أين كان الإمامُ الحسن والإمامُ الحسين (ع) حين أُصيبَ أمير المؤمنين (ع) في الصلاة، وهل يصحُّ ما يُقال إنَّهما كانا نائمين في منزليهما وما يُقال من أنَّ الإمام الحسن (ع) أراد أن يخرج مع أبيه (ع) فمنعه وأمره أنْ يعود إلى منامه؟!

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

هذا الكلام لا يصحُّ جزمًا وهو منافٍ لما تقتضيه أخبارُ الفريقين، فالأخبارُ متَّفقة على أنَّ الإمام عليًّا (ع) خرج من بيته للصلاة قُبيل دخول وقت صلاة الصبح بزمنٍ يسير([1]) فكيف يصحُّ أنْ يكون الإمامان الحسنُ والحسين (ع) نائمين؟!! وكيف يصحُّ بناءً على الدعوى الأخرى أنْ يأمرَ الإمام عليٌّ (ع) الحسنَ (ع) أو يأمر الحسنين (ع) بالعودة إلى منامهما؟!!

إنَّ مثل هذه الدعوى والتي قبلها مسيئةٌ لمقام أهل البيت (ع) الذين هم في طليعة مَن وصفهم القرآن بقوله تعالى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) وقوله تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) هذا أولًا.

الإمام الحسن (ع) كان حاضراً حين وقوع الحادثة:

وثانيًا: إنَّ الكثير من المؤرِّخين نقلوا عن الإمام الحسن (ع) أنَّه خرج للصلاة بصحبة أبيه (ع) إلى المسجد فكان حاضرًا في المسجد حين وقوع الحادثة بمقتضى هذه النصوص، فمِن ذلك ما أورده أبو الفرج الأصفهاني بسنده عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الحسن بن علي (ع) قال: خرجتُ أنا وأبي نصلِّي في هذا المسجد، فقال لي: يا بُني إنِّي بتُّ الليلة أُوقظ أهلي لأنَّها ليلة الجمعة صبيحة يوم بدر لسبع عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان، فملكتني عيناي، فسنح لي رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله) فقلتُ: يا رسولَ الله ماذا لقيتُ من أُمَّتِك من الأوَد واللدَد؟ فقال لي: ادعُ عليهم. فقلت: "اللهمَّ أبدلني بهم مَن هو خيرٌ لي منهم، وأبدلهم بي من هو شرٌّ لهم مني" وجاء ابن النباح. فآذنه بالصلاة فخرج وخرجتُ خلفه .."([2]).

وفي الطبقات الكبرى لابن سعد قال: قال الحسن بن علي (ع): وأتيته سحرًا فجلستُ إليه فقال: إنِّي بتُّ الليلة أُوقظ أهلي فملكتني عيناي وأنا جالس فسنح لي رسولُ الله فقلتُ: يا رسول الله ما لقيتُ من أمَّتِك من الأوَد واللدد فقال لي: ادعُ الله عليهم فقلت: اللهمَّ أبدلني بهم خيرًا لي منهم، وأبدلهم شرًا لهم منِّي، ودخل بن النبَّاح المؤذِّن على ذلك فقال: الصلاة فأخذتُ بيده فقام يمشي وابنُ النباح بين يديه وأنا خلفَه، فلمَّا خرج من الباب نادى أيُّها الناس الصلاة الصلاة كذلك كان يفعلُ في كلِّ يومٍ يخرجُ ومعه درَّته يُوقظ الناس"([3]).

وأورد ابن عبد البر في الاستيعاب ما يقرب من هذا النص([4]).

وممَّا يدلُّ على حضور الإمام الحسن (ع) حين وقوع الحادثة ما أورده المسعودي (رحمه الله) في مروج الذهب فأفاد أنَّ الناس حين شدَّتْ على ابن ملجم فما لبثوا أنْ أمسكوا به أقبلوا به إلى الإمام الحسن (ع) قال: "وضرب المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به إلى الحسن"([5]) ويؤيده ما أورده العلامة المجلسي (رحمه الله) قال: "فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن ورأس أبيه في حجره.."([6])، وكذلك يُؤيِّده ما أورده ابن شهراشوب في المناقب قال: "وأمر الحسن (ع) أنْ يُصلِّي الغداة بالناس .."([7])  أورده وكذلك يؤيده ما أورده ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح قال :" .. وسقط عليٌّ رحمة الله عليه لما به ، وتسامع الناسُ بذلك وقالوا : قُتل أمير المؤمنين ودنت الصلاة ، فقام الحسنُ بن عليٍّ فتقدَّم فصلَّى بالناس ركعتين خفيفتين . ثم احتمل علي إلى صحن المسجد وأحدق الناسُ به ، فقالوا : مَن فعل هذا بك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا تعجلوا ، فإنَّ الذي فعل بي هذا سيدخل عليكم الساعة من هذا الباب ، وأومأ بيده إلى بعض الأبواب ، قال : فخرج رجلٌ من عبد القيس في ذلك الباب فإذا هو بابن ملجم.." الفتوح - ابن أعثم- ج4/ 279

فصلاة الإمام الحسن (ع) بالناس وإنْ كان خلاف المشهور حيث إنَّ المشهور أنَّ الإمام عليًّا (ع) حين أُصيب في صلاته تأخَّر ودفع في ظهر ابن أخته جعدة بن هبيرة فأتمَّ بالناس الصلاة وكان الحسن (ع) قد اشتغل حينها بأبيه (ع) إلا أنَّ ذلك لا يمنعُ من صلاحيَّة ما أفاده ابنُ شهراشوب وما أورده ابن أعثم الكوفي لتأييد أنَّ الإمام الحسن (ع) كان حاضرًا .

الإمام الحسين (ع) كان في المدائن:

وأمَّا الإمام الحسين (ع) فقد ورد أنَّه أساسًا لم يكن في الكوفة حين وقعت الحادثة وأنَّه كان في المدائن في مهمَّةٍ أناطها به أميرُ المؤمنين (ع) فقد كان (ع) يُعِدُّ العُدَّة لمعاودة الحرب على معاوية، فمِمَّن أفاد ذلك الكليني في الكافي بسندٍ ذكره قال: لمَّا أُصيبَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) نعى الحسنُ إلى الحسين (عليهما السلام) وهو بالمدائن، فلمَّا قرأ الكتاب قال: يا لها من مصيبة ما أعظمَها .."([8]).

وكذلك نقل البلاذري في أنساب الأشراف عن جماعةٍ قالوا: "وكان الحسين بالمدائن قد قدّمه أبوه إليها وهو يُريد المسير إلى الشام، فكتبَ إليه الحسن بما حدث من أمر أبيه مع زجر بن قيس الجعفي، فلمَّا أتاه زحر انصرفَ بالناس إلى الكوفة وقال بعضهم: إن الحسين كان حاضرا قتل أبيه"([9]).

إشكالٌ وجواب:

قد يُقال: إذا كان الإمام الحسين (ع) في المدائن حين أصيب أمير المؤمنين (ع) فمتى عاد منها ليُشارك في تغسيل الإمام (ع) وتشييعه ودفنه والحال أنَّ الإمام استشهد في اليوم الثالث من إصابته؟

والجواب: هو أنَّه لا ريب في مشاركة الإمام الحسين (ع) في تغسيل والده (ع) وتشييعه ودفنه كما نصَّت على ذلك الروايات، ووجوده (ع) في المدائن –لو صحَّ- لا يمنعُ من حضوره، فإنَّ المسافة بين الكوفة والمدائن لم تكن بعيدة، فهي لا تتجاوز نيفًا وستين ميلًا، ويؤيِّده ما أورده عبد الرزاق الصنعاني في المصنَّف عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنتُ مع حذيفة بالمدائن فاستأذنتُ أنْ آتي أهلي بالكوفة فأذن وشرط عليَّ أنْ لا أفطر ولا أُصلِّي ركعتين حتى أرجع إليه"([10]) فحذيفة ابن اليمان (رحمه الله) كان واليًا على المدائن فاستأذنه الراوي في المصير إلى أهله في الكوفة فأذن له حذيفةُ أن يخرج إلى الكوفة شريطة أنْ يعود منها إلى المدائن من يومه، فهو سيخرج من عنده في المدائن إلى الكوفة ويعود إليها من يومه وهو ما يعني أنَّ السفر من المدائن إلى الكوفة ذهابًا وإيابًا لا يستغرق يومًا واحدًا بالخيل، وقال: ابنُ حزم في المحلَّى: "وبينهما نيفٌ وستون ميلًا"([11]).

فالمسافة بين الكوفة والمدائن تُقارب المائة والخمسين كيلو متر، فإذا كان متوسط سرعة الخيل عدوًا دون أقصى السرعة عشرين كيلو متر في الساعة فيحتاج المسافر من الكوفة للمدائن إلى سبع ساعات تقريبًا، فلو خرج رسولُ الإمام الحسن (ع) من الكوفة في أول الصبح كما هو مقتضى طبيعة القضية وأهميتها فإنَّه سيصل إلى المدائن قبل ليلة العشرين، وسوف يتحرَّك الإمام الحسين (ع) فور وصول الخبر إليه، وعليه فلو سار (ع) من المدائن على أبعد التقادير في أوَّل الليل فإنَّه سيصل إلى الكوفة قبل طلوع فجر يوم العشرين من شهر رمضان، وبذلك يُدرك أباه (ع) ووصيته وتجهيزه.

الهوامش:

[1]- الإرشاد -المفيد- ج1 / ص16، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص311، مناقب آل أبي طالب- ابن شهراشوب- ج3 / ص94، مقاتل الطالبيين -الأصفهاني- ص25، روضة الواعظين- الفتال النيسابوري- ص136، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج3 / ص649، الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج2 / ص738 وغيرهم.

[2]- مقاتل الطالبيين -أبو الفرج الأصفهاني- ص25، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد- ج6 / ص121، شرح الأخبار -القاضي النعمان- ج2 / ص433، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص556، 559، أسد الغابة -ابن الأثير- ج4 / ص37، أنساب الأشراف، البلاذري- ج2 / ص495، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج3 / ص668.

[3]- الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج3 / ص36، أنساب الأشراف-البلاذري ج 2/ 494، تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- ج42 / ص559، أسد الغابة -ابن الأثير- ج4 / ص37.

[4]- الاستيعاب -ابن عبد البر- ج3 / ص1127.

[5]- مروج الذهب -المسعودي- ج2 / ص412.

[6]- بحار الأنوار-المجلسي- ج42 / ص283.

[7]- مناقب آل أبي طالب- ابن شهراشوب- ج3 / ص96.

[8]- الكافي -الكليني- ج3 / ص220.

[9]- أنساب الأشراف -البلاذري- ج2 / ص497.

[10]- المصنف -الصنعاني- ج2 / ص527.

[11]- المحلَّى -ابن حزم- ج5 / ص3.