فقهيات

قذف المحصن والمحصنة: لماذا يشترط «الله» توفر 4 شهود لإثبات تهمة الزنا؟!

الشيخ قيصر الربيعي 15-10-2018 378

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وأولئك هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة النور آية(4/5).

فسر الفقهاء كلمة (القذف) بالرمي بالفاحشة، اي: الزنا أو اللواط، مثل أن يقول لغيره: زنيت أو أنت زان، أو ليط بك، أو أنت منكوح في دبرك، أو أنت لائط، أو ما يؤدّي هذا المعنى، من دون بينة (وسيأتي بيان البينة) وذلك لان الرمي هو نفس القذف لغة وهو استعمال القرآن الكريم له لكن الروايات الشريفة استعملت كلمة (القذف) بكثرة كما سيأتي ذكر بعضها.

المراد من كلمة "رمى"

"الرمي" في الأصل هو اطلاق السهم أو قذف الحجر وأمثالهما، وطبيعي أنه يؤذي في معظم الأوقات، وقد استخدمت الكلمة هنا كناية عن اتهام الأشخاص وسبابهم ووصفهم بما لا يليق، لأن هذه الكلمات كالسهم يصيب الشخص ويجرحه.

ولعل ذلك هو السبب في استخدام هذه الآيات - والآيات المقبلة - لهذه الكلمة بشكل مطلق، فلم ترد الآية على هذا النحو (والذين يرمون المحصنات بالزنا) وإنما جاءت والذين يرمون المحصنات لأن مفهوم "يرمون" وخاصة مع ملاحظة القرائن الكلامية يستبطن معنى (الزنا)، وعدم التصريح به ولا سيما عند الحديث عن النساء العفيفات نوع من الاحترام لهن. وهذا التعبير مثال بارز لإكرام المتطهرين، ونموذج لاحترام الآدب والعفة في الكلام.

 تفسير الامثل - ج ١١ - الصفحة ٢٣.

ما هو المراد من الاحصان؟

الإحصان هو المنع، ومنه الحصن الحصين أي المنيع يقال: أحصنت المرأة إذا عفت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور، قال تعالى: التي أحصنت فرجها: «التحريم: 12» أي عفت.

فالمراد من المحصن والمحصنة هو العفيف والعفيفة وان لم يكونا متزوجين.

قذف المحصن والمحصنات في الروايات

عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: ومن رمى محصنا أو محصنة أحبط الله عمله، وجلده يوم القيامة سبعون ألف ملك من بين يديه ومن خلفه (وفي بعض الروايات: وتنهش لحمه حيات وعقارب.)، ثم يؤمر به إلى النار. وسائل الشيعة ج 28 ص175.

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه نهى قذف من ليس على الإسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم، وقال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب. وسائل الشيعة ج 28 ص 173.

الإمام الرضا (عليه السلام): حرم الله قذف المحصنات، لما فيه من إفساد الأنساب ونفي الولد وإبطال المواريث وترك التربية وذهاب المعارف، وما فيه من المساوئ والعلل التي تؤدي إلى فساد الخلق. البحار: ٧٩ / ١١١.

لماذا أربعة شهود؟

من المعلوم أن شاهدين عادلين يكفيان - في الشريعة الإسلامية - لإثبات حق، أو ذنب اقترفه شخص ما، حتى وإن كان قتل النفس. أما في إثبات الزنا فقد اشترط الله تعالى أربعة شهود. وقد يكون ذلك لأن الناس يتعجلون الحكم في هذه المسألة، ويتطاولون بإلصاق تهمة الزنا بمجرد الشك، ولهذا شدد الإسلام في هذا المجال ليحفظ حرمات الناس وشرفهم. أما في القضايا الأخرى - حتى قتل النفس - فإن موقف الناس يختلف.

إضافة إلى أن قتل النفس ذو طرف واحد في الدعوى، أي إن المجرم واحد، أما الزنا فذو طرفين، حيث يثبت الذنب على شخصين أو ينفى عنهما، فإذ كان المخصص لكل طرف شاهدين، فيكون المجموع أربعة شهود.

وهذا الكلام تضمنه الحديث التالي: عن أبي حنيفة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أيهما أشد الزنا أم القتل؟ قال: فقال (عليه السلام): القتل: قال: فقلت: فما بال القتل جاز فيه شاهدان، ولا يجوز في الزنا إلا أربعة؟ فقال لي: ما عندكم فيه يا أبا حنيفة، قال: قلت: ما عندنا فيه إلا حديث عمر، إن الله أجرى في الشهادة كلمتين على العباد، قال: ليس كذلك يا أبا حنيفة ولكن الزنا فيه حدان، ولا يجوز أن يشهد كل اثنين على واحد، لأن الرجل والمرأة جميعا عليهما الحد، والقتل إنما يقام الحد على القاتل ويدفع عن المقتول. تفسير الأمثل - ج ١١ - الصفحة ٢٤.

فقهيات

1ـ حد القاذف

قال تعالى:(فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).

وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: إذا قذف الرجلُ الرجلَ فقال: إنك تعمل عمل قوم لوط تنكح الرجال، قال: يجلد حد القاذف ثمانين جلدة.

عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة قذفت رجلا، قال: تجلد ثمانين جلدة. وسائل الشيعة ج 28 2 ـ باب ثبوت الحد على القاذف ثمانين جلدة.

علة ضرب القاذف

وعن الرضا (عليه السلام) فيما كتب إليه: وعلة ضرب القاذف وشارب الخمر ثمانين جلدة، لان في القذف نفي الولد، وقطع النسل، وذهاب النسب، وكذلك شارب الخمر، لأنه إذا شرب هذى، وإذا هذى، افترى، فوجب عليه حد المفتري. وسائل الشيعة ج 28 ص171.

 

2ـ يعتبر في القاذف والمقذوف البلوغ والعقل، فلو قذف الصبي أو المجنون لم يحدّ.

جاء في صحيحة فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «لا حدّ لمن لا حدّ عليه، يعني: لو أنّ مجنوناً قذف رجلاً لم أرَ عليه شيئاً، ولو قذفه رجل فقال: يا زان، لم يكن عليه حدّ» الوسائل 28: ب19 من أبواب مقدمات الحدود  ح 1.

وصحيحة أبي مريم الأنصاري، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلام لم يحتلم يقذف الرجل، هل يجلد ؟ «قال: لا، وذلك لو أنّ رجلاً قذف الغلام لم يجلد» الوسائل 28: 185 /  أبواب حد القذف ب 5 ح 1.

3ـ إذا عفا المقذوف حدّ القذف عن القاذف فليس له المطالبة به بعد ذلك.

جاء في معتبرة سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يفتري على الرجل فيعفو عنه، ثمّ يريد أن يجلده بعد العفو «قال: ليس له أن يجلده بعد العفو» الوسائل 28: 207 /  أبواب حد القذف ب 21 ح 1.

4ـ يثبت القذف بشهادة عدلين وذلك لإطلاق ادلة البينة في الشريعة.

5ـ لو تقاذف محصنان درئ عنهما الحد، ولكنهما يعزران.

جاء في صحيحة أبي ولاد الحناط، قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: أتي أمير المؤمنين (ع) برجلين قذف كل واحد منهما صاحبه بالزنا في بدنه، قال: فدرأ عنهما الحد وعزرهما) الوسائل الجزء: 18 الباب: 18 من أبواب حد القذف، الحديث: 1، 2.

6ـ إذا مات المقذوف قبل أن يطالب بحقه أو يعفو، فلأوليائه من أقاربه المطالبة به، كما أن لهم العفو، فإن تعدد الولي كما إذا مات عن ولدين أو أخوين، فعفا أحدهما، كان للآخر المطالبة بالحق، ولا يسقط بعفو الأول.

يدل على ذلك معتبرة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سمعته يقول: إن الحد لا يورث كما تورث الدية والمال، ولكن من قام به من الورثة فهو وليه، ومن تركه فلم يطلبه فلا حق له، وذلك مثل رجل قذف وللمقذوف أخ (أخوان)، فإن عفا عنه أحدهما كان للآخر أن يطلبه بحقه، لأنها أمهما جميعا، والعفو إليهما جميعا). الوسائل الجزء: 18 الباب: 22 من أبواب حد القذف، الحديث: 2، 3.