة بمايؤكد وجوده.. أنني أطمئن الى الاطاريح الفلسفية القائلة بالإلحاد.. إن العلم التجريبي أثبت قدرة أكبر بكثير من الفكر العقلي المعتمَد في الفكر الميتافيزيقي.

قلت: أولا إن العلم التجريبي بكل طاقاته الهائلة لم ولن يقدر أن يبرهن على عدم وجود الله.. وغاية ماقام به هو تقديم تفسير للنظام الكوني لم يصنعه صانع، وإنما قام من تلقاء نفسه.  

ثانيا: وهذا التفسير، وصولا الى أفضل ماقدمته الفلسفة المادية، مابرح يعاني من تأييد حساب الاحتمال له.. بمعنى إن ما هو مفروغ منه عند علماء الرياضيات وفلاسفة العلم في أن اصغر جزء في النظام الكوني حين نقول بعدم وجود الصانع تكون نسبة احتمال قول كهذا ضئيلة الى درجة لاتصدق.. فكيف بالنظام الكوني ككل؟!!

قال: كيف يرضى هذا الاله الصانع الحكيم بكل هذه الشرور الموجودة في الكون من امراض وحروب وكوارث؟!

قلت: إن غاية مايمكن ان يؤدي بنا وجود الشرور هو وصف الاله الصانع بعدم القدرة التامة وعدم الحكمة من دون الاستدلال على عدم وجوده كما يسعى لذلك الفكر الالحادي، حيث أن الاصالة في الكون للنظام والشرور أمر طارئ.. وهذا يؤدي الى بداهة أن الحكيم المبدع في صنع النظام قادر على تلافي الشرور، أي أن الله الخالق للجسم الانساني في حالته السليمة المتكاملة قادر على منع المرض والتشوهات. وهذا ينقل الاشكال من الطعن في قدرة الله الى الطعن في حكمته. ليأتي الرد على ذلك بـ :

أـ الملحد حين اعترض على ماهو عليه العالم ونعته بأنه ليس أفضل العوالم.. لم يحدد صورة يعتبرها العالم الافضل كيما يقاس على أساسه ، فحتى حينما يصير الحديث عن جنان الخلد التي لاتعب فيها ولاشر وإنما هي نعيم دائم، نرى من الملحدين من يشرقون ويغربون في إدانة عالمها المثالي ذاك بأنها تصوير لإطلاق الشهوات الحيوانية وتدنى بواقع الرقي الانساني.

ب ـ الملحد يتعامل مع الله ـ في هذا الصدد ـ على أساس من جحوده وإنكار تعاليه المطلق، والحال أن على الانسان أن يذعن لإرادة الله سبحانه ومشيئته في إنشاء العالم كما يريد، وذلك بجعله مرحلة مؤقتة لوجود الانسان يختبر فيها بين اختياره الخير أو الشر. فجعل الكون على حالة من الكون والفساد، أي أن الحياة قد أوجدها الله لتتلاشى، وجل الشرور الموجودة في الحياة من حولنا هي أسباب محققة للموت (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35الانبياء)

ج ـ الملحد يطلق لنفسه العنان في جحود نعم الله وعصيانه، ثم يعترض على مافي الحياة من أسباب الشقاء. لقد خلق الله الكون على أساس يرتبط فيه الجانب المعنوي (الذنب والمعصية) مع الجانب المادي (الشرور)  بشكل يقترب من الآلية المباشرة، أي أن المعصية تكون علة مباشرة لحدوث شر ما. وعليه فجزء كبير من هذه الشرور هي جراء معصية الله ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(41الروم)

وإذا ما كف عن المعصية وآمن وعمل الخير تكون النتيجة أن ينعم بحياة غير هذه. يقول جل وعلا  (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96 الاعراف)

قال: الدين أداة للهيمنة في استغلال القضايا الغيبية وهو بذلك يلغي العقل، وهو اساس لبث الفتنة الطائفية بين بني الانسان. وكذلك هو أداة يفرض بها رجل الدين نفسه على الواقع الاجتماعي من خلال التبرقع بمحاسن الاخلاق

قلت: مادامت نظرية الاحتمالية قد حتمت علينا وجود الصانع فإن الغيب حقيقة واقعة ـ شئت أم أبيت ـ وعليه فإن الايمان بالغيب أمر يتماشى مع العقل ولايتقاطع معه وعلينا هنا أن نفرق بين دين يأمر به الكاهن الوثني الذي يريد فرض هيمنته السياسية من خلال إماتة العقل بقضايا الغيب فيستعين باساطير وخرافات والمفروض بالناس أن تؤمن وتسلم بها وبين الدين الحق الصادر من الله الذي بذل قرآنه الكريم جهدا جبارا في الحث على استخدام العقل والتعقل في قبول المعتقدات ورفضها، حتى لقد كانت القضية الأم في صراع الدعوة الاسلامية بقيادة النبي الاكرم صلى الله عليه واله مع الخط الجاهلي، هي الرفض المطلق للمبدأ الذي يعتمده الجاهليون وهو ( هذا ماوجدنا عليه آباءنا ) وإحلال العقل والتعقل محله  

وبالنسبة للفتنة الطائفية فهي أيضا نابعة من عدم التفريق بين.. دين الكاهن الذي يحامي عن سلطانه بذريعة الدين، كما فعلت الكنيسة لقرون في تأليب الكاثوليك على البروتستات او المسيحيين على المسليمن. أو يروج لافكار تفرق بين ابناء الانسان كفكرة شعب الله المختار عند اليهود.. والدين الحق الذي يلغي الفوارق بين الناس ويجعلهم جميعا على صعيد واحد فهم جميعا لآدم وآدم من تراب كما يقول نبي الاسلام ص أو كما يقول قرانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا  إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13الحجرات))   

كما إن هذا الاستغلال السيء ليس مقصورا على الدين، فالمنظومة الالحادية فيها من دعم الحكومات الاستبدادية ووعاظ السلاطين الكثير الكثير.. والقادة الالحاديون تملأ اسماءهم صفحات التاريخ بما جنته يداهم من مجازر وكوارث بشرية.

وبالنسبة لتبرقع رجل الدين فإن الامر لايعدو عن كونه استغلال سيء من قبل الانسان، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإننا لو أمعنا النظر في الامر نرى أنه دليل حي على ماهية الدين الخيّرة، وأنه الوعاء الحاوي على مكارم الاخلاق. ولهذا تبرقع به رجل الدين.