القفزة الحضارية التي شهدتها اوروبا منذ ما يزيد عن القرنين من الزمن، بسمتها الابرز التطور العلمي والتقني الهائل، نتجت عن مخاض طويل استمر لقرون، تضافرت فيه عوامل عدة، في مقدمتها الجهود الفلسفية الكبرى التي عملت في البدء على تخليص العقل من ظلامية الكهنوت المسيحي والوثوق به كجوهر قادر على الوصول الى المعرفة والحقيقة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ومن ثم رسم معالم الطريق بالمناهج العلمية الكفيلة بتحقيق ذلك الوصول على الصعيد العقلي الذي قاده الفرنسي ديكارت و على الصعيد التجريبي  بريادة الانجليزي فرنسيس بيكون. إضافة الى التحولات الكبرى في العلم الطبيعي كالثورة الكوبرنيكية في الفلك واكتشاف الجاذبية من قبل نيوتن، التي حولت النظرة الى الطبيعة من كونها مجرد لوحة جميلة رسمها الله وعند المسيحية تبيان كل مايخصها الى منظومة اسرار وقوانين على العقل اكتشافها والاستفادة منها.  كما أفرزت ارهاصات تلك المرحلة التاريخية في اوروبا جملة من فلسفات سياسية هدفت الى قيام دولة مدنية حديثة تعنى بالعلم والتقدم لا بالميتافيزيقا وما بعد الموت. الى غير ذلك من العوامل التي تتابعت طيلة عصري التنوير والنهضة.

إن هذه الحقيقة تضعنا، فيما يخص الحضارات القديمة كالبابلية الفرعونية وما شيدته من صرح علمي مبهر في مجالات شتى كالعمران والفلك والطب والكيمياء والفيزياء، ولم تسبقها ـ تاريخيا ـ سوى المشاعية واكتشاف الزراعة، أمام اشكالية وسؤال ملح.

هل يمكن أن تكون تلك الحضارات قد ولدت دفعة واحدة، وبلا مسارات تاريخية ممهدة؟!

بالتأكيد لا..

فالطبيب الفرعوني لا يمكن له أن يتوصل الى المادة الكيميائية ذات التأثير بالغ الفعالية في حفظ الانسان الى يومنا هذا، من دون قطع مسار طويل من العمل التجريبي القائم على الفشل والنجاح، والالمام بمنهج العلم التجريبي بما يحتويه من مفردات كالملاحظة والفرضية والاحتمال وغيرها.

أظن أن هذا كفيل بدفعنا الى القبول بنظرية تأثير الانبياء عليهم السلام ودورهم في إرساء القواعد العلمية والمعرفية، سيما أن القرآن الكريم لم يحدثنا إلا عن جزء يسير من الانبياء واقاصيصهم، وفي تلك الاقاصيص إشارات الى جانب غرائبي يتجاوز الطبيعة البشرية كقوله تعالى (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) فأجابهم ذو القرنين إلى طلبهم: (قالَ ما مَكَّنِّي فِيه رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَه ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْه قِطْرا) . وفي تفسير هذه الاية أن ذا القرنين قد أذاب الحديد وصبه بتقنية متطورة لاتتلاءم إلا مع وقتنا الحالي. وهذا الجانب الغرائبي يتلاءم الى حد كبير مع ما احتوته تلك الحضارات القديمة من اسرار غامضة لم تعرف حتى الان تتصل بكيفية بناء الاهرامات والجنائن المعلقة وغيرها.

وأعود بالإشكالية نفسها الى ما صنعه المسلمون في العصر العباسي من حضارة تركت بصمات واضحة في التاريخ الانساني، وهي حضارة تحتوي على عنصري الاشكالية من جهة الصرح العلمي الشاهق الذي قدم فيه العلماء المسلمون خطوات بعيدة المدى في المضمار العلمي العالمي، ومن جهة المسار الممهد، حيث لم يسبقها ـ الحضارة ـ سوى الجاهلية والاسلام والعصر الاموي الذي لم يشهد سوى نشاط كلامي منشأه فكرة الجبر التي فرضتها السلطات الاموية وقد انتجت مذهب الاعتزال كردة فعلي عقلية على ماعاثت به تلك الفكرة بالعقل.

هذا وأن المظهر الموازي لحضارة المسلمين العلمية تلك، وأعني المنجز الفلسفي، قد قام بشكل أساس على الاطلاع على فلسفة اليونان وترجمة نصوصها واستيحاء افكارها.. ولايمكن أن نفسر ذلك العطاء العلمي الهائل بـ:

1ـ كون الدولة العباسية ـ آنذاك ـ تمثل قوة عظمى وبغداد عاصمة الدنيا، وباهتمام شخصي من بعض خلفاء بني العباس كالمنصور والرشيد والمأمون.... لأننا نتحدث عن مسار ممهد سابق على تلك الفترة وأساس لها.

2ـ عامل الفتوحات وتلاقح الثقافات والخبرات الاجنبية المختلفة، وبالتالي صبها في الحاضرة الاسلامية. كما هو الحال مع الجانب الفكري والعقائدي.. وذلك لأن الدول التي طالها الفتح ـ يومها ـ هي بلاد فارس والشام وشمال افريقيا، وليس في تلك الدول مايعوّل عليه للتمهيد لمنجز علمي كالذي قدمه ابن الهيثم في البصريات والخوارزمي في الرياضيات وابن النفيس في الطب وغيرهم. إذ يكفي ذلك المنجز أنه مازال الاساس للكثير من الاكتشافات والاختراعات الاوربية في عصرنا الراهن.

بهذا لن يكون لنا سوى الوثوق بفكرة الدور الاساس لمدرسة أئمة اهل البيت عليهم السلام وعلى رأسها أمير المؤمنين ع القائل (أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني, سلوني عن طرق السماوات فإني أعرف بها من طرق الأرض) الى عدد لايحصى من الاشارات الى حقائق علمية يضيق المجال بذكرها، وقد تجلت تلك المدرسة بالصرح العلمي الذي شيده الامامان الباقر والصادق عليهما السلام في ما بين السقوط الاموي وقيام حكم العباسيين، ويحوي في أروقته شتى مجالات المعرفة الانسانية والعلمية.

ومن جهة اخرى فكلنا يعلم مدى تأثير عامل المصلحة على اهتمامات السلطة الحاكمة وسياسة القائمين عليها، ويبدو هذا لنا جليا في الحضارة الاوروبية حيث استفادت السلطات الحاكمة من تطور العلم في مجالات كثيرة منها تطور السلاح الفتاك الذي أعانها على كسب معاركها مع الدول الاخرى واستعمار الشعوب التي استعمرتها. والى يومنا هذا فإن شعوب العالم الثالث لاتنفك عن حاجتها للخبرات التي يحتكرها الغرب في بناء المعامل والمصانع، وعجز تلك الشعوب عن صناعة الكثير من الاجهزة والالات وبالتالي اضطرارها الى استيرادها من دول الغرب. بل إن ثمة ابتكارات تقنية ضمنت لبعض دول الغرب تحكما شبه مطلق، كالإنترنت الذي يعد عصب الحياة في يومنا هذا، ولا تمتلك مصادره سوى بعض الدول العظمى كامريكا واليابان.

وهذه النقطة لانجدها في الحكم العباسي، حيث ظلت الهيمنة العباسية تعتمد الاسلحة التقليدية كالسيف والمنجنيق، كما ظلت الهيمنة العباسية حبيسة الاسلوب التقليدي آنذاك والذي لم يتجاوز القوة العسكرية.

 وهذا مايدفعنا ـ ايضا ـ الى الوثوق بفكرة أن جانبا كبيرا من اهتمام الحكام العباسيين بتشييد صروح للمعرفة والعلم ناجم عن الرغبة في التعتيم على صدى معطيات مدرسة الامام الصادق ع العلمية، تماما كما هو الحال في اهتمامهم بالجانب الفكري والفقهي.