فكر وثقافة

الخطر كبير تعامل بحذر مع ما تقرأ

الشيخ مقداد الربيعي 06-08-2020 289

لقد كان للنجاح الكبير الذي حققه العلم الحسي التجريبي أثره الواضح في المفاهيم والفكر السائد مطلع القرن العشرين، حتى صار منهجاً جاذباً لسائر التخصصات الأكاديمية الأخرى تحت عنوان (العلموية)، بل وصل الأمر عند البعض ان عبدوه وأسسوا له الكنائس[1]، فصارت أيدلوجية كسائر الأديان، فليس الدين إلا إعطاء تصور شامل للوجود، وهذا ما قام به العلمويون، يقول الفيلسوف الإيراني حسين نصر: أنّه في العالم الغربي، يقبل الكثيرون أيديولوجية العلم التجريبي الحديث، ليس بصفته علمًا عاديًّا بسيطًا، ولكن بصفته بديلًا عن الدين[2]. ويقول وليم برود: حلّ العلم محل الدين باعتباره المصدر الأساسي للحقيقة والقيم في العالم الحديث[3].

نحن هنا لا ننتقد العلم، وإنما ننقد (العلموية)، وهي بتعبير واضح وصريح لتيموثي فريس: ذلك المذهب الذي يدعي أن العلم التجريبي يزودنا، ليس بأحد الطرق الى الحقيقة، بل بالطريق الأوحد اليها[4]. فليست المشكلة في العلم، وإنما بالمنهج الذي يحصر طريق المعرفة بأنبوبة الاختبار.

هذا واضح لا لبس فيه، ولكن المشكلة ان هذا الأمر يخفى على شبابنا ممن ألفوا القراءة والاستفادة من كل جديد، ولا أبالغ ان ادعيت بتخطي هذا الأمر الى بعض المتخصصين، الأمر الذي ستكون له آثاره الخطيرة على ثقافتهم الناشئة، فكما بينّا في مقالات سابقة ـ أنبوبة الاختبار هي الحكم ـ عدم مناسبة هذا المنهج لدراسة جميع العلوم، وان حصر المنهج العلمي به من الغلو، الذي ستنعكس آثاره بصورة واضحة على باقي التخصصات الأكاديمية، الأمر الذي يحاول بعض المتخصصين في هذه المجالات التنبيه عليه، كالكاتب تيموثي فريس في مجلة نييورك لمراجعة الكتب تعليقاً على كتاب (عن الذباب والفئران والناس) لكاتبه فرانسوا يعقوب والذي بدوره انتقد فيه العلموية ايضاً، فقال فريس: لقد ازدهر مذهب العلموية ازدهاراً سريعاً في القرن التاسع عشر، عندما أُعجب بضعة مفكرين بتلك الانتصارات لعلم الديناميكي النيوتني وبالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، الى درجة انهم سمحوا لأنفسهم أن يتصورا ان العلم ربما يكون بعد وقت قريب قادراً على ان يتنبأ بكل شيء. واليوم علينا أن نكون قادرين على الاعتراف بأن مثل هذه الادعاءات لا تعدو ادعاءات إطنابية. إن العلموية اليوم، لا يدعو لها ويدافع عنها إلا أقلية ضئيلة جداً من العلماء[5].

والفيلسوف بول فييرابند، الذي كان مؤيدًا متحمسًا للعلموية في شبابه، وقد وصفَ العلمَ التجريبي لاحقًا بأنّه مؤسسة فوضوية أساسًا. وجادل بشكل قاطع بأنّ العلم التجريبي لا يستحق الاحتكار الحصري لـلتعامل مع المعرفة[6].

وأوستن هيوز حيث قال: العلموية بكل مظاهرها المتنوعة – من علم الكونيات الخيالي إلى نظرية المعرفة التطورية والأخلاقيات- يبدو أنّها من بين الأفكار الأكثر خطورة؛ لأنّها تدعي أنها شيء مختلف تمامًا عما هي عليه حقًا، ولأنها حصلت على التزام واسع النطاق وغير منتقَد. إنّ الإصرار المستمر على الكفاءة العالمية للعلوم التجريبية لن يؤدي إلا إلى تقويض مصداقية العلم ككل. ستكون النتيجة النهائية هي زيادة الشكوك الجذرية التي تشكك في قدرة العلم التجريبي على معالجة حتى الأسئلة المشروعة ضمن مجال اختصاصه. يتوق المرء إلى التنوير الجديد لنقض ادعاءات هذه الخرافة الأخيرة[7].

وهنا أذكر مقالة لعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي، التي قسم فيها المثقفين في كل مجتمع الى فئتين، الأولى: منفتح يعمل على الاستفادة وإدخال كل ما يراه نافعاً الى مجتمعه، والثاني محافظ يتعامل بحذر مع كل ما هو جديد، ويرى الدكتور ان المجتمع يحتاج الى كلا الفئتين، وعدم الاتزان فيهما يضر تقدمه الحضري، فالتضييق على الفريق الأول يفوت على المجتمع تجارب وإمكانيات كبيرة، كما ان فتح الباب على مصراعيه لاستقبال كل شيء، وعدم السماح للفريق الثاني بأخذ دوره يجعل المجتمع عرضة لدخول الضار، فوجود الفئتين والتوازن بينهما أمر ضروري لتقدم كل مجتمع، كما حصل في سوق عكاظ عندما كانت قريش تستفيد من مجيء الشعراء وبلغاء العرب فيأخذوا منهم الجميل ويذروا ما دون ذلك، فصارت لغتهم أفصح لغات العرب.

من هنا يأتي هذا المقال للانتباه عند قراءة الكتب التي بنيت على المنهج العلمي التجريبي، سواء الغربية منها او التي كتبها أبناء جلدتنا ممن تأثر بالمنهج الحسي.

ففيما يخص العلوم الاجتماعية: نقرأ لعالم الاجتماع الامريكي المعاصر والذي يُعد حجة في اختصاصه، روبرت بيللاه في كتابه (عادات القلب: الفردية والالتزام في الحياة الأمريكية)، مبيناً تأثر سائر العلوم بهذا المنهج، وقد قسمها الى أبواب:

ففيما يخص العلوم الاجتماعية كتب: يمكن تلخيص الافتراضات المستترة خلف التيار الرئيسي للعلوم الاجتماعية بما يلي ـ يقصد ان العلوم الاجتماعية بُنيت على هذه المسائل ـ : الفلسفة الوضعية الاختزالية، ومذهب التفكيك والتبسيط، والنسبية، والجبرية (الحتمية)، لا أقول ان العلماء الاجتماعيين الحاليين أمكنهم أن يقدموا دفاعاً فلسفياً جيداً عن تلك الافتراضات، ولا أنهم واعون بشكل تام أنهم ملتزمون بها سلفاً، وإنما أقصد أن أشير فقط بمعنى وصفي الى تلك الافتراضات المسبقة، والأحكام المتحيزة المحددة الكامنة في اذهانهم حول طبيعة الحقيقة. ولا أقصد هنا بالفلسفة الوضعية أكثر من ذلك الافتراض أن مناهج وطرق علم الطبيعة هي المقاربة الوحيدة الممكنة للوصول الى المعرفة الحقيقية، وتلك هي البديهية التي تزعم ان العلوم الاجتماعية لا تختلف عن العلوم الكونية إلا بالنضج وأن كلا العلمين سيصبحان عما قريب علماً واحداً.

ثم يضيف بيللاه: إن العلوم الاجتماعية تجسد أخلاق الحداثة والعصرنة تماماً، فبالنسبة اليها لا يوجد كون كلي، أي لا يوجد شيء كلي يمكن لأفعال الإنسان أن يكون لها معنى بالاستناد اليه، وليس هناك بالطبع الله، ولا أية حقيقة مطلقة نهائية، وبنفس الوقت لا يوجد هناك أيضا طبيعة بالمعنى التقليدي للخلق او لكونها تعبيراً عن حقيقة متعالية سامية. وكذلك لا يمكن لأي علاقة اجتماعية متبادلة ان تكون لها أي قداسة. ولا يمكن أن يكون لأي شكل اجتماعي أن يُصبغ أو يُشرَّب بأي معنى إلهي مقدس او كوني، بل على العكس يمكن تفسر كل علاقة اجتماعية متبادلة بلغة فائدتها الاجتماعية والنفسية. وأخيراً رغم أن علماء الاجتماع يتحدثون كثيراً عن النفس، إلا انه ليس لديهم أي شيء يقولونه عن الروح، بل مفهوم الروح نفسه يتضمن إطاراً إلهياً ومقدساً وكونياً (كوزمولوجيا)، مستبعداً وغائباً تماماً في الفكر الحديث. وإذا أردنا ان نضع هذا التباين بطريقة أخرى، فإن النظرة الدينية التقليدية تجد ان العالم بجوهره ذا مغزى ومعنى، وإن دراما الوجود الشخصي والاجتماعي تم عيشها في إطار المعنى الكوني والروحي المتواصل، أما الرؤية العصرية الحديثة فإنها تجد العالم في جوهرة لا معنى له، ولا يتصف بالمعنى إلا من خلال الفاعلين الفرديين والمجتمعات التي يبنونها لأجل أهدافهم الخاصة.

ويضيف: معظم علماء العلوم الاجتماعية العصريين سيرفضون بأدب أن يناقشوا البيانات التي ذكرت للتو، ولن يبدو أي نية سيئة تجاه الدين، كل ما في الأمر انهم ببساطة غير واعين بدرجة كبيرة، والتي يضعف فيها ما يقولونه وما يكتبونه، كل الفكر التقليدي والإيمان والعقائد الدينية التقليدية.

ويخلص روبرت بيللاه الى: إن الإدانة الأعمق لجامعة اليوم هي أنها تضعف العقائد الدينية، وليس هذا فحسب بل كل عقيدة أياً كانت ما عدا تلك التي ينص عليها العلم[8].

وأما العلوم الإنسانية: فيرى روبرت سكولز أن الأخبار الحزينة هي معاناة أساتذة الآداب ـ وهو منهم ـ من مشكلة السماح لأنفسهم بالاقتناع بانها لا تستطيع ان تدعي الحقيقة، بل عليها ان تواصل الاعتراف بالطريقة نفسها[9].

يقصد سكولز: لتأثر هذه العلوم بالعلم الحسي فإن باحثيها مقتنعين بانها لا توصل الى الحقيقة.

 هذا الأمر انسحب لقيمة هذه العلوم وبالتالي لقيمة علمائها وباحثيها، ويشير مقال في مجلة هارفرد عام 1988 الى ان عدد الشهادات الجامعية الممنوحة في العلوم الإنسانية يتناقص باستمرار منذ عام 1970 على كلا المستويين النسبي والمطلق. وبشكل عام، في المعدل الوسطي، يستلم أساتذة العلوم الإنسانية أدنى الرواتب الجامعية اليوم، بفارق آلاف واحياناً عشرات آلاف، كما ان حملهم التعليمي أي عدد ساعات التدريس أثقل، والوقت الذي يمنح لأجل الأبحاث هو الأقل والأدنى.

بل غدت هذه العلوم مجرد علوم لا تفيد أكثر من الشك، يقول كارل وودرينغ: الآداب مفيدة للسلوك الشكي في الحياة.

وفيما يتعلق بالدراسات الدينية: فكما هو معلوم تعتبر النصوص المقدسة قلب كل دين. ويتقبلها اتباعه على انها وحي سماوي يتجاوز بمضامينه عالمنا المادي وتسمو عليه. أما الدراسات الدينية التي تتبع في منهاجها العلم الحسي التجريبي فلم يكن بإمكانها أن تقبل بهذه الحقيقة، فقد كتب ماركوس بورج حول كتاب العهد الجديد يقول: تعتبر الصفة الأساسية للدراسات الإنجيلية في الزمن الحديث ـ الى حد كبيرـ محاولة لفهم الكتابات المقدسة فهماً نصياً محضاً بمعزل عن موضوع الوحي أو أي عالم آخر. وتسعى الدراسة العلمية الحديثة للكتاب المقدس ـ التي ولدت في عصر التنوير وحولت بشكل جذري كل المناهج التعليمية الأكاديمية ـ تسعى الى فهم مادة البحث طبقاً للصورة الجذرية للحقيقة التي تهيمن على العقل الحديث. ويتم تقديم التفسيرات "العقلانية" اي العقلية ضمن إطار الفهم أُحادي البعد للحقيقة ـ للنصوص التي تتكلم عن الظواهر الخارقة " اي فوق الطبيعية".

أما أهم فروع الدراسات الدينية التي تفرعت على علم الكتاب المقدس فهي التي يمكن القيام بها دون العودة للمستويات الأخرى للحقيقة: مثل دراسة الطرق التي أتبعها كُتاب الكتاب المقدس في تنقيحهم للنصوص المنقولة التي وصلت اليهم، ودراسة شكل ووظائف الأنماط الأدبية والشفهية المختلفة لنصوص الكتاب المقدس، ودراسة التطور البلاغي للتقليد المسيحي المبكر الذي عبر عن نفسه في النصوص... الخ، وكلها يجمع بينها قاسم مشترك واحد هو انها تركز على السمات "الدنيوية المتعلقة بهذا العالم" للنصوص فقط.

اما بالنسبة للتوراة العبرية فقد كان على آرثر جرين أن يقول: أحدث بروز مذهب (ويسن شافت) في علم التاريخ بالمعنى الأوربي الواسع لكلمة العلم انقساماً بين دراسة التوراة كوظيفة دينية، وبين صياغة منهج للبحث العلمي في التوراة وتحويله الى دين بديل بحد ذاته. إننا مجبرون على تضييق أهداف التعليم والبحث عن إيماننا بالله، والطرق التي تتم بها دراسة الدين في الجامعة هي نفس طرق دراسة التاريخ وعلم فقه اللغة في أقسام الدراسات الإنسانية، أو طرق فرع الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) وعلم النفس وعلم الاجتماع في أقسام العلوم الاجتماعية. ولقد كانت نتيجة مناهج الدراسة تلك، إنقاص قيمة التوراة كوحي إلهي. إن أي عالم باحث يقدم موضوعاً لمجلة "الأكاديمية الأمريكية للدين"، أو مجلة "أدبيات الكتاب المقدس" مفترضاً ان الكتابات المقدسة تمثل فعلاً وحقيقة كلمة الله سوف يصبح بحثه أضحوكة[10].  

من هنا تأتي أهمية التعامل بحذر مع ما نقرأ، وضرورة التعرف أولاً على منهج الكاتب الفكري، ومقدار تأثره بمنهج الحس والتجربة، المنهج الذي انتقده حتى الملحدين، ورفضوا مخرجاته، منهم الفيلسوف الملحد توماس ناجل الذي انتقد أحد المتحمسين للعلموية وهو عالم الأعصاب سام هاريس، ووصفه بأنه خلط بين المعرفة التجريبية والمعرفة العلمية. وكذلك عمل الناقد الماركسي تيري إيجلتون عندما وصف علموي آخر هو كريستوفر هيتشنز بقوله: لديه “فكرة علمية قديمة عن ما يُعتبر دليلًا”، وهو يختزل المعرفة في ما يمكن وما لا يمكن إثباته عن طريق الإجراء العلمي. وكذلك انتقد الفيلسوف اللاأدري أنتوني كيني أيضًا الفيلسوف الملحد ألكسندر روزنبرغ بقوله: اختزل جميع معارف الكون في علم الفيزياء[11].

حقيقة أولئك يصدق عليهم قوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) الروم: 7.

الهوامش:


[1]  كنيسة السيانتولوجيا او الكنيسة العلموية هي طائفة دينية تتخذ من العلم والمكننة أساساً لتعاليمها، وتشتهر كديانة في الولايات المتحدة، انشأها كاتب الخيال العلمي رون هوبارد في العام 1954.

[2] William Chittick, The Essential Seyyed Hossein Nasr, p.30.

[3] ويليام برود ونيكولاس واد، خونة الحقيقة، ص ٢٧١-٢٧٢.

[4] لماذا الدين ضرورة حتمية، د. هوستن سميث، ص64.

[5] نفس المصدر، ص88.

[6] Paul Feyerabend, Against Method.

[7] Austin L. Hughes, The Folly of Scientism, The New Atlantis, p.15.

[8] لماذا الدين ضرورة حتمية، 116 ـ 120.

[9] نفس المصدر.

[10] نفس المصدر.

[11] Mario Bunge, In Defense of Scientism.