عش النفاق ورقية الزنا.. لماذا حرّم الله تعالى ’الغناء’؟!

تحريم الغناء، أدلته وفلسفته

تُعدُّ مسألة حرمة الغناء من بديهيات مذهب أهل البيت (عليهم السلام) إذ وردت فيها روايات صحيحة كثيرة ربما تبلغ حدّ التواتر، وإن كان ثمة مجال للمناقشة فإنما هو في هامش المصاديق لا في أصل حرمة الغناء إذ قام الإجماع عليها بلا مخالف من فقهاء الإمامية، وفي هذا المقال نستقصي أهمّ تلك الأدلّة بعد التعريف بمفهوم الغناء وضابطته ثمّ نقف على بعض وجوه الحكمة من تحريمه.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

أوّلاً: تعريف الغناء

الغناء في اللغة هو ما أوجب الطرب من الصوت قال الفيروز آبادي: "الغناء ككساء من الصوت ما طُرِّب به "(1) .

وأمّا في اصطلاح الفقهاء فهو: " الكلام اللهوي - شعراً كان أو نثراً - الذي يؤتى به بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب، وفي مقوميّة الترجيع والمدّ له إشكال، والعبرة بالصدق العرفي " (2) .

ونلاحظ هنا أنّ مفهوم (الطرب) قد أُخِذ قيداً في المعنى اللغوي للغناء وأخذوا مفهوم (اللهو) قيداً في معناه الاصطلاحي لذا سنتوقف قليلاً لمعرفة المراد بهاتين المفردتين..

ما هو الطرب؟

الطرب لغةً هو خفة تصيب الإنسان بسبب الفرح (3) ويقال طرب في صوته إذا مدَّه (4)، وقد يُستعمل الطرب لغة في الخفة التي تصيب الإنسان بسبب الحزن أيضاً، ويقال: طرب إذا تغنّى (5).

ولم يبتعد المعنى الاصطلاحي لهذه المفردة عن معناها اللغوي فقد استعملوها في المعنى نفسه أي الخفّة التي تصيب الإنسان بسبب الغناء (6).

ما هو اللهو؟

قال الخليل الفراهيدي: " اللهو: ما شغلك من هوىً أو طربٍ " (7) و قال في الفروق اللغوية: "اللهو لعب لا يَعقِبُ نفعاً وسُمّيَ لهواً لأنّه يُشغِلُ عمَّا يعني، من قولهم ألهاني الشيء أي شغلني ومنه قوله تعالى: ( ألهاكم التكاثر) " (8)، وقيل " أصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة " (9).

وقد استُعمِلَت مفردة اللهو في المدونات الفقهية بمعناها اللغوي نفسه قال صاحب الجواهر: "(قال الأزهري في التهذيب: .. اللهو ما يُشغِلُكَ من هوىً وطرَبٍ) يريد من عشقٍ وخفَّة من فرحٍ أو حزنٍ، فإنّ ذلك ممّا يُشغل ... والظاهر أنّ هذا هو المراد باللهو هنا.." (10) .

ثانيا: أدلّة حرمة الغناء

لا خلاف بين فقهاء الإمامية في حرمة الغناء إذ وردت فيه مجموعة كبيرة من النصوص الصحيحة جاءت في الغالب تفسيرا أو تطبيقاً لبعض آيات الكتاب الكريم نذكر ههنا بعضها:

أوّلاً: صحيحة أبي الصباح الكناني، عن الإمام الصادق (ع) قال في قوله عزَّ وجلّ (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) قال: هو الغناء (11). وهذا من باب التطبيق، أي انّ مراد الإمام (ع) أنّ الغناء مصداق من مصاديق قول الزور الذي أمر القرآن باجتنابه ومثله قل فيما يأتي من تفسير اللهو بأنه الغناء فهو من باب التطبيق على أحد المصاديق أيضاً.

ثانياً: صحيحة زيد الشحّام قال سألتُ أبا عبد الله (ع) عن قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) قال (ع): " قول الزور: الغناء " (12).

ثالثاً: صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (ع) قال: " الغناء ممّا وعد الله عزّ وجلّ عليه النار وتلا هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) " (13).

رابعاً: صحيحة زيد الشحّام عن الإمام الصادق (ع) قال: "بيت الغناء لا تؤمَن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا يدخله المَلَك" (14) .

خامساً: رواية الحسن بن هارون عن الإمام الصادق (ع) قال: " الغناء مجلسٌ لا ينظر الله إلى أهله "(15).

ويدلّ على ذلك روايات كثيرة متضافرة وحسبكَ أنّ الحرّ العاملي قد ذكر منها 32 روايةً في الوسائل في الباب المعنون بـ (تحريم الغناء ..) في الجزء 17 من الكتاب فراجع.

ثالثاً: فلسفة تحريم الغناء

من بديهيات المنظومة التشريعية في الإسلام أنّ الأحكام فيها قائمة على أساس إحراز المصالح وتجنُّب المفاسد الواقعية، غاية ما في الأمر أنّ العقل البشري قد يعجز عن إدراك ذلك، وقد توصّل العلم الحديث في كثير من مفاصل الحياة الى وجهات نظر متقاربة مع الفقه الشرعي، والغناء ليس بدعاً من ذلك فما من شكٍ في أنّ الشارع المقدس لم يحرِّمه إلا مراعاة لمصلحة الإنسان ولدفع المفاسد عنه، لذا أشارت النصوص الدينية وكذلك العلوم الحديثة الى بعض المضار المعنوية والماديّة التي يعود بها الغناء والطرب على الانسان نذكر في هذه التدوينة بعضها:

أولا: أهم الأضرار المعنويّة والروحيّة للغناء

1- فساد الاخلاق، ويكفيك في إثبات ذلك ما يصاحب حفلات الغناء من خلاعة وأوضاعٍ مخجلة وفاضحة من رقصٍ وميوعة واختلاط مشبوه بين الجنسين ممّا يؤدي الى تفسخ الأخلاق وانتشار الرذيلة.

2- عدم استجابة الدعاء، فقد مرّ في صحيحة زيد الشحّام ان الإمام الصادق (ع) قال: " بيت الغناء ..لا تُجابُ فيه الدعوة "، وفي رواية أخرى سُئل الإمام الصادق (ع) عن الغناء فقال: " لا تدخلوا بيوتاً الله مُعرِضٌ عن أهلها " (16) .

3- يسبب النفاق، ففي رواية أبي أسامة عن الإمام الصادق (ع) قال: " الغناء عشّ النفاق " (17) .

4- يسبب قسوة القلب، فإنّ إدمان الغناء والطرب يُبعِد الإنسان عن الخشوع وعن ذكر الله تعالى بل وعن جميع القيم التي تقربه من الله تعالى، لذا ورد في وصية النبي (ص) للإمام علي (ع): " يا علي ثلاث يقسين القلب " وعدّ من الثلاثة "استماع اللهو" (18) .

5- قلة الحياء ونقصان المروءة، فمن آثار الغناء نقصان الحياء لأنّ الطرب والغناء ليس إلا لونٌ من ألوان الخفة والميوعة التي تقود صاحبها إلى حركات غير متزنة (الرقص) وتصرفات وألفاظ غير متوازنة وما ذلك إلا لخفة تخامر عقله تفقده حياءه ومروءته.

6- إنّ نقصان الحياء والميوعة والتسيّب الأخلاقي ومجمل الآثار الأخرى التي يسببها إدمان الغناء تصب في نهاية المطاف باتجاه الاستخفاف بارتكاب الفواحش لذا ورد في الأثر: " الغناء رقية الزنا " (19)، وهو المراد من قول الإمام الصادق (ع) في الصحيحة المذكورة سابقاً: " بيت الغناء لا تؤمَن فيه الفجيعة " أي الفجيعة في الدين، أي ارتكاب الفاحشة وما شابهها .

ثانياً: أهمّ الأضرار الماديّة للغناء

تشير بعض الدراسات الطبية الحديثة الى تسبب الغناء والطرب بأضرار كثيرة على صحة الانسان ذكر بعضها الدكتور يحيى الدوخي في كتابه الموسوم (حكم الغناء في الشريعة الإسلامية دراسة فقهية مقارنة) نقتبس منها ما يلي (20):

1- الغناء ومرض الأعصاب، يقول الدكتور لوتر: " إنّ مفعول الغناء والموسيقى في تخدير الأعصاب أقوى من مفعول المخدرات " ويقول الدكتور " ولف آدلر": " إنّ الموسيقى تُتعب وتُجهد أعصاب الإنسان " .

2- الغناء وصداع الرأس، يقول البروفسور " هنري أوكدن" الأستاذ بجامعة "لويز يانا" إنّ التجارب التي أجريت على الألوف من المرضى أثبتت أنّ من أهم عوامل ضعف الأعصاب والأتعاب النفسية والصداع هو الاستماع إلى الموسيقى والغناء خصوصاً إذا كان الاستماع بتوجّه وإذعان .

3- الغناء وإزعاج الجنين، يقول الدكتور البريطاني "روبرت": لقد ثبت علمياً أنّ الجنين ينزعج من الموسيقى وهو في بطن أمّه .. وعندما تستمع الأمّ الحامل إلى الغناء يخفق قلب الجنين ويضطرب وهو في الرحم .. .

وللغناء مضار معنوية ومادية أخرى كثيرة على الانسان مسطورة في مضانها وإنمّا اقتصرنا في هذه التدوينة على قَبَسٍ يفي بتنبيه من كان له قلب سليم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

  1. القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/ 372، مادة (غنى) .
  2. منهاج الصالحين، السيد السيستاني: 2/ 7-8 .
  3. الصحاح، الجوهري: 1/ 171 .
  4. معجم مقاييس اللغة، ابن فارس: 3/ 454 .
  5. المخصص، ابن سيده: 4/ 11 .
  6. يُنظر: مفتاح الكرامة، السيد العاملي: 12/ 168 .
  7. العين، الخليل الفراهيدي: 4/ 87 .
  8. الفروق اللغوية، العسكري، الجزائري: 470 .
  9. تاج العروس، الزبيدي: 20/ 170 .
  10. الشيخ الجواهري، جواهر الكلام: 14/ 264 .
  11. الكافي، الشيخ الكليني: 6/ 431.
  12. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 17/ 303 .
  13. الكافي: 6/ 431 .
  14. وسائل الشيعة: 17/ 303.
  15. المصدر نفسه: 17/ 307.
  16. وسائل الشيعة: 17 / 306 .
  17. وسائل الشيعة: 17/ 305 .
  18. بحار الأنوار، المجلسي: 62/ 282 .
  19. المصدر نفسه: 76/ 247 .
  20. للاطلاع على مصادر هذه الاقتباسات العلمية يُنظر: حكم الغناء، يحيى الدوخي: ص 150 وما بعدها .