عن نظرة الدين لمتعة الترفيه، ولذة الترويح عن النفس!

لم يرد في النصّ الشرعي مفردة: الترفيه، ولا عبارة: الترويح عن النفس، و يبدو لي أنّ مفردة الترويح قد أُخذتْ من الحديث النبوي: روّحوا عن أنفسكم، أو روحوا عن القلوب.. أضف إلى أنّ مضمون المصطلح مطوي تحت عناوين أخرى، تجري مجراه أو يقترب من معناه، مثل: اللذّة، والنشوة، والمتعة، والرغبة، والشهوة.. وغيرها مما جاء في النصوص على نحو مستفيض، وفي كل الأحوال، فأمر اللفظ، وشأن المصطلح سهل، فالمدار هو المعنى والمضمون.

 

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

والنظرة الدقيقة والموضوعية الشاملة تقتضي: أولاً-الاشارة إلى الاطار العام لنظرة الإسلام للدنيا ومتعها وملذّاتها لكي توضع الأمور في نصابها الصحيح دون مؤاربة، وثانياً- بيان بعض النصوص الدينية ذات الصلة المباشرة بالموضوع، وبيان شرطه الشرعي وضابطه الأخلاقي، فالمقال في محورين:

المحور الأوّل- نظرة الإسلام للّذة على أنّها نشاط لا فعل

يمكن تلخيص موقف الدين من المتع الجسدية واللذات الحسية، والرغبات البدنية عموماً في ثلاث نقاط كما أفهم طبعاً:

يرفض الدين فتح باب الملذات واباحة الرغبات دون قيد وشرط، ويدعو على الدوام إلى تقييد الرغبات، وضبط الملذّات، وبطبيعة الحال فإنّ الضبط والتقييد يختلف عن الالغاء، وهذا واضح لا يحتاج إلى اطالة؛ لكن غير الواضح عند كثير من الناس؛ هو أنّ إحدى مقاصد هذا الضبط والتقييد(=المحرمات) هو حفظ اللذة ذاتها، وابقاء معناها وحيويتها، وهذه فلسفة عظيمة تحتاج إلى بيان أكثر لا يسعه المقام.

تحذير الانسان من مركزية اللذة، ورفض جعل الأولوية للشهوات في الحياة، بحيث تصبح المتعة غاية في نفسها:(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الفرقان : 43]. وينبع هذا الموقف من الرؤية  للحياة الدنيا على الأرض على أنّها ليست كلّ شيء، وأنّ الإنسان زوج تركيبي من روح وبدن، وعقل وشهوة، ويربأ به عن الحيونة.

التمييز بين اللذة أو الشهوات من جهة، وبين السعادة والانشراح من جهة أخرى، وخلاصة الفرق أن اللذة متعة جسدية حسيّة خارجيّة قوامها المادة والمدة، فيما السعادة طمئنينة روحية، ورضا داخلي. (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد : 28]

من أجل ذلك كلّه، فالذي أفهمه أنّ نظرة الإسلام للترويح عن النفس بوصفه لذة، هو أنّه نشاط أكثر منه فعل، ويمكن تقريب الفرق بين الفعل والنشاط في المثال التالي: حين تجلس في عيادة الطبيب، وأثناء انتظار دورك تقرأ مجلّة، فإنّ الفعل هنا هو الانتظار، بينما القراءة نشاط يصحب فعل الانتظار.

وهذا الموقف المتمثل بالنقاط الثلاث آنفاً قد بدأتْ تتلمس واقعيته التجربة البشرية، فقد كتب مارك مانسون مثلاً :المتعة شيء عظيم، لكنها قيمة شديدة السوء إذا وضعت أولويات حياتك وفقًا لها. المتعة إله زائف..تبيّن الدراسات أن الناس الذين يركزون طاقتهم على المتع السطحية ينتهي بهم الأمر إلى أن يصيروا أكثر قلقاً وأقل استقراراً من الناحية الانفعالية وأكثر اكتئاباً أيضاً، المتعة أكثر أشكال الرضا سطحية..إلا أنّ المتعة هي ما يجري تسويقه لنا على امتداد أربع وعشرين ساعة، وسبعة أيام في الأسبوع..لكن المتعة ليست كافية في حدّ ذاتها وإن تكن ضرورة من ضرورات الحياة، شريطة أن تكون بجرعات صحيحة.ليست المتعة سببًا للسعادة؛ بل هي أثر ناتج عن السعادة..(فن اللامبالاة، لمارك مانسون، ص109، ترجمة: الحارث النبهان، منشورات الرمل، الطبعة الأولى- 2018م).

المحور الثاني- الترفيه والترويح عن النفس

مفهوم الترفيه:

 يملأ الإنسان ميل شديد للمتعة، ورغبة حثيثة نحو اللذّة عموماً، لكن من أجل تحرير محل البحث، وتناول الموضوع من زاوية نظرة الإسلام، لابد من بيان مفهوم الترفيه بالمعنى المبحوث، فهو نحو من أنحاء اللذة الطبيعية، لكنّها غير ضرورية، بيان ذلك:

تنقسم اللذّات إلى نوعين رئيسين:

لذات ليست مجرّد حاجة طبيعية في حياة الإنسان، وإنّما هي حاجة طبيعية في الذات البشرية، وضرورية لبقائها، مثل: لذة الطعام والشراب والجنس عند الحاجة، موقف الدين هو ضرورة الاستجابة لهذا النوع، والحثّ الشديد على تحقيقها، وهو موقف ارشادي، فإن كان من تفصيل بهذا الشأن فهو يرتبط بالآلية وكيفية تحقيق تلك الاستجابة وحدودها، ومن ثمّ يدور الحكم بين الوجوب كما في الأكل والشرب المحلل عند الجوع والعطش، وبين الاستحباب كما هو الحال في الزواج، بل في اعتباره من لذائذ الدنيا تسامح، فقد جاء في الصحيح عن ابن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنّا لنحبّ الدنيا فقال لي: تصنع بها ماذا؟ قلت: أتزوج منها، وأحج وأنفق على عيالي وأنيل إخواني وأتصدّق، قال لي: ليس هذا من الدنيا، هذا من الآخرة. (البحار،ج70،ص62). ووجهه واضح، فكونه واقع في الدنيا لا يستدعي أن يكون منها، أضف إلى وجود جهة امتثال الأمر الشرعي المتعلق بها، والخلاصة، فهذا النوع من اللذة  لا ينطبق على الترفيه والترويح.

والقسم الثاني من اللّذات هي اللذات غير الضروريّة، مثل: السفر للسياحة، والتأنق في المأكل والملبس، والدعابة، وممارسة الهوايات، ومتابعة الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وقراءة القصص والطرائف، واللعب والضحك والجاه والمنصب.. ولا يخفى ما بين هذه الأمثلة من تفاوت في الرجحان حسب الموازين الشرعيّة والأخلاقيّة الآتية، لكن المقصود هنا هو بيان مفهوم الترويح عن النفس، وأنّه مندرج تحت هذا القسم من اللّذات.

الحكم العام للترفيه

وبعد اتضاح مفهومه، يتاح لنا الآن الحديث عن حكمه، وبشكل عام، ومن حيث المبدأ: يتمثل الموقف الديني من الترفيه بعامّة في أنّ الله عزّ وجلّ قد أتاح لعباده المؤمنين-تفضّلاً وامتناناً- أن يتمتعوا الآن وهنا،(الآن في الدنيا، وهنا على الأرض) كما تفضّل عليهم هناك بأنّ أعدّ لهم جنّة عرضها السماوات والأرض، ومن جميل ما جاء في هذا الشأن ما كتبه أمير المؤمنين إلى أهل مصر مع محمد بن أبي بكر:

إن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم. أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به وأغناهم، قال الله عز اسمه:(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [الأعراف : 32].

سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون، ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذّة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من اللذة فإلى هذا يا عباد الله يشتاق من كان له عقل..(بحار الأنوار،ج63، ص321).

الترفيه وحدوده الشرعيّة

من ناحية شرعية: ليس لاباحة الترويح من حدّ وشرط سوى الحدود الشرعية التي رسمها الشارع المقدّس، وهي -بحمد الله ومنّه- محدودةٌ ومحصورة بالمحرمات المعلومة، وما عدا ذلك فهو مشمول بقاعدة الحِلّ، ومحكوم بأصالة البراءة الشرعيّة، و كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام فتدعه.

روى الشيخ الطوسي باسناد متصل إلى أمير المؤمنين، أنّه في وصية له لابنه الحسن(عليهما السلام)، ممّا جاء فيها:

 يا بني، للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذتها، فيما يحل، ويجمل، وليس للمؤمن بدّ من أن يكون شاخصاً في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذّة في غير محرم. (أمالي الطوسي، ص146،ح240).

ويستفاد من هذه الوصيّة جملة أمور، فقوله: "فيما يحل..وفي غير محرّم" اشارة الشرط الشرعي اللازم مراعاته في كلّ شيء وليس في الترفيه وحسب، وقوله: " ليس للمؤمن بدّ.." يفيد ضرورة الاستجابة لمشتهيات النفس، فالانسان يميل بطبيعته للترفيه من جهة، أضف إلى أنّه يكسر روتين العمل، ويدفع غائلة الاعتياد والملل، فإنّ القلوب تملّ كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة .(نهج البلاغة-الحكمة،19)، وأمّا قوله: "ويجمل.." فيؤشّر إلى وجود ضابط آخر، تمليه عقلانيّة الإنسان، وأخلاقيّات الدين، وفيما يلي بيانه.

الترفيه وضابطه الأخلاقي

في النصوص الأخلاقيّة أُجملتْ ضابطة الترفيه بعبارة: (ما يجمل، أو ما يحمد)، كما مرّ وسيأتي أيضاً. ويرجع بالتحليل إلى أمرين:
أولاً- عدم الإسراف، فيما يروّح الإنسان به نفسه، ولا يقال: إنّ هذا داخل في الشرط الشرعي آنفاً؛ فإنّ الاسراف هو تجاوز الحدّ والمبالغة في صرف المال في موضعه، بينما التبذير المحرّم هو اتلاف المال في غير موضعه(انظر-فروق العسكري،ص114). هذا، ويمكن أن يشمل(عدم الاسراف) في الترويح نفسه بحيث يكون هو الأصل بينما العمل الجادّ استثناءً، وإلا انقلبت الوسائل إلى أهداف، والأهداف وسائل، وعندها يدخل النشاط الترفيهي في باب العبث، وهو غير محمود عند العقلاء.

ثانياً-ألا ينافي المروءة، والمراد بها: تنزيه النفس عن الدناءة التي لا تليق بأمثاله، ويستهجن ممن هو على مثل حاله. ويحصل ذلك بالتزام محاسن العادات وترك الرذائل المباحة بحسب الزمان والمكان والرتبة، فربما كان الشئ مطلوبا في وقت مرغوبا عنه في آخر. (حقائق الإيمان،ص214).

وقد جاءت هذه المضامين الثلاثة مجتمعةً في حديث واحد مرويٌّ عن الإمام الكاظم(عليه السلام) جاء فيه: اجعلوا لأنفسكم حظّاً من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، وما لم يثلم المروة..ولا سرف فيه..ليس منا من ترك دنياه لدينه ودينه لدنياه. (بحار الأنوار،ج75،ص346).

أختم بالجواب على سؤال يتردّد بين المؤمنين في هذا السياق، و مفاده:

كيف نجمع بين ما ذكر آنفاً، وبين التأسي بأمير المؤمنين وأئمة أهل البيت، إذ لم يعهد عنهم أنّ كان من ديدنهم ذلك؟. وجوابه قد جاء على لسان أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلام له بالبصرة مع أحد اصحابه، وهو العلاء بن زياد الحارثي.

-يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد.!

-قال(عليه السلام) وما له؟!

- لبس العباء وتخلّى من الدنيا.

- قال: عليَّ به.

-فلما جاء، قال (عليه السلام): يا عُديّ نفسه(تصغير عدو..)، لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك، وولدك، أترى الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟، أنت أهون على الله من ذلك!

- قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك. !

- قال(عليه السلام): ويحك إني لست كأنت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره.(نهج البلاغة، 202).