تقلّب جثمانه ’الملائكة’: من غسّل رسول الله (ص)؟

تنويه: المعلومات والآراء الواردة في هذا المحتوى تمثل رأي مؤلفها ولا تعكس بالضرورة رأي أو سياسة «الأئمة الاثنا عشر»

هل شارك أحدٌ عليًا في تغسيل الرسول (ص)

هل شارك أسامةُ بن زيد أو غيرُه في تغسيل رسول الله (ص)؟

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

اضطراب ما أورده العامة

أمَّا ما ورد في بعض طُرق العامة فالذين شاركوا عليًّا (ع) في تغسيل الرسول الكريم (ص) هم العباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقثم بن العباس واسامة بن زيد وصالح مولى رسول الله (ص) وكان معهم من الأنصار أوس بن خولي الأنصاري من الخزرج، وكان بدريًا، نادى: يا علي، ننشدُك الله وحظَّنا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). فقال له عليٌّ (عليه السلام): ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يلِ مِن غسله شيئًا. فأسنده عليٌّ إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس، والفضل، وقثم يقلِّبونه مع عليٍّ، وكان أسامة بن زيد، وصالح مولاه يصبَّان الماء، وجعل عليٌّ يُغسِّله"(1).

وورد في بعض طرقهم أنَّ الذي كان مع أسامة شقران (2) مولى رسول الله (ص) بدلًا من صالح.

واختلفت رواياتهم أيضًا فيما كان يفعله المذكورون، فبعضُها ذكرت أنَّ العباس والفضل وقثم كانوا يقلِّبونه، وأسامة وصالح يصبَّان الماء أو أسامة وشقران يصبَّان الماء، وفي رواية أنَّ اللذَين يصبَّان الماء أسامة وقثم(3)، وفي رواية أسامة وأوس الأنصاري(4)، وفي رواية أنَّ الفضل وقثم وأسامة وصالح يصبُّون عليه(5)، وفي رواية أنَّ الذي يصبُّ الماء هو العباس(6)، وفي روايةٍ أنَّ العباس وأسامة يناولان عليًّا (ع) الماء من وراء الستر(7)، وهنالك رواية أنَّ عليًّا (ع) غسَّله يُدخل يده تحت القميص، والفضل يُمسك الثوب عنه، والأنصاري يُدخل الماء(8). وفي رواية أنَّ الذي يقِّلبه هو الفضل وحده(9) ورووا كذلك عن عليٍّ (ع) أنَّه قال: "فغسلتُه فما آخذ عضوًا إلا تبِعني، والفضلُ آخذٌ بحضنه يقول أعجل يا علي انقطع ظهري"(10). وأضاف بعضُهم إلى المذكورين عقيل بن أبي طالب(11) ولم نعلم ما هي وظيفته.

هذا هو حاصلُ ما أوردتْه رواياتُ العامَّة فيمَن شارك في تغسيل رسول الله (ص) وفي كيفيَّة تغسيله وهي -كما هو واضح- شديدةُ الاضطراب إلا أنَّه ورغم اضطرابها متَّفقةٌ جميعًا على أنَّ من تولَّى تغسيل الرسول (ص) هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (ع) والملاحظة الثانية هي أنَّ جميع الروايات تقريبًا اشتركت في عدِّ الفضل بن العباس ضمن مَن أعان على تغسيل النبيِّ (ص) فبعضُها أفاد أنَّه كان ضمن آخرين ممَّن ذكرنا أسماءهم وبعضُها لم تذكر معه غيره، فالفضل بن العباس هو القدر الذي اتَّفقت رواياتُ العامَّة على أنَّه الذي كان قد أعان عليًّا (ع) في تغسيل الرسول الكريم (ص).

ولذلك قال ابن عبد البر في التمهيد: "ولم يختلف في أنَّ الذين غسَّلوه علي والفضل بن عباس واختلف في العباس، وأسامة بن زيد، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقيل: هؤلاء كلهم شهدوا غسله، وقيل لم يغسِّله غير عليٍّ، والفضلُ كان يصبُّ الماء وعليٌّ يغسله"(12).

عليٌّ وحده الذي غسَّل الرسول (ص) والفضل يناوله الماء:

وأمَّا ما ورد من طرقنا فهو أنَّ عليًّا (ع) وحده الذي تولَّى تجهيز رسول الله (ص) لم يُشركه أحد سوى أنَّه (ع) لما أراد تغسيله (ص) استدعى الفضل بن العباس فأمره أنْ يُناوله الماء بعد أنْ عصَّب عينيه(13)، وورد في بعض الروايات أنَّ ذلك كان عن وصيةٍ أوصى بها رسولُ الله (ص) عليًّا (ع) أي أنَّه أوصاه بأنْ الذي يناوله الماء هو الفضل بن العباس دون أنْ يُمكِّنه من أنْ يرى شيئًا من جسد رسول الله (ص) ولذلك عصَّب عينيه(14).

ومن ذلك يتَّضح أنَّ القدر المتيقَّن من روايات الفريقين أنَّ الذي أعان عليًّا (ع) في تغسيل الرسول (ص) هو الفضل بن العباس دون سواه.

جثمانُ الرسول (ص) كانت تقلِّبه الملائكة وليس كما زعموا:

وأمَّا ما أوردته بعضُ روايات العامَّة من أنَّ العباس، والفضل، وقثم كانوا يقلِّبون رسول الله (ص) فهو مضافًا إلى كونه بلا موجب إذ لا يحتاج تقليب جثمانه الشريف إلى هذا العدد من الرجال، خصوصًا مع حرص الرسول الكريم (ص) على أنْ لا يطَّلع أحدٌ غير عليٍّ (ع) على شيءٍ من جسده الشريف ممَّا لم يكن كشُفه متعارفًا كما يتَّضح ذلك من الروايات الواردة من طُرق الفريقين والتي نصَّت على المنع المشدَّد من تجريده من قميصه(15) والروايات التي نصَّت على أنَّ من رأى شيئًا من جسده الشريف ممَّا لم يكن كشفُه متعارفًا فإنَّه يعمى(16) والتقليبُ مستلزمٌ لذلك عادةً أو لا أقلَّ من كون التقليب موجبًا لصيرورته في معرَض النظر، فمضافًا إلى ذلك فإنَّ تقليب العباس وابنيه لجثمان الرسول(ص) منافٍ لما ثبتَ من طُرق الفريقين أنَّ الملائكة هي مَن كانت تُقلِّب لعليٍّ (ع) جثمانَ الرسول (ص) كلَّما احتاج إلى ذلك.

فمِّما ورد في ذلك من طرقنا ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن عليٍّ (ع) قال: ".. فإنَّ رسولَ الله _صلَّى الله عليه) وآله أوصى إليَّ وقال: "يا علي لا يَلي غُسلي غيرك، ولا يُواري عورتي غيرك، فإنَّه إنْ رأى أحدٌ عورتي غيرك تفقَّأت عيناه، فقلتُ له: كيف لي بتقليبك يا رسول الله؟ فقال: إنَّك ستُعان، فوالله ما أردتُ أنْ أقلبَ عضوًا من أعضائه إلا قُلبَ لي"(17) فهذه الرواية صريحة بأنَّ تقليب جثمان الرسول (ص) لم يكن بواسطة أحدٍ من البشر

ومنها: ما أورده السيد ابن طاووس في كتاب الطرف: بإسناده عن عيسى بن المستفاد عن موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله): يا علي .. غسِّلني، ولا يُغسِّلني غيرُك فيعمى بصرُه، قال عليٌّ (عليه السلام): ولِمَ يا رسول الله؟ قال كذلك قال جبرئيل عن ربِّي، إنَّه لا يرى عورتي غيرُك الا عمى بصره، قال عليٌّ (عليه السلام): فكيف أقوى عليك وحدي؟ قال: يُعينك جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وملكُ الموت وإسماعيل صاحب سماء الدنيا، قلتُ: فمَن يُناولني الماء؟ قال: الفضل بن العباس من غير أنْ ينظر إلى شيءٍ منِّي فإنَّه لا يحلُّ له ولا لغيره من الرجال والنساء النظر إلى عورتي، وهي حرام عليهم"(18).

فإذا كان هؤلاء الملائكة الكرام هم أعوانُ عليٍّ (ع) على تغسيل الرسول (ص) فأيُّ حاجةٍ إلى أنْ يستعين بمَن يقلِّبه من البشر. ثم أنَّ الرواية واضحة في أنَّ المأذون له بالإعانة هو خصوص الفضل بن العباس، ولم يُؤذَن له بما يتجاوز المناولة للماء مع التحفُّظ عن النظر. والواضح من الرواية وغيرها أنَّ الذي يحرم النظر إليه من جثمان الرسول (ص) هو مطلق مالم يكن كشفُه متعارفًا، وأمَّا العورة بحسب الاصطلاح الفقهي فلا يجوز النظر إليها مطلقًا وذلك يشمل عموم الأموات.

ومنها: ما أورده السيِّد ابن طاووس في الطرف ومصباح الأنوار: باسنادهما عن عيسى بن المستفاد عن الكاظم (ع) قال: "قال عليٌّ (عليه السلام): غسلتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنا وحدي وهو في قميصه فذهبتُ أنزع عنه القميص، فقال جبرئيل: يا علي لا تجرِّد أخاك من قميصه، فانَّ الله لم يُجرده وتؤيَّد في الغسل، فأنا أشركك في ابن عمك بأمر الله، فغسلتُه بالروح والريحان، والملائكة الكرام الأبرار الأخيار تُبشِّرني وتمسك، وأكلَّم ساعة بعد ساعة، ولا أقلب منه عضوًا بابي هو وأمي إلا انقلب لي قلبًا، إلى أنْ فرغتُ من غُسله وكفنه"(19).

وهذه الرواية أيضًا صريحة في أنَّ جبرئيل كان شريك عليٍّ (ع) في تغسيل الرسول (ص) وأنَّ الملائكة الكرام كانوا أعوانه وأنَّ تقليب جثمان الرسول (ص) لم يكن بيد أحد من البشر.

وممَّا أوردته طرقُ العامَّة ما رواه البيهقي في دلائل النبوَّة بسنده عن يزيد بن بلال قال: سمعتُ عليًّا يقول أوصى رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) أنْ لا يغسِّله أحدٌ غيري فإنَّه لا يرى أحدٌ عورتي إلا طُمستْ عيناه، قال عليٌّ: فكان العباس وأسامة يناولان الماء وراء الستر، قال عليٌّ، فما تناولتُ عضوًا إلا كأنَّما يُقلِّبه معي ثلاثون رجلًا حتى فرغتُ من غُسله"(20).

وأورد ذات الرواية ابن سعد في الطبقات إلا أنَّه ذكر الفضل بن العباس بدلًا من العباس(21).

فهذه الرواية واضحة في أنَّه لم يكن مع عليٍّ (ع) أحدٌ يقلِّب جثمان رسول الله (ص) بل كان كلمَّا أراد أنْ يقلب عضوًا شعر كأنَّما يقلبه معه ثلاثون رجلًا، فهذه الرواية تنفي دعوى أنَّ العباس وابنيه كانوا يقلِّبون جثمان الرسول (ص) بل نصَّت على أنَّ العباس وأسامة كانا يناولان عليًّا (ع) الماء من وراء الستر ومقتضى ذلك أنَّهما لم يكونا معه في موضع المغتسل. وسيتَّضح فيما بعد أنَّ الذي كان يناوله الماء هو الفضل بن العباس.

ومنه: ما أخرجه ابن عساكر بسنده إلى عليِّ بن الحسين عن أبيه عن جدِّه قال: "أوصى النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عليَّاً أنْ يغسله، فقال علي: يا رسول الله أخشى أنْ لا أُطيق ذلك قال: إنَّك ستُعان، قال علي: فوالله ما أردتُ أنْ أقلب من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) عضوا إلا قلب"(22) فقوله: فوالله ما أردتُ أنْ أقلب من رسول .." هو تفسير قوله (ص): "إنَّك ستُعان".

ومنه: ما أخرجه ابنُ سعد في الطبقات قال: أخبرنا محمد بن عمر قال أخبرنا عبد الله بن جعفر الزهري عن عبد الواحد بن أبي عون قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) لعليِّ بن أبي طالب في مرضه الذي تُوفي فيه اغسلني يا علي إذا متُّ، فقال: يا رسول الله ما غسلتُ ميتًا قط فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم): إنَّك ستُهيأ أو تُيسر قال علي: فغسلتُه فما آخذ عضوًا إلا تبعني والفضل آخذٌ بحضنه يقول أعجل يا علي انقطع ظهري"(23)

فهذه الرواية واضحة أيضًا في أنَّ تقليب جثمان الرسول (ص) يتمُّ من وراء الغيب فذلك هو معنى قول عليٍّ (ع): "فغسلتُه فما آخذُ عضوا إلا تبعني" وهو معنى قول الرسول (ص) لعليٍّ -بحسب الرواية-: "إنك ستُهيأ أو تُيسَّر".

فعليه فإنَّ هذه الرواية -كالروايات السابقة وغيرها ممَّا لم نذكر- تنفي دعوى أنَّ العباس وابنيه كانوا يقلِّبون جثمان الرسول (ص) وكذلك تنفي ما رُوي من طرقهم أيضًا أنَّ الفضل أو العباس كان يقلِّب جثمان الرسول الكريم (ص).

وأمَّا ما ورد في ذيل الرواية من أنَّ "الفضل آخذٌ بحضنه يقول أعجل يا علي انقطع ظهري" فهو مناقضٌ لصدرها والذي اشتمل على أنَّ عليًّا(ع) لم يكن يأخذُ عضوًا إلا تبعه والمشتملة على ما يظهر منه أنَّ التقليب للجثمان كان يتمُّ بواسطة الملائكة، وكذلك هو مناقِضٌ للروايات التي ذكرنا بعضَها والتي أفادت أنَّ تقليب الجثمان كان يتمُّ بواسطة الملائكة، فإذا كان التقليب ميسورًا بحسب الرواية ويتمُّ بواسطة الملائكة فأيُّ موجبٍ لأخذ الفضل جثمان الرسول (ص) في حضنه؟! هذا مضافًا إلى أنَّ من غير المتعارف أخذُ الميِّت في الحضن أثناء تغسيله، فإنَّ ذلك لا يُسهِّل تقليب الجثمان، وإذا كان هو التقليب نفسه فهو منافٍ لما دلَّ على أنَّ التقليب يتمُّ بواسطة الملائكة وأنَّ عليًّا(ع) كلَّما أراد أنْ يرفع عضوًا تبِعه، على أنَّ الظاهر من قوله: "أعجل يا علي انقطع ظهري" أنَّ الفضل كان حاملًا للجثمان الطاهر ورافعًا له وهو غير متعارف وبلا موجبٍ، فلا التغسيل يحتاج إلى ذلك وأمَّا التقليب فيتمُّ بواسطة غيره، فهذه الزيادة مكذوبةٌ قطعًا، فقد عزَّ عليهم أنْ يختصَّ عليٌّ (ع) بهذه المنقبة فأرادوا أن يُشرِكوا معه غيره لنفي الخصوصيَّة عن عليٍّ (ع).

تفنيد ما ادُّعي من أنَّ أسامة أو غيره يصبُّ الماء:

وأمَّا دعوى أنَّ أسامة وصالحًا أو شقران كانا يصبَّان الماء فهي منافية لما دلَّ من روايات الفريقين على المنع من أنْ يرى أحدٌ شيئًا من جسد رسول الله (ص) ممَّا لا يكون كشفه متعارفًا، ومن الواضح أنَّ التصدِّي للصبِّ إن لم يستلزم ذلك فإنَّه يكون في معرض النظر والذي شدَّدت الروايات على لزوم التحفُّظ منه، ودعوى أنَّهما يصبَّان الماء وهما معصوبا العينين غير قابلةٍ للقبول إذ لا يتهيأ لهما الصب على الموضع المطلوب وهما معصوبا العينين، ولم يقل أحدٌ أن من يصبُّ الماء كان معصوب العينين، على أنَّ صبَّ الماء على الجسد هو ذاتُه التغسيل، إذ ليس المقصود من التغسيل هو التنظيف وإنَّما هو إجراء الماء، فلو صحَّ أنَّهما يصبَّان الماء لكان معنى ذلك أنَّهما شاركا في تغسيل الرسول (ص) وهو ما يُنافي الروايات الواردة من الفريقين التي أفادت أنَّ عليًّا (ع) وحده الذي غسَّل الرسول (ص) وبهذا يتَّضح سقوط ما رُوي من أنَّ العباس أو الفضل أو قثم أو أُويس الأنصاري كان أحدهم أو كانوا جميعًا يصبُّون الماء.

رواياتٌ عديدة تنفي حضور ومشاركة العباس:

هذا مضافًا إلى أنَّ ثمة رواياتٍ عديدة وردتْ من طُرقهم تنفي حضور العباس ومشاركته في التغسيل.

فمِن ذلك ما أخرجه ابن سعد في الطبقات بسنده عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: ".. وكان العباس بالباب فقال: لم يمنعني أنْ أحضر غسله إلا أنَّني كنتُ أراه يستحي أنْ أراهُ حاسرًا"(24).

ومنه: ما أخرجه ابنُ سعد بسنده عن أبي غطفان عن ابن عباس قال: والله لتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنَّه لمستنِدٌ إلى صدر عليٍّ وهو الذي غسَّله وأخي الفضل بن عباس، وأبى أبي أنْ يحضر، وقال إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) كان يأمرُنا أنْ نستتر، فكان عند الستر"(25) أي أبى العباسُ وامتنع من الحضور، فكان عند الستر أي مِن وراء الباب كما في الرواية السابقة.

ومنه: ما أخرجه ابنُ سعد أيضًا في الطبقات بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: غسَّل النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) عليٌّ والفضل وأمروا العباس أن يحضر عند غسله فأبى، فقال: أمرَنا النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) أنْ نستتر"(26).

وهذه الروايات تُؤكِّد أيضًا عدم حضور ومشاركة غير الفضل بن العباس.

ومن مجموع ما ذكرناه يتبيَّن أنَّه لم يصح أنَّ أحدًا من البشر قد شارك في تقليب جثمان الرسول (ص) أثناء تغسيل عليٍّ (ع) له ولم يصح أنَّ أحدًا كان يصبُّ الماء فلم يبق سوى المناولة للماء والإمساك بالستر.

أمَّا الإمساك بالستر أو الحجب كما في رواية عامر قال: كان عليٌّ يُغسِّل النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله وسلم) والفضل وأسامة يحجبانه"(27)، فلا يعدُّ الحجب والإمساك بالستر مشاركة في التغسيل، على أنَّ الإمساك بالستر بلا موجب فالنبيُّ (ص) كما في العديد من الروايات كان يغسّل من وراء الباب(28) فكان في حجرة محجوبة بالباب وكان الذي يناول الماء معصوب العينين فأيُّ معنىً لحمل الستر سوى الحرص على اصطناع وظائف لا دخل لها في التغسيل ولا موجب لها.

وأمَّا المناولة للماء فالقدر الذي يشترك الفريقان في روايته هو أنَّ ذلك كان يفعله الفضل بن العباس، فكان مع عليٍّ (ع) في موضع التغسيل ولذلك كان معصوب العينين، فإذا صحَّ أنَّ غيره كان يناول الماء فهو من وراء الباب، ولا يعدُّ ذلك مشاركةً في التغسيل على أنَّ الاعتبار المتعارف يقتضي تحضير الماء داخل الحجرة قبل الشروع في التغسيل وبعده يتمُّ إغلاق الباب، فلعلَّ بعض من ذُكرت أسماؤهم قرَّب الماء إلى باب الحجرة فاعتبر نفسه أو اعتبره الآخرون أنَّه شارك في التغسيل.


الهوامش:

1- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص260.

2- أنساب الأشراف -البلاذري- ج1 / ص569.

3- التمهيد -ابن عبد البر- ج24 / ص402

4- مسند أبي حنيفة -عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري- ص96.

5- أسد الغابة -ابن الأثير- ج1 / ص34.

6- المصنف -أبو شيبة الصنعاني- ج3 / ص397، السنن الكبرى -البيهقي- ج3 / ص395.

7- مجمع الزوائد -الهيثمي- قال: رواه البزاز ج9 / ص36، البداية والنهاية -ابن كثير- ج5 / ص282.

8- المعجم الكبير -الطبراني- ج1 / ص230، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص280.

9- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص279

10- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص281.

11- إمتاع الأسماع -المقريزي- ج14 / ص571.

12- التمهيد -ابن عبد البر- ج24 / ص402. تلخيص الحبير -ابن حجر- ج5 / ص116 عن ابن دحية.

13- الإرشاد -المفيد- ج1 / ص187، علل الشرائع -الصدوق- ج1/ ص188، دعائم الإسلام -القاضي النعمان- ج1 / ص228، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص269، قصص الأنبياء -قطب الدين الراوندي- ص357، مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص166. ورد في خطبة للإمام الحسن (ع) يمدح فيها أمير المؤمنين (ع) قال: ".. ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) راضيا عنه، حتى غمضه بيده وغسله وحده، والملائكة أعوانه، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء، ثم أدخله حفرته" لاحظ شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج14 / ص12.

14- دعائم الإسلام -القاضي النعمان- ج1 / ص228، جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج3 / ص154.

15- المعجم الكبير -الطبراني- ج1 / ص230. الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص276. مناقب علي بن أيب طالب- ابن المغازلي- ص99، سنن أب داود -اسجستاني- ج2 / ص67، السنن الكبرى البيهقي- ج3 / ص387، سنن ابن ماجه ج1 / ص471، المستدرك على الصحيحين -النيسابوري- ج1 / ص354، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص477.

16- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2/ 276. الخصال -الصدوق- ص 648، الأمالي -الطوسي- ص660، شرح مسند أي حنيفة -ملا علي القاري- ص306.

 

17- الخصال -الشيخ الصدوق- ص573.

18- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص197. نهج البلاغة، قال علي (ع) في إحدى خطبه: "ولقد وليت غسله (صلى الله عليه وآله) والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هينمة منهم" ج2 / ص172.

19- مستدرك الوسائل -النوري- ج2 / ص198.

20- دلائل النبوة -البيهقي- ج7 / ص244.

21- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص278.

22- تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- ج13 / ص129، كنز العمال -المتقي الهندي- ج7 / ص249

23- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص281.

24- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص279.

25- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص263-264.

26- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص279.

27- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص277.

28- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج2 / ص278-279، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص260.