كثيرة هي الشمائل النبوية المذكورة في القرآن الكريم، وهنا نحاول ان نقف عند واحدة منها، لما للتعرف على خصائصه  من أثر مهم في معرفة عظم المصيبة التي ابتلي بها المسلمون برحيله حتى ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فإن الخلق لم يصابوا بمثله قط([1]).

فعظم الشعور بالفقدان يتوقف على عظم المفقود.

وما نريد ان نتوقف عنده في هذه المقالة مقام الشهادة الذي وصف الحق تبارك وتعالى نبيه به في كتابه فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}([2])، فما معنى الشهادة في هذه الآية الكريمة؟

إن هذه الشهادة المذكورة في الآية، حقيقة من الحقائق القرآنية تكرر ذكرها في كلامه سبحانه، كقوله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}([3])، وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}([4])، وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ}([5])، والشهادة فيها مطلقة، وظاهر الجميع على إطلاقها هو الشهادة على أعمال الأمم، وعلى تبليغ الرسل أيضا، كما يومىء إليه قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ}([6])، وظاهر الآيات إن هذه الشهادة ليست في الآخرة ويوم القيامة فقط كما في قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً} ([7])، بل في الحياة الدنيا ايضا يشير اليها قوله تعال حكاية عن عيسى (عليه السلام): {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ([8]).

ثم لنا ان نسأل ان هذا الشهيد شهيد على صور الأعمال فقط ام على حقيقتها وباطنها والمقصود من حقيقة الاعمال المعاني النفسانية من الكفر و الإيمان و الفوز و الخسران، و كل خفي عن الحس ومستبطن عند الإنسان؟

والجواب: بما ان الآيات مطلقة فهي تفيد ان الشهيد عالم ومطلع على حقائق الاعمال وليس صورها فحسب، بل هي تحمل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء، وانقياد وتمرد، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله من كل شيء، حتى من أعضاء الإنسان، يوم يقول الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

ولا يخفى أن هذه الحقائق القلبية النفسانية هي مدار الثواب والعقاب في الآخرة فعليها يدور حساب رب العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}([9])، فهي مما ليس في وسع الإنسان إحصاؤها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلا عن الغائبين إلا رجل يتولى الله أمره ويكشف ذلك له بيده، ويمكن أن يستفاد ذلك من قوله تعالى {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ([10]).

الشهادة.. كرامة خاصة

و من المعلوم أن هذه الكرامة ليست تنالها جميع الأمة، إذ ليست إلا كرامة خاصة للأولياء الطاهرين منهم، و أما من دونهم من المتوسطين في السعادة، و العدول من أهل الإيمان فليس لهم ذلك، فضلا عن الأجلاف الجافية، و الفراعنة الطاغية من الأمة، بل هؤلاء هم من أشار اليهم الحق تعالى بقوله {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}([11])، ومن خلال الآية المتقدمة يتضح تلازم مقام الشهادة مع الشفاعة حيث أنها نفتها عن غير الشهداء، وبما أنهم ـ اي الشهداء ـ من الذين أنعم الله عليهم بمقتضى قوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً}([12])، فيكونون هم أصحاب الصراط المستقيم لقوله: اهدنا الصراط المستقيم

فهم أصحاب الصراط المستقيم، لقوله تعالى صراط الذين أنعمت عليهم: فاتحة الكتاب - 7.

فالمراد بكون الأمة شهيدة أن هذه الشهادة فيهم، كما أن المراد بكون بني إسرائيل فضلوا على العالمين، أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف به كل واحد منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه و منه، فكون الأمة شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس و يشهد الرسول عليهم.

ومما تقدم نعلم أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) محيط بإحاطة ملكوتية بالجميع وان الاعمال كذلك تعرض عليه، ففي بعض الروايات كل صباح ومساء وفي روايات كل اثنين وكل خميس فهل يمكن ان نقبل شهادة من ليس له اطلاع على الاعمال المراد شهادته عليها.

ومقامات النبي’ في القيامة عظيمة وهي اعلى من باقي الانبياء والرسل بل جميع الخلق ومنها هذه الرواية اللطيفة في تفسير العياشي:

«عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيم: في قول الله: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا، قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عاما ويؤمر الشمس، فيركب على رؤوس العباد، ويلجمهم العرق، ويؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئا فيأتون آدم فيستشفعون منه فيدلهم على نوح، ويدلهم نوح على إبراهيم، ويدلهم إبراهيم على موسى، ويدلهم موسى على عيسى، ويدلهم عيسى فيقول:

عليكم بمحمد خاتم البشر فيقول محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أنا لها فينطلق حتى يأتي باب الجنة فيدق فيقال له: من هذا؟ والله أعلم فيقول محمد، فيقال: افتحوا له فإذا فتح الباب استقبل ربه فخر ساجدا فلا رفع رأسه حتى يقال له: تكلم وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه ويستقبل ربه فيخر ساجدا فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتى أنه ليشفع من قد أحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الأمم أوجه من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول الله تعالى: عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا»([13]).

قال علي بن أبي طالب عليه السلام:

يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقام الرسل فيسأل فذلك قوله لمحمد’: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) وهو الشهيد على الشهداء، والشهداء هم الرسل([14]).

قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما برأ الله نسمة خيراً من محمّد’([15]).

 ----------------------------------

([1]) الوسائل: ج3، ص267.

([2]) البقرة: 143.

([3]) النساء: 41.

([4]) النحل: 84.

([5]) الزمر: 69.

([6])الأعراف: 6.

([7]) النساء: 159.

([8]) المائدة: 117.

([9]) البقرة: 225.

([10]) الزخرف: 86.

([11]) النساء: 69.

([12]) النساء: 69.

([13]) الميزان، الطبطبائي، ج ١، ص ١٧٥.

([14]) بحار الانوار مجلد: 7 ص 313 .

([15]) الكافي الشريف ج1، ص440.