فكر وثقافة

هل الميل إلى الجنس المماثل فطري؟.. السيد محمد باقر السيستاني يجيب...

آية الله السيد محمد باقر السيستاني 23-05-2020 657

إذا أمكن تفسير مبسط وموجز لقضية ميلان الجنس لنفس الجنس، فنحن درسنا في الطبّ أنّ ذلك ضمن التكوين النفسي، ولا قدرة لمن يميل إلى جنسه في أن ينجذب إلى الجنس الآخر، مع أنّ ذلك حرام في الدين، فما هو مصير مَن طُبع على هذا الميل؟

الجواب من سماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني:

إنّ الفطرة الإنسانية الأولية الموافقة للتكوين الجسدي للإنسان تجري على تكامل الذكر والانثى بعضهما ببعض، وليس هناك أي مؤشر علمي على ان هناك ميول للمرء الى الجنس المماثل بحسب العوامل الجينية فلم يثبت مثلاً وجود جين معين مشترك أو مجموعة جينات مشتركة بين الاشخاص الذين يلاحظ لديهم هذا الميل كي يدل ذلك على اساس جيني لهذه الميول.

بل المقدار الملحوظ بمتابعة العديد من الحالات ـ كما يؤكده العديد من الدراسات والخبراء وكما لاحظته شخصياً من خلال أسئلة شرعية من قبل بعض من ابتلى بذلك ـ أن هناك عوامل تربوية وبيئية عند بداية الاستمتاع بالشعور الغريزي في مرحلة الطفولة أو المراهقة تؤدي الى اتجاه الغريزة احياناً الى الجنس المماثل من جهة تعرض الطفل للاستثارة معه بفعله أو فعل غيره معه أو مشاهد من هذا القبيل ـ كما يسهل في هذا الزمان مما ادى الى زيادة هذه الحالات ـ، ويساعد على ذلك تيسّر اجتماعه مع الجنس المماثل والخلوة به عادةً.

وذلك لأنّ الاتجاهات النفسية للإنسان في هذا الجانب حساسة جداً، ويمكن ان تنحرف بسهولة ما لم يتم تداركه، وكأنّ من هذه الجهة يتوقع بعض الباحثين ان تكون هذه الميول فطرية وليست مكتسبة وفق القاعدة التي تقول ان الاتجاهات المتجذرة والعميقة في الكائن الحي هي اتجاهات فطرية، ولكن الواقع أنه لم يثبت أن هذه الاتجاهات متجذرة، بل تتراءى كذلك من جهة حساسية النفس الإنسانية في هذه الجهة وسرعة اتجاهها إلى منحى مختلف وتمسكها بما اتجهت إليه حينئذٍ.

وعليه فليس هناك أي أساس علمي حتى الآن لإثبات منشأ تكويني لهذه الميول.

وعلى تقدير أن يثبت أنّ هناك بعض الحالات التي يكون هناك مناشئ جينية لمثل هذا الميل في بعض الموارد، فليس في ذلك دلالة على سلامة هذه الحالة بعد ان كانت مخالفة مع التكوين الجسدي للإنسان ـ والذي يدل على تكامل الذكر بالأنثى وبالعكس ـ، فهناك حالات مرضية عديدة تنشأ من تغيرات جينية كما هو معروف، وليس وجود أساس جيني لحالةٍ ما أحياناً دليلاً على أنها حالة فطرية ومقبولة وسائغة.

وأما علاج هذه الحالة فهو ليس امراً متعذراً لكنه يحتاج الى عمل تدريجي تربوي شأن كثير من الصفات والخصال المكتسبة التي يحتاج الى مثل ذلك في تغيرها مثل الابتلاء بالمخدرات، أو الاعتياد على بعض الجرائم، وهو امر ملحوظ وواضح للقائمين على التعامل مع هذه الحالات.

ولكن يتوقف العلاج:

أولاً: على ايمان الشخص المبتلى بذلك بان هذه الحالة ليست حالة سليمة بل هي خاطئة، وان المفروض به ان يقاومها ولا يخضع لها.

فاذا تم إيمان الشخص بذلك ـ كما لاحظنا اتفاقه في بعض الشباب الراشدين الذين يكرهون هذه الحالة التي يجدونها من انفسهم ويذكرون أن سببه بعض ما اتفق لهم في عهد الطفولة ـ فان ذلك عامل مساعد على أن يستطيع الإنسان من الحد منها ومعايشة الجنس الآخر في حياة اعتيادية إلى حدّ كبير مقرون بالسعادة وإن كان يراوده بعض الخواطر والهواجس.

ولكن من المؤسف من المنظور التربوي السليم أنّ هناك ترويجاً شائعاً لكون هذه الحالة فطرية وطبيعية مما يؤدي الى تعذر هذه الخطوة إلا في أوساط المؤمنين والملتزمين بالدين، أو الذين يشخصون ذلك بأنفسهم من خلال معلوماتهم وتجاربهم في الحياة.

ثانياً: ايجاد البديل الطبيعي عملاً لمن وجد لنفسه هذا الميل، وذلك بمعايشة الحالة الطبيعية من خلال الزواج مع الأنثى، فإن لإيجاد البديل ومعايشته والإحساس به تأثيراً كبيراً في إمكان صرف النفس عما اتجهت إليه، لأن هذا الميل يتأكد نوعاً بتخيّل انحصار المتعة بالممارسة الشاذة وعدم وجود تشخيص حقيقي وملائم عن الحالة الطبيعية، فيؤدي إلى ما يزيد من تمسك المرء بالميول الخاطئة.

وثالثاً: إنّ تأمل الحياة تأملاً جامعاً وملائماً يعطي أن ثنائية الذكر والأنثى هي ثنائية رائعة من روائع الكون وان تكاملهما جسماً ونفساً هو تكامل ملائم ومذهل، وهو جزء من السنن الطبيعية والاخلاقية لهذه الحياة، كما نبهت على ذلك آيات مؤكدة وجميلة في القرآن الكريم.


(من كلام السيد محمد باقر السيستاني في بعض محاضراته)