الخلاف حول موضع قبر الامام علي عليه السلام نظرة في المصادر والأدلة

بعد أن تكفّل الحسنان (عليهما السلام) وعبد الله بن جعفر وبعض الخواص من أولاد الإمام علي (ع) وأصحابه بدفنه في جنح الليل تم التعتيم على القبر خوفا من أن ينال منه الأمويون والخوارج وظلّ الأمر على هذه الحال لا يصل القبر إلا الأئمة والخواص على غفلة من الناس حتى زال ملك بني أمية فوجد الإمام الصادق (عليه السلام) الفرصة سانحة في ليخبر أصحابه بموضع القبر الشريف فلم يتوانى عن ذلك حتى فشى أمره شيئا فشيئا ولكن بطبيعة الحال سيجد هذا الإعلان من يعارضه من المخالفين لأهل البيت عليهم السلام ولا يهمنا أمر هذه الفئة المخالفة كثيراً ما دامت أخبار أهل البيت (ع) في هذا السياق متواترة قطعية .

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

غير أنّه لا يزال ثمة من يثير بين الفينة والأخرى شكوكا حول موضع قبر أمير المؤمنين (ع) وفي الغالب هي مقالات من هنا وهناك تفتقر لمنهجية البحث العلمي فضلا عن خلوها من المحاكمات العلمية للآراء ناهيك عن قصورها في استقصاء الأدلة، بل يعتمد بعضها المغالطة والتزوير كما سنقف على نموذج منها عمّا قريب ، وإذا كان ليس من الانصاف أن يشغل الإنسان وقته بوضع أجوبة لما كان هذا حاله من المقالات فإنّما أكتب هذه الخلاصة نزولاً عند طلب من لا يُرَدّ له طلب من الأصدقاء وقد جعلتها على قسمين .. تكفّل الأول منهما ببيان موقف أهل البيت عليهم السلام من هذه القضية بينما تكفل الآخر بآراء المخالفين لهم اجمالا مع بعض المناقشات والله ولي التوفيق .

القسم الأول : روايات أهل البيت عليهم السلام في تحديد موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام

وردت روايات أهل البيت متواترة في تحديد موضع قبر أمير امير المؤمنين (عليه السلام) وأنّه في ظهر الكوفة في موضعه المتعارف في زماننا هذا، وقد كان هذا الموضع المبارك مشهورا يُزار من قبل الشيعة بعد أن دلَّ عليه الإمام الصادق (عليه السلام) ومن تلاه من الأئمة (عليهم السلام) بشكلٍ، ونظرا لكثرة هذه الروايات بما يحقق التواتر بل بما يفوقه أكتفي ههنا بنقل نزر منها :

1-    صحيح صفوان الجمال قال : "  كنت وعامر بن عبد الله بن جذاعة الأزدي عند أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، فقال له عامر : ان الناس يزعمون أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) دفن بالرحبة ، فقال : لا ، قال : فأين دفن ، قال : انه لما مات حمله الحسن ( عليه السلام ) فأتى به ظهر الكوفة قريبا من النجف ، يسرة عن الغري ، يمنة عن الحيرة ، فدفن بين ذكوات بيض ،قال : فلما كان بعد ذهبت إلى الموضع فتوهمت موضعا منه ، ثم أتيته فأخبرته ، فقال لي : أصبت رحمك الله - ثلاث مرات " (كامل الزيارات: ص34؛ الكافي: 1/ 456).

2-    معتبَر اسحاق بن جرير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : " اني لما كنت بالحيرة عند أبي العباس كنت آتي قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ليلا وهو بناحية نجف الحيرة إلى جانب غري النعمان ، فاصلي عنده صلاة الليل وانصرف قبل الفجر " (كامل الزيارات: 37 – 38) .

3-    معتبر يزيد بن عمر بن طلحة قال : " قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) وهو بالحيرة : أما تريد ما وعدتك ؟ قلت : بلي – يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه - قال : فركب وركب إسماعيل وركبت معهما حتى إذا جاز الثوية وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض نزل ونزل إسماعيل ونزلت معهما فصلى وصلى إسماعيل وصليت " (كامل الزيارات : 35؛ الكافي 4/ 571) . والرواية معتبرة بناء على توثيق يزيد بن عمر لأنه من مشايخ الثقات أو لوقوعه في اسانيد كامل الزيارات أو لتجميع القرائن الدالة على وثاقته والأمر فيه سهل .

4-    معتبر احمد بن محمد بن أبي نصر قال : " سألت الرضا ( عليه السلام ) فقلت : أين موضع قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال : الغري ، فقلت له : جعلت فداك ان بعض الناس يقولون : دفن في الرحبة ، قال : لا ، ولكن بعض الناس يقول : دفن بالمسجد " (كامل الزيارات : 38) وهو معتبر على القول بوثاقة محمد بن قولويه والد صاحب كامل الزيارات ، ونلاحظ أنّ الامام الرضا عليه السلام قد أبدى رأيه بالإرشاد الى موضع القبر المتعارف في الغري والذي أشاع أمره الإمام الصادق (ع) من قبل نافيا ما يثيره بعض الأمويين وغيرهم ويتوهمه بعض الشيعة  كما سيأتي من أنه في الرحبة او في المسجد وهو ما كانوا يثيرونه أيام الإمام الصادق (ع) أيضا كما مرّ عليك في صحيحة صفوان الجمال الآنفة .. واحفظ هذه الرواية جيدا إذ سنعاود الكلام عنها عمّا قريب لنبيّن كيف أن بعض الكتّاب دلّس فيها للتخليط على الناس .

5-    رواية الحسين الخلال عن جده قال : "  قلت للحسين بن علي ( عليهما السلام ) : أين دفنتم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قال : خرجنا به ليلا حتى مررنا على مسجد الأشعث ، حتى خرجنا إلى ظهر ناحية الغري " .

6-    رواية الحسن بن الجهم عن الإمام الكاظم (عليه السلام) حيث اشتكى فيها للامام (عليه السلام) من يحيى الذي كان يتعرض لزوار قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) وفيها وصف دقيق لمكان القبر الشريف وهذا نصها: " ذكرت لأبي الحسن ( عليه السلام ) يحيى بن موسى وتعرضه لمن يأتي قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وانه كان ينزل موضعا كان يقال به الثوية يتنزه إليه ، الا وقبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فوق ذلك قليلا ، وهو الموضع الذي روى صفوان الجمال ان أبا عبد الله وصفه له ، قال له فيما ذكر : إذا انتهيت إلى الغري ظهر الكوفة ، فاجعله خلف ظهرك وتوجه إلى نحو النجف ، وتيامن قليلا ، فإذا انتهيت إلى الذكوات البيض والثنية امامه فذلك قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وانا اتيته كثيرا ، ومن أصحابنا من لا يرى ذلك ويقول : هو في المسجد ، وبعضهم يقول : هو في القصر ، فارد عليهم بان الله لم يكن ليجعل قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في القصر في منازل الظالمين ، ولم يكن يدفن في المسجد وهم يريدون ستره ، فأينا أصوب ، قال : أنت أصوب منهم ، اخذت بقول جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) " (كامل الزيارات 85) ومن هذا تعرف أنه بعد استشهاد الامام الصادق (عليه السلام) ظلت روايات تشخيصه للقبر الطاهر مشهورة وعليها المعوّل بين الأصحاب .

7-    وفي رواية عمرو بن عبد الله الجهني (ابو مطر) قال الإمام علي (ع) للامام الحسن (ع) بعد أن أصابه ابن ملجم : " إذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر أخوي هود وصالح ( عليهما السلام ) " (تهذيب الأحكام: 6/ 34) فالإمام ع أوصى أن يُدفن في ظهر الكوفة أي في الغري لا في الرحبة ولا المسجد ولا المدينة . وقد روى الشيخ الطوسي (قدس سره) في التهذيب هذه الوصية بأكثر من سند وبألفاظ متقاربة فراجع .

8-    وفي رواية جابر الجعفي أنّه سأل الامام الباقر (ع) عن موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له : " دُفن بناحية الغريين، ودُفن قبل طلوع الفجر" (الإرشاد، الشيخ المفيد 1/25).

9-    وفي رواية حسين بن ابي العوجاء الطائي إذ نزل عنده الامام الصادق عليه السلام راجعاً من كربلاء المقدسة فسأله الطائي: " جُعلت فداك، بأبي أنت وأمي هذا القبر الذي اقبلتَ منه قبر الحسين (ع) ؟ قال الامام الصادق (ع) : إي والله يا شيخ حقا ولو أنّه عندنا لحججنا إليه . (الحج لغة يعني القصد)، فقال الطائي (وهو كوفي) : فهذا الذي عندنا في الظَهر (ظهر الكوفة = الغري) أهو قبر أمير المؤمنين؟ قال الإمام (ع): إي والله يا شيخ حقا ولو أنه عندنا لحججنا إليه " . (فضائل أمير المؤمنين ، ابن عقدة الكوفي : 140) .

هذه عشر روايات وغيرها أكثر منها لم أذكرها كلها تدل على أن أمير المؤمنين (ع) قد دفن في مرقده الفعلي في زماننا في ظهر الكوفة وهذا هو الرأي المتسالم عليه بين أهل البيت (عليهم السلام) من دون مخالف منهم يُذكَر، وبه كانوا يعملون إذ زاره في هذا الموضع كل من الأئمة السجاد والباقر والصادق والكاظم عليهم السلام كما في كامل الزيارات وغيره من المصادر المعتبرة وقد وصلنا هذا التشخيص عنهم بالتواتر المفيد للقطع وتلقاه أصحابهم في زمانهم وعملوا به فكانوا يزورون هذا القبر الشريف في موضعه الفعلي الآن ويدل على ذلك نصوص تاريخية وروائية كثيرة أذكر لك نموذجا واحدا منها :

روى ابن قولويه  عن عبد الله بن سنان ، قال : اتاني عمر بن يزيد ، فقال لي : اركب ، فركبت معه ، فمضينا حتى نزلنا منزل حفص الكناسي ، فاستخرجه فركب معنا ، فمضينا حتى اتينا الغري ، فانتهينا إلى قبر ، فقال : أنزلوا هذا القبر قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقلنا له : من أين عرفت هذا ، قال : اتيته مع أبي عبد الله ( عليه السلام ) حيث كان في الحيرة غير مرة ، وخبرني انه قبره " (كامل الزيارات ص82 ، الكافي : 1/ 273) .

وعلى أي حال ثمة روايات كثيرة جدا تدل على المطلوب غير هذه العشرة .. ومجموع هذه الروايات يبلغ حد التواتر بل يفوقه، مما لا يدع مجالاً للشك .

إشكال وجواب :

كتب أحدهم مؤخرا أنّ المنهج الصحيح يقتضي رفع اليد عن هذه الروايات المتواترة وأنّه لا يمكن التمسك بها وذكر لذلك تعليلاً عليلاً عجيبا – وما عشتَ أراك الدهر عجبا – مفاده أن أحمد بن محمد بن أبي نصر وهو من أكابر الفقهاء من أصحاب الامام الرضا (ع) وكذلك الامام الرضا (ع) كانا لا يعلمان موضع قبر أمير المؤمنين (ع) فلو كان الامام الصادق (ع) قد دلّ عليه فعلاً فمن غير المعقول أن يخفى عليهما ذلك ويستدل لاثبات زعمه هذا برواية مروية في  قرب الاسناد مضيفا لها بعض التدليس الموهم لعامّة الناس لذا أقف عليه ههنا بشيء من التفصيل :

أمّا رواية قرب الاسناد التي استدل بها فنصها كما يلي : " عن ابن ابي نصر قال سألتُ الرضا (ع) عن قبر أمير المؤمنين عليه السلام . فقال : " ما سمعت من أشياخك ؟ فقلت له : حدثنا صفوان بن مهران عن جدك ، أنه دفن بنجف الكوفة ، ورواه بعض أصحابنا عن يونس بن ظبيان بمثل هذا . فقال : سمعت من يذكر أنه دفن في مسجدكم بالكوفة  ... " (قرب الاسناد : 367) .

هذا هو النص وأمّا التدليس الذي أضافه هذا الكاتب فهو أنه كتب في هامشها : " كامل الزيارات باسناد صحيح عنده وعندهم " وهذا كذب قراح فالرواية لم ترد بهذا المتن في كامل الزيارات بل وردت بمتن آخر حيث أجاب فيه الإمام الرضا على سؤال أحمد بن أبي نصر بصحة الرأي القائل ان القبر في الغري (ظهر الكوفة) وهذا نصها :

احمد بن محمد بن أبي نصر قال : " سألت الرضا ( عليه السلام ) فقلت : أين موضع قبر أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال : الغري ، فقلت له : جعلت فداك ان بعض الناس يقولون : دفن في الرحبة ، قال : لا ، ولكن بعض الناس يقول : دفن بالمسجد " .

وهي الرواية الرابعة من الروايات العشر التي نقلتها قبل قليل ، فالإمام الرضا (ع) أجاب على السؤال بأنّ الموضع الصحيح للقبر الشريف هو الغري ولمّا تطرق الراوي لآراء الناس استدرك عليه الامام بذكر بعضها وفي نسخة البحار (97/ 239) بدلا من (سمعت من يذكر) قال (سمعت منه) أي من يونس أي لما ذكر البزنطي عن يونس نقلا مغايرا لما سمعه الامام منه استدرك عليه ولم يكن الامام في صدد بيان رأيه كما سيأتي . .

إذاً المتن المروي بسند معتبر في كامل الزيارات في نفسه دليل على عدم صحة ما يريد هذا الكاتب اثباته لكنه حاول ايهام القارئ بأنّ المتن نفسه متكرر في الكتابين وهذا تدليس .

بعد ذلك دعنا نعود الى المتن الوارد في قرب الاسناد لننظر هل يمكن الاستدلال به على دعوى هذا الكاتب أم لا ؟ في هذا الصدد سأكتفي بذكر أمرين :

الأوّل : لم يصلنا نسخة معتبرة من كتاب قرب الاسناد فما وصل كلها نسخ متأخرة لا يمكن الاعتماد عليها وبالتالي هذه الرواية ضعيفة ، وما قد يسمعه بعض الكتاب من قول بعض الفقهاء باعتبار روايات قرب الاسناد فليس المراد منه اعتبار نسخة الكتاب المتداولة وانما الكلام عن الروايات التي نقلها صاحب الوسائل عنه وذلك من جهة أن صاحب الوسائل يملك طريقا إليه ذكره في الفائدة الخامسة في آخر الوسائل مع انه وقع الكلام حتى في ما نقله أيضا من جهة عدم معلومية كون طريقه الى المصنف او الى نسخة الكتاب ولا ينفعنا غير الثاني .. وعلى أي حال فإن هذه الرواية غير مذكورة في الوسائل وطريقها الوحيد هو نسخ الكتاب المتأخرة المتداولة وهي غير معتبرة .

الثاني : مع غمض النظر عن المناقشة السابقة إذا رجعنا الى متن الرواية فليس فيه أي دلالة على عدم معرفة البزنطي بمكان قبر الإمام عليه السلام فضلا عن عدم معرفة الإمام الرضا (ع) وبيان ذلك : أنّ مجرّد مبادرة البزنطي للسؤال لا يعني عدم أخذه بما ورد عن الامام الصادق وإنما قد يسأل لتأكيد المعلومة أو لأغراض أخرى كثيرة وهذا أمر جار حتى في اليقينات فلا مانع من السؤال عنها بعد إن كان اليقين في نفسه على مراتب متعددة (مشكك يتمايز شدّة وضعفاً) ألم يقل النبي ابراهيم (ع) : " رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " فخلاصة هذه المناقشة أن الرواية ليس فيها أكثر من السؤال والتعرض للآراء المتعددة ولا يلزم من ذلك بالضرورة عدم المعرفة المسبقة وإنما يقع مثله لزيادة اليقين والاطمئنان أيضا فيكون الاستدلال أعمّ من المدّعى .

هذا ولك أن تناقش في مرتبة لاحقة بأنّ كون الخبر متواترا لا يعني وضوحه عند الجميع كما لا يعني اطلاع الجميع عليه فمن الممكن أن لا يقف بعضهم – مهما علا شأن هذا البعض – على كثرة طرق الخبر وتواتره كما هو معلوم لدى من يملك أدنى دربة في الحديث والدراية هذا فضلا عن أنّ شيئا كثيرا من الأخبار اتضح تواترها بعد مرحلة جمع أصول الحديث وكان الوقوف عليه قبل ذلك لا يناله إلا الأوحدي من الناس بسبب تفرق اصول الحديث وتعسر الوصول اليها جميعا .

وأمّأ بالنسبة الى الإمام الرضا عليه السلام فلا يدل متن الرواية على أكثر من أنّه امتنع عن الجواب واكتفى بذكر بعض الآراء ربما لوقوع السؤال في ظرف لم يكن من المصلحة أن يجيب فيه على مثله فكلّ ما يمكن استفادته من الرواية أنّ الإمام لم يُعلن في هذا المجلس عن رأيه وهذا شيء وعدم المعرفة شيء آخر فمن أين استفاد هذا الكاتب دلالتها على عدم المعرفة ؟!

ولا تغفل عن أنّ هذه المناقشة جاءت من باب التنزّل وإلا فإن رواية قرب الاسناد غير معتبرة والوارد بسند صحيح في كامل الزيارات أنّ الإمام الرضا (ع) أرشد البزنطي الى الغري حيث موضع القبر الذي أرشد إليه الامام الصادق عليه السلام .

القسم الثاني: الموقف من آراء المخالفين لأهل البيت عليهم السلام

بعد ان علمنا تشخيص أهل البيت (ع) لموضع القبر الشريف ووردنا ذلك عنهم بالتواتر فلا يهمنا اطلاقا ما يراه من يخالفهم وإنما عقدت هذا القسم لأشير الى أمر أراه نافعا وهو أنّ كثيرا من المؤرخين يذهب الى ما ذهب إليه أهل البيت (ع) من أنّ قبر أمير المؤمنين (ع) هو هذا القبر المتعارف الذي يزار في ظهر الكوفة منهم على سبيل المثال المؤرخ الكبير محمد بن السائب الكلبي (المتوفى 146هـ) قال لمّا سُئل عن موضع قبر أمير المؤمنين : " أخرج به ليلاً خرج به الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وعدة من أهل بيته فدفن في ظهر الكوفة " (مقتل الامام أمير المؤمنين ، ابن ابي الدنيا : 79) . وظهر الكوفة هو الغري .

 وأمّا الآراء المخالفة لذلك فكثير منها لا تكاد تتتبَّع منبعه حتى تجده صادر من أموي الهوى ! .. نعم الأمويون الذين تمّ إخفاء القبر الشريف مدّة خلافتهم خوفا من أن ينبشوه هم نفسهم بعد إن زالت السلطة من أيديهم وأعلن أهل البيت عن مكان القبر حزّ في نفوسهم رؤية الناس تزوره وتعظّمه فصاروا يضعون الاشاعة تلو الاشاعة عسى أن ينصرف الناس عن هذا القبر الذي أتعبهم صاحبه حياً وشهيدا !. وكنموذج من اشاعاتهم مثلا كان عبد الملك بن عمير يشيع بين الناس أن الامام علي (ع) دفن بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد (البداية والنهاية ، ابن الأثير : 7/ 365) .وعبد الملك هذا كان قاضيا للأمويين في الكوفة بعد عامر الشعبي .

وأما حكاية أن هذا القبر هو قبر المغيرة فليس له غير هذا السند " عن أبي نعيم الحافظ عن أبي بكر الطلحي، عن محمد بن عبد الله الحضرمي " وهذا سند لا يُسمن ولا يغني من جوع فضلا عن عدم صلاحيته لمعارضة أهل البيت (ع) فكل رجال السند ليسوا ثقات عندنا فكلهم من المخالفين لمدرسة أهل البيت (ع) ولم يرد في حقهم توثيق من طرقنا ولو تجاوزنا ذلك فإن الحضرمي (مطين) راوي الخبر عاش في القرن الثالث (توفي سنة 277هـ) فما أدراه بحوادث القرن الأول ولم يخبرنا بسنده ومن ثمّ لو تجاوزنا ذلك فإن الواسطة بين ابي نعيم ومطين ، أعني الطلحي وهو عبد الله بن يحيى بن معاوية شخص مجهول حتى عند علماء الرجال من أهل السنة والجماعة فلا يعرفون عنه شيئا غير اسمه وربما هي شخصية خيالية زيفها بعضهم لوضع الأحاديث على لسانها .

ثمّ أضف لكل ذلك أن غير واحد من العلماء كابن الأثير في غريب الحديث ( 1/ 2319) والحموي في معجم البلدان وغيرهما ذكروا أنّ قبر المغيرة في الثوية  وذكر غيرهم أنّ موضعه غير معلوم ولم يرد أنه في الغري من غير هذا السند الذي حاله كما تراه .

وأختم هذه الخلاصة التي أرجو أن تكون مفيدة بهذا التساؤل الذي أترك جوابه لفطنتك : من أعرَف بموضع قبر الرجل .. أهل بيته وأحفاده وأصحابه الذين دفنوه بأيديهم أم خصومه والمخالفون لمدرسته الذين لم يحضروا دفنه ولا تربطهم به وشيجة ؟

والله تعالى ولي التوفيق .