أثار مجموعة من الناشطين في الإعلام والنت ووسائل التواصل مثل: أسامة فاخوري، ومحمد عبد الله نصر، وأحمد عمارة، وأحمد عبده ماهر..وغيرهم فتوى تجيز عبادة الحائض، وتسمح لها باداء العبادات ومنها: الصيام.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

ولم يكتف هؤلاء بالجواز وعدم الحرمة، إنّما أوجبوا على الحائض الصيام خلافاً للمركوز في العقل المسلم ووجدان المتدينين من أنّ للحائض وضعاً خاصاً في الشريعة بموجبه لا تصح بل لا تجوز منها العبادة، ويبدو للمتابع أنّ هذا الرأي قد لقي قبولاً و استحساناً من الكثير من النساء المسلمات، والذي يفسّر هذا الترحاب -برأيي- أنّه يجبر الشعور بالقصور أو التقصير الذي تعانيه المرأة عند تركها العبادة أيام  الحيض؛ وقد راعتْ الشريعة هذا الشعور عبر سنّ الحكم باستحباب أن تتوضأ الحائض في وقت كلّ صلاة، وتجلس في مصلاها وتذكر الله تعالى بقدر زمان صلاتها كما هو المشهور.

 ويخال المتابع (غير المتتبع) لكل واحد من هؤلاء أنّ هذه الفكرة من عندياته ومن بنات أفكاره، إلا أنّ الواقع الذي قادني إليه التتبع والاستقصاء هو أنّ الجميع عيال في هذا الطرح على الكاتب الليبي المعروف: الصادق النيهوم(ت1994م)، ففي مقال نشره في حزيران سنة: 1993م في مجلّة الناقد بعنوان: الفقه في خدمة التوراة، وذكر النيهوم فيه وهو في سياق محاكمة الفقه ونقده في ضوء القرآن: أنّ اعتماد الفقه الإسلامي على نظرية (المرأة النجسة)لإبطال صيام المرأة وصلاتها مستمد من خرافات التوراة !، ويضيف عن آية المحيض: أنّها تحرّم النشاط الجنسي فقط، ولا تسقط عن المرأة الصلاة والصوم وقراءة القرآن..(ينظر كتاب-إسلام ضد الإسلام، ص114وص193).

 وبخصوص وجوب الصيام، فإنّ هذه المجموعة قد استندت في أطروحتها آنفاً إلى دليل يمكن إيجازه في أمرين:

الأوّل- خلو القرآن من الأمر بافطار المرأة الحائض، وعدم ورود النهي عن صيامها، والحائض كغيرها من المكلفين داخلة فيمن كتب عليه الصيام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة : 183]، ومشمولة بالأمر به (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة : 185].

الثاني-  أنّ الحائض لا تدخل فيمن استثناهم القرآن من وجوب الصيام، يعني المريض والمسافر:(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة : 184]، فلا هي من المسافر وهذا واضح، ولا هي مريضة؛ لأنّ الحيض ليس مرضاً، بل هو أذىً كما جاء في التعبير القرآني، وإذن، فالصيام واجبٌ على الحائض بلا معارض..!!

إنّ حال هؤلاء ومن يقبل قولهم لا يخلو من أمرين: فهم إمّا ينكرون أخذ التشريعات من غير القرآن، ولا يأخذون إلا بما نصّ على وجوبه أو حرمته القرآن، أو أنّهم يقبلون الأحكام والتشريعات من خارج القرآن سواء من الحديث أو غيره، لكنهم ينكرون وجود الدليل بخصوص هذا الموضوع: أعني افطار الحائض، وكلا التقديرين فاسدان، ودونك البيان في نقاط ستة:

  1. معظم المشاكل والاثارات التي يتخبط فيها المسلمون في ماضيهم وحاضرهم يعود سببها إلى اهمال وعصيان المسلمين لوصية النبي (صلى الله عليه وآله) المتواترة تواتر القرآن، والتي أمرهم فيها بالتمسك بالثقلين معاً: كتاب الله، وعترته من أهل بيته، وما نحن فيه من هذا القبيل، فأمر صيام الحائض في أحاديث أهل البيت أوضح من الشمس، وأبين من الأمس، وهي أحاديث صحيحة صريحة، بل متضافرة، وتفيد أنّ نفس رؤية الدم توجب الافطار.وسيأتيك بعضاً منها. هذا من جهة.
  2. ومن جهة أخرى، فإنّ اعتماد منهج:(حسبنا كتاب الله)، علاوة على بطلانه بالبداهة فإنّها متهافتة في ذاتها، ومتناقضة مع نفسها، فالقرآن نفسه يُرجِع إلى النبي(صلى الله عليه) الذي جاء بالقرآن نفسه، ومن طريف ما ينقل في هذا الصدد، أنّ ابن مسعود  قال ذات يوم: لعن الله الواشمات..والمتنمّصات والمتفلّجات المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها: أمّ يعقوب، فجاءت فقالت: إنّه بلغني عنك أنّك لعنتَ كيت وكيت، فقال: وما لي؟! ألعن من لعن رسول الله، ومن هو في كتاب الله! فقالت: لقد قرأتُ ما بين اللوحين فما وجدتُ فيه ما تقول!، قال: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[الحشر: 7]؟! قالت: بلى، قال: فإنّه قد نهى عنه...(البخاري  ح : 4507). والعبرة هنا فقط هو قول ابن مسعود: لئن كنتِ قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأتِ: وما آتاكم الرسول فخذوه..!
  3. ثمّ إنّا لو اتبعنا هذا المنهج لأنكرنا ما هو معلوم لنا بالبداهة، وحلّلنا ما ما نقطع وجداناً بحرمته، والعكس صحيح، فاعتماد القرآن وحده يفضي مثلاً إلى القول بحرمة أكل السمك، وأنّ حاله وأكل الخنزير في الحرمة سواء، فالسمك ميتة، والله يقول: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة : 3] ولما قلنا أيضاً بحرمة الرشوة و لبس الذهب والحرير للرجال، إذ لم تأت بشأنها نصّ قرآني صريح بحرمتها ! ولأنكرنا وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، وغيرها من تفاصيل الصلاة..
  4. والأجدر بالتنبيه من كل ذلك  هو أنّ الصيام نفسه لم يأتِ القرآن على معظم تفصيلاته بما في ذلك المفطرات التي يتقوم الصيام بتركها أساساً، وممن يصح؟ وعلى من يجب؟!، كما أنّه لم يأتِ على جملة ممن  لا يجب عليهم الصيام، كالمرأة المرضع، والحامل المقرب، والنفساء أيضاً، بل حتى المريض- الذي نصّ القرآن على استثنائه من الصيام- لم تذكر العديد من التفاصيل المتعلقة به، فمثلاً: مقتض اطلاق الآية(من كان منكم مريضاً..) هو من  عموم الحكم لكل مريض، ولكنه غير مراد جزما، بل المراد خصوص المرض الذي يضره الصوم، وهذا مستفاد من الروايات، أضف لذلك أنّ المريض المستثنى من الصيام في الآية هو المريض فعلاً، فماذا عن غير المريض فعلاً الذي يخشى حدوث المرض لو صام؟! لا شك أنّ حكمه الإفطار أيضاً، لكنه بلا شك غير مشمول بظاهر الآية، وإنّما استفيد حكمه من الأخبار أيضاً، وهكذا الكثير من التفاصيل المتعلقة بالصيام وغيره. وإذ قد وصلنا إلى ضرورة الأخذ بالأدلة الأخرى –غير القرآن- ومنها الأحاديث، فلننتقل إلى الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك دليل على إفطار الحائض؟! 
  5. أنبّه إلى أنّ الشريعة بريئة من نظرية ومصطلح(المرأة النجسة) فهذا مصطلح نيهومي، ونظرية يهودية ، على أنّ النهيوم أدان الفقه الذي يعتبر المرأة الحائض كما المجنب فاقدة للطهارة، معتبراً ذلك مخالف للقرآن، وقد غفل عن أنّ وصف الحائض بعدم الطهارة هو وصف قرآني بالأساس، وليس فقهياً وحسب، { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة : 222]، نعم، قذارة الحيض والجنابة هي قذارة معنوية، يعبّر عنها في الفقه -الذي لم يعرف النيهوم وغيره أبجدياته- بـ الحدث مقابل الخبث(النجاسة)، فالحيض حدثٌ ذو قذارة معنوية لا خبث و نجاسة ماديّة كما ترى اليهوديّة !
  6. إنّ الحكم بصحة وجواز عبادة الحائض، ومنه جواز صيامها فضلاً عن وجوبه؛ هو من أوضح أمثلة الابتداع في الدين، وأجلى مظاهر التشريع المحرّم، فلا القرآن الكريم ولا الأحاديث الشريفة ولا السيرة العمليّة الممتدة لأكثر من ألف سنة قد تضمّنت أي إشارة تفيد جواز صيام الحائض فضلا عن الوجوب، بل بالعكس، فقد قامت الأدلة الشرعية على عدم صحة عبادة وصيام الحائض، قولاً واحداً، فتوىً وحديثاً، والسُنة تبيّن القرآن، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم} [النحل : 44] وتخصص عموماته، وتقيّد مطلقاته، سواء في الصيام كما سلف أو غيره من العبادات والواجبات والمحرّمات، كما هو الحال في الصلاة والحج والزكاة..فلم يسمّ لنا القرآن، وفيما يلي دليلان فقط على بطلان صيام الحائض:
  • الأحاديث: فمما جاء صريحاً عن أهل البيت: صحيحة الحلبي عن امرأة أصبحت صائمة فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت أتفطر؟ قال: نعم، وإن كان وقت المغرب فلتفطر قال: وسألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار في شهر رمضان فتغسل (لم تغتسل) ولم تطعم، فما تصنع في ذلك اليوم؟ قال: تفطر ذلك اليوم،  فإنّما فطرها من الدم، (الوسائل، ج10، ص227)، ومما جاء عند أهل السنة في هذا المجال ما رواه البخاري عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟!.(البخاري، 1/68،ح304).
  • الاجماع: وقد حكى الإجماع من علماء المسلمين قاطبة: سنة وشيعة ، فمن الشيعة: السيد الخوئي(ت1413هـ) بعد أن ذكر أن من شرائط صحة الصيام: الخلو من الحيض والنفاس، قال: بلا خلاف فيه ولا اشكال فلو رأت الدم في جزء من النهار ولو لحظة من الاول أو الاخير أو الوسط فضلا عن مجموعه بطل صومها " (الخوئي_المستند، كتاب الصوم، ص428)، ومن السنة، قال النووي(ت676هـ): أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا تجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وأجمعوا على أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة، وأجمعوا على أنه يجب عليهما قضاء الصوم.(النووي_شرح صحيح مسلم،ج4،ص26).