فقهيات

لماذا أخذ المسلمون الجزية من أهل الكتاب؟

الشيخ مقداد الربيعي 27-08-2018 542

الجزية هي مال يؤخذ من أهل الكتاب أعني اليهود والنصارى، ومن له شبهة الكتاب كالصابئة، على حسب عقد الذمة، وهي تدفع بالتراضي ومن دون اجبار، وقدرها يحدده الحاكم الشرعي بما لا يثقل كاهل الذمي، وأما سبب أخذها منهم فهو عوضاً عن خدمتهم العسكرية حيث يعفون منها، فإن رغبوا بها سقطت عنهم.

من هنا لابد من اثبات جملة من الأمور:

أولاً: انها تؤخذ منهم بالتراضي لا بالإجبار.

ثانياً: قدرها قليل يحدده الحاكم الشرعي على خصوص من يقدر على حمل السلاح، فلا تشمل النساء ولا الأطفال.

ثالثاً: أنها تؤخذ عوضاً عن تكليفهم الجهاد، فإن رغبوا به سقطت عنهم.

أما الأمر الأول: فلما اتفق عليه فقهاء الفريقين في ذلك فمن فقهائنا قول الشيخ الطوسي (قدس) سره: الجزية لا تتم إلا بالتراضي[1].

ونقل ابن العربي عن أصحاب الشافعي أنهم قالوا: الدليل على أنها وجبت بدلاً عن حقن الدم، وسكنى الدار، أنها تجب بالمعاقدة والتراضي[2].

فالمتأمل في مقاصد الشريعة يجد بوضوح أن غايتها التربية الصالحة لنوع البشر، والذي لا ينسجم مع اجبار هؤلاء على شيء، ألا تسمع قوله تعالى: (لا ينهيكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)[3].

فالإسلام هو دين البر والقسط إلى المواطنين الذميين بمقتضى هذه الآية الكريمة وغير واحد من الأخبار الحاكية عن سيرة المسلمين وأئمتهم في هذا المجال.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام خطابا لرجل من ثقيف استعمله على بانقيا[4]، وسواد من سواد الكوفة... إياك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج أو تبيع دابة عمل في درهم فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو[5]. وفي هذا النص اشارة الى الأصلين الأولين، فلا يجوز اجبار الذمي على دفع الجزية، ولا يجوز ارهاقه بقدرها بل يأخذ ما زاد عن حاجته وهو المقصود بالعفو.

وفي كتاب (الخراج) ليحيى بن آدم القرشي، بإسناده عن عبد الملك بن عمير قال: أخبرني رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على برزج سابور، فقال: لا تضربن رجلا

سوطا في جباية درهم ولا تبعن لهم رزقا، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا تقيمن رجلا قائما في طلب درهم.  قال: قلت: يا أمير المؤمنين!

إذا ارجع إليك كما ذهبت من عندك.  قال: وإن رجعت كما ذهبت، ويحك، أنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو[6].

وهو في الدلالة على الأمرين الأولين اوضح من سابقه.

وفي الخراج أيضا بإسناده عن زيد بن رفيع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه إلى يوم القيامة[7].

وأما الأمر الثاني: فقد اشتهر بين الأصحاب شهرة عظيمة أن الجزية لا حد لها بل تقديرها إلى الإمام.

قال الشيخ في المبسوط: وليس للجزية حد محدود ولا قدر مقدور، بل يضعها الإمام على أراضيهم

أو على رؤوسهم على قدر أحوالهم من الضعف والقوة[8].

وقال المفيد: وليس في الجزية حد مرسوم لا يجوز تجاوزه إلى ما زاد عليه ولا حطة عما نقص عنه، وإنما هي على ما يراه الإمام في أموالهم، ويضعه على رقابهم على قدر غناهم وفقرهم[9].

وفي الغنية والمختصر النافع والجامع والمراسم واللمعة مثل ذلك[10].

وقد وافقهم من العامة الثوري وأبي عبيد ومالك والأثرم وعطاء بن أبي رباح ويحيى ابن آدم.

فإذن تحديد مقدار الجزية راجع الى الإمام وقد عرفت بحسب الروايات المتقدمة أن الإمام عليه السلام أمر بأخذ العفو ـ اي ما زاد عن حاجتهم ـ وعدم اثقال كاهلهم بشيء.

وأما فيما يخص الأمر الثالث: وهو أنها تؤخذ عوضاً عن تكليفهم الجهاد، فقد ذكروا أدلة كثيرة عليه نكتفي بالإشارة الى خمسة منها:

الأول: تصريح فقهاء المسلمين بذلك منهم السرخسي - من فقهاء الحنبلية -: المقصود من الجزية ليس هو المال، بل الدعاء إلى الدين بأحسن الوجوه، لأنه بعقد الذمة يترك القتال أصلا ولا يقاتل من يقاتل، ثم يسكن بين المسلمين، فيرى محاسن الدين ويعظه واعظا فربما يسلم[11].

وقال رشيد رضا في تفسيره: إن الجزية ما كانت تؤخذ من الذميين إلا للقيام بحمايتهم والمدافعة عنهم، وأن الذميين لو دخلوا في الجند أو تكفلوا أمر الدفاع لعفوا عن الجزية[12].

واليه يشير الطباطبائي في ميزانه: وأما الجزية فهي عطية مالية مأخوذة منهم مصروفة في حفظ ذمتهم وحسن إدارتهم ولا غنى عن مثلها لحكومة قائمة على ساقها حقة أو باطلة[13].

الثاني: أن الجزية ليست من مخترعات الإسلام ومجعولاته، لكونها معمولاً بها عند الأمم الأخرى أيضا، وإنما الإسلام أمضاها بصورة خاصة، فاللازم التفحص عن فلسفتها والحكمة منها عند تلك الأمم.

ومن الواضح أنها كانت تؤخذ من أصناف معينة بدلاً عن مدافعة الجنود عنهم، بدلالة قول أنوشروان كسرى في توجيه أخذ الجزية عن بعض الطوائف: فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم، فحق على أهل العمارة أن يوفوهم أجورهم [14].

ويؤكد ذلك جرجي زيدان بقوله: والجزية ليست من محدثات الإسلام، بل هي قديمة من أول عهد التمدن القديم، وقد وضعها يونان أثينا على سكان سواحل آسيا الصغرى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين، وفينيقية يومئذ من أعمال الفرس، فهان على سكان تلك السواحل دفع المال في مقابل حماية الرؤوس[15].

الثالث: ومن الدليل على انها تؤخذ بدلاً عن الخدمة العسكرية، أن الجزية المأخوذة من أهل الكتاب تدفع للجند، قال الشيخ في الخلاف: ما يؤخذ من الجزية والصلح والأعشار من المشركين، للمقاتلة المجاهدين... دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم في أن الجزية للمجاهدين لا يشركهم فيها غيرهم[16]. وفي الغنية: والجزية تصرف إلى أنصار الإسلام[17]. وفي إشارة السبق للحلبي: وتصرف إلى أهل الجهاد[18]. وفي مختصر النافع للمحقق: يستحق الجزية من قام مقام المهاجرين في الذب عن الإسلام من المسلمين[19]. إلى غير ذلك مما ذكر في المتون الفقهية.

ويؤيده ما ذكرته كتب التاريخ من معاهدات الجزية وانها كانت تؤخذ نظير حماية المسلمين لأهل الذمة، منها: ما كتب خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها وهذا نصه: هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، أني عاهدتكم على الجزية والمنعة، فلك الذمة والمنعة وما منعناكم - أي حميناكم - فلنا الجزية وإلا فلا، كتب سنة اثنتي عشرة من صفر.

ومنها: ما كتبه أهل ذمة العراق لأمراء المسلمين وهذا نصه: أنا قد أدينا الجزية التي عاهدنا عليها خالد على أن يمنعونا وأمرهم البغي من المسلمين وغيرهم[20].

الرابع: ومما يشهد لذلك سيرة أمراء المسلمين باسقاطها عن الذمي اذا قرر المشاركة في الجهاد مما يؤكد انها كانت مأخوذة لهذا الغرض، منها: الكتاب الذي كتبه عتبة بن فرقد أحد عمال عمر بن الخطاب وهذا نصه: هذا ما أعطى عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان سهلها وجبلها وحواشيها وشغارها وأهل مللها كلهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وشرائهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم ومن حشر ـ أي جمع الناس وسوقهم للقتال ـ منهم في سنة وضع عنه جزاء تلك السنة ومن أقام فله مثل ما لمن أقام من ذلك.

ومنها: العهد الذي كان بين سراقة عامل عمر بن الخطاب وبين شهر براز كتب به سراقة إلى عمر فأجازه نقتطع محل الشاهد منه: على أن يوضع الجزاء عمن أجاب إلى ذلك ومن استغنى عنه منهم وقعد، فعليه مثل ما على أهل آذربيجان من الجزاء، فإن حشروا وضع ذلك عنهم.

الخامس: اعترافات بعض المنصفين من المستشرقين: منهم (توماس ارنولد) قال: لم يكن الغرض من فرض الجزية على المسيحيين، كما يريدنا بعض الباحثين الظن، لونا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة، وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول دياناتهم بينهم وبين الخدمة في الجيش في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين[21].

وقال أيضا: وقد فرضت الجزية على القادرين من الذكور مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بأدائها لو كانوا مسلمين، ومن الواضح أن أي جماعة مسيحية كانت تعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي. وكان الحال على هذا النحو مع قبيلة الجراجمة، وهي قبيلة مسيحية كانت تقيم بجوار أنطاكية، سالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عونا لهم وأن تقاتل معهم في مغازيهم، على شريطة ألا تؤخذ بالجزية، وأن تعطى نصيبها من الغنائم، ولما اندفعت الفتوح الإسلامية إلى شمال فارس في سنة 22 ه‍، أبرم مثل هذا الحلف مع إحدى القبائل التي تقيم على حدود هذه البلاد، وأعفيت من أداء الجزية مقابل الخدمة العسكرية[22].

ومنهم (ول ديورانت)، قال: ولقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزردشتيون، واليهود، والصابئون، يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيرا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي لون خاص وأداء فرضة على كل شخص، تختلف باختلاف دخله وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير - من 75 / 4 إلى 19 دولارا أمريكيا - ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان والنساء والذكور الذين هم دون البلوغ، والأرقاء، والشيوخ، والعجزة، والعمى والشديد الفقر.

وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية... ولا تفرض عليهم الزكاة، وكان لهم على الحكومة أن تحميهم[23].


[1] المبسوط ج 2 ص 38.

[2] أحكام القرآن ج 2 ص 924.

[3] الممتحنة / 7.

[4] قال ياقوت الحموي: بانقيا بكسر النون ناحية من نواحي الكوفة.  معجم البلدان ج 1 ص

331.

[5] فروع الكافي، ج 3 ص 540، كتاب الزكاة، باب أدب المصدق.  الحديث 8.

[6] الخراج ص 70، سنن البيهقي ج 9 ص 205.

[7] الخراج ص 71.

[8] المبسوط ج 2 ص 38.

[9] المقنعة ص 272.

[10] سلسلة الينابيع الفقهية ج 9 ص 153 و 226، اللمعة كتاب الجهاد، الجامع للشرائع ص

234، المراسم ص 141.

[11] المبسوط للسرخسي ج 10 ص 77.

[12] المنار ج 10 ص 347.

[14] الكامل في التاريخ: ج 1 ص 456.

[15] تاريخ التمدن الإسلامي ج 1 ص 227 - 228.

[16] الخلاف ج ٢ ص ١٢٧.

[17] سلسلة الينابيع الفقهية ج ٩ ص ١٥٣.

[18] المصدر ص 196.

[19] المصدر ص 227.

[20] وقد جمعها صاحب المنار ج 10 ص 347 - 351.

[21] الدعوة إلى الإسلام ص 79.

[22] المصدر ص 79 - 80.

[23] قصة الحضارة ج 13 ص 130 - 131.